بقلم: إبراهيم غرايبة

- المشروع الغربي للإصلاح
- المصالح الأميركية في الإصلاح السياسي
- الأنظمة العربية والرهانات الخاسرة
- الإصلاح إعصار قادم لا محالة
- ماذا يعني انتهاء احتكار المعلومات؟
- ماذا يعني الإنترنت والفضائيات؟

يبدو الإصلاح والتحديث كما لو أنه منخفض جوي أو إعصار قادم تحاول الولايات المتحدة استباقه والاستعداد له، وتحاول الأنظمة السياسية منعه بالتجاهل والنسيان، وما يبدو مشروعا أميركيا وغربيا للإصلاح لا يعدو كونه إدراكا لتحولات قادمة اقتصادية واجتماعية وسياسية مصاحبة للتحولات المعرفية القائمة على المعلوماتية والاتصالات.

"
ما يبدو مشروعا أميركيا وغربيا للإصلاح لا يعدو كونه إدراكا لتحولات قادمة اقتصادية واجتماعية وسياسية مصاحبة للتحولات المعرفية القائمة على المعلوماتية والاتصالات
"
وأما الأنظمة السياسية العربية فما زالت في سياساتها السابقة وكأنها لم تعلم بعد باكتشاف الموبايل والإنترنت والفضائيات والكمبيوتر، أو لم تدرك بعد مقتضيات انتشارها واستخدامها التي تغير كل شيء تقريبا.

المشروع الغربي للإصلاح
طرحت الدول الثماني (G8) خطة مطورة للمشروع الأميركي للإصلاح الذي نشر في صحيفة الحياة اللندنية باعتباره وثيقة غير رسمية صادرة عن وزارة الخارجية الأميركية.

ويرتكز المشروع على مجموعة من المبادئ والأفكار، أهمها: دعم الإصلاح الديمقراطي والاجتماعي في منطقة الشرق الأوسط الموسع (الدول العربية وباكستان وإيران).

وعبر قادة الدول الثماني عن مسؤوليتهم واستعدادهم لدعم الحرية والإصلاح في المنطقة، والتزامهم بشراكة من أجل التقدم والمستقبل المشترك، وحل النزاعات وبخاصة النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، وإقامة الاستقرار في العراق، واحترام خصوصية البلدان والمجتمعات والثقافات.

وتركزت الالتزامات المعلنة في ثلاثة مجالات:
سياسي قائم على التقدم نحو الديمقراطية، وحكم القانون، واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية، والتنوع والتعددية، وإصلاح أجهزة الدولة، والحكم الرشيد.

واجتماعي وثقافي قائم على التعليم، وحرية التعبير، والمساواة بين الرجال والنساء، والحصول على تقنية المعلومات العالمية.

واقتصادي قائم على خلق الوظائف، وتشجيع القطاع الخاص، وتوسيع الاستثمار، وزيادة فرص تدفق رؤوس الأموال، والإصلاح المالي، وضمان حقوق الملكية الفكرية، وحفز الشفافية ومكافحة الفساد.

واعتمدت وسائل وآليات لتحقيق هذا المشروع، أهمها صناديق التمويل والتدريب، والحوار المتواصل لتبادل الخبرات والمعلومات، وتمويل المشروعات الصغيرة القائمة على التعاون مع المجتمعات والأهالي مباشرة بدون وساطة أو تدخل الحكومات، والتنسيق مع بلدان المنطقة لمساعدة أكثر من مليوني صاحب مشروع كي يتمكنوا من إخراج أنفسهم من قاع الفاقة عبر تزويدهم بقروض مالية مصغرة خلال فترة خمسة أعوام.

ومن ضمن هذه الوسائل تدريب المعلمين على التقنيات، وهذا يشمل التعلم من خلال الإنترنت الذي يعزز كسب مهارات القدرة على القراءة بين الأطفال الذين وصلوا إلى سن المدرسة وخصوصا البنات، ونشر مهارات القراءة الوظيفية بين الكبار.

ومن ضمنها كذلك توسيع وتحسين فرص التعليم للبنات والنساء، وهذا يشمل توفير الدعم لمساعدة الأوساط المحلية للحصول على المدارس والمراكز التربوية.

ويضاف إلى ذلك دعم المشاريع النابعة من الأوساط المحلية لتنفيذ برامج لمحو الأمية الخاصة بالكبار خارج نظام التعليم الرسمي، بزيادة عدد الدورات الخاصة بمحو الأمية مع دروس خاصة بالصحة والتغذية ومهارات إدارة المشاريع التجارية.

زد على ذلك دعم العمل التجاري والمشاريع التجارية مع تنفيذ برامج تدريب خاصة بالحرف لمساعدة الشباب خصوصا الفتيات وتوسيع فرص العمل أمامهم، وتنفيذ برامج بالتنسيق مع الشركاء التجاريين لتزويد 250 ألف شاب بفرص تدريب متوفرة تحت أيديهم.

وتدخل في هذا السياق رعاية الحلقات الدراسية للمديرين التنفيذيين المتميزين خصوصا من بين النساء لتطوير كفاءتهن من خلال برامج قصيرة الأمد، وبخاصة في العمل التجاري ومحاضرات مركزة حول الصناعة.

وفوق ذلك يتم تنفيذ برامج خاصة بالشركات بالحرف أو رعايتها في التعاون مع أصحاب المشاريع التجارية المحليين والغرف التجارية لزيادة فرص التدريب لشبان وفتيات المنطقة، والعمل مع منظمات المجتمع المدني وحكومات المنطقة الراغبة في المشاركة لتعزيز برامج الديمقراطية المتوفرة أو الشروع في إطلاق برامج جديدة.

ويدعم ما سبق بإنشاء مؤسسة خاصة للتنمية خاصة بالشرق الأوسط الأوسع ومنطقة شمال أفريقيا في "التعاونية المالية الدولية" (آي إف سي) لمساندة جهود المنطقة لتحسين العمل التجاري والمناخ الاستثماري وزيادة الخيارات في مجال التمويل لمشاريع المنطقة المتسمة بالصغر أو الحجم المتوسط، وهذا يشمل:
- رفع درجة الخبرة والتجربة والمصادر المالية المتوفرة حاليا
- توفير الدعم التقني للبلدان الراغبة في تطوير العمل التجاري فيها وتحسين المناخ الاستثماري لديها.
- مراجعة التقدم الحاصل في مجال الإصلاح بالمنطقة والكتابة عنه.

المصالح الأميركية في الإصلاح السياسي
أدت أحداث الحادي عشر من أيلول عام 2001 إلى فرض سؤال أساسي يحكم التخطيط للسياسة العامة الأميركية والغربية، وهو كيف يمكن التعايش مع 1.2 مليار مسلم ينتشرون في جميع أنحاء العالم، فقد ظهرت هذه الأحداث وكأنها تعكس عداوة شديدة ومتطرفة للغرب وقيمه وثقافته، كما أنها تعكس الأزمة الاجتماعية والاقتصادية في العالم الإسلامي، وكان من التداعيات المباشرة للأحداث احتلال أفغانستان والعراق وتغيير أنظمة الحكم فيهما.

وتظهر دراسة نظمها مركز الدراسات الإستراتيجية في واشنطن وجهات نظر وأفكارا حول التحديث والديمقراطية باعتبارهما مصلحة أميركية وغربية.

وبالنظر إلى الخريطة السياسية والاقتصادية والتنموية للعالم الإسلامي فإنه يمكن الحصول على مؤشرات غير مشجعة، فقد خضع العالم الإسلامي لسلسلة من الاستبداد والفقر والبطالة، وتراجع مؤشرات التنمية الأساسية، مثل التعليم، ومستوى الدخل، وامتلاك التقنية، وهي مشكلات ثبت كما قال ألكسندر جيرسكينكرون Alexander Gerschenkron إنها لا تخص هذه الدول وحدها، بل هي أيضاً تخص الدول المتقدمة.
ولذلك، فإن تعقيدات المأزق الذي يعيشه العالم الإسلامي في الوقت الحاضر تتجاوز الدول الإسلامية لتلقي بظلالها على المستوى العالمي.

وبالتأكيد فإن الأحداث التي وقعت في الربع الأخير من القرن الماضي، ابتداءً من الثورة الإيرانية عام 1979م، ومروراً بالحرب العراقية الإيرانية التي امتدت من عام 1980 إلى 1988م، والحرب الأهلية في أفغانستان، وحرب الخليج عام 1991م، وانتهاءً بهجمات الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر عام 2001م والتدخل العسكري الغربي في كل من أفغانستان والعراق، كل هذه الأحداث تقف شاهداً على التفاعل بين ما يقع في العالم الإسلامي وبين الوضع العالمي.

وترد الدراسة هذا التفاعل إلى غياب التحديث والتحول الديمقراطي في العالم الإسلامي وأثره وتداعياته على المستوى العالمي، وقد نشطت نظريات ورؤى تفسر غياب التحديث والديمقراطية في العالم الإسلامي تفسيرا ثقافيا، ومن رواد هذه النظريات صمويل هنتننغتون، وبرنارد لويس.

لقد أثبتت التجربة التاريخية للتحديث والديمقراطية، في كل من مهدها الأساسي بأوروبا الغربية والمجتمعات الأخرى قصور وعجز التفسير الثقافي، وأشارت إلى تعدد العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بالإضافة إلى السمات الثقافية والدينية، التي أثّرت على شكل وسير التحديث والتحول الديمقراطي.

"
الدول الإسلامية تعاني من عوائق بنيوية أمام التحديث والديمقراطية، ولبعضها جذور تاريخية، بما في ذلك الإرث الاستعماري والصراع معه
"
وتجد الدراسة أن الدول الإسلامية تعاني من عوائق بنيوية أمام التحديث والديمقراطية، ولبعضها جذور تاريخية، بما في ذلك الإرث الاستعماري والصراع معه، ومن ذلك تقسيم المجتمعات عرقيا، وفرض حدود سياسية مفتعلة، وإنشاء مؤسسات عسكرية متغولة.

وكان لانتشار الفقر على نطاق واسع إلى جانب الأمية والأحوال الصحية السيئة والتباينات الكبيرة في مستويات الدخل في دول العالم الإسلامي دور كبير في إعاقة التحديث، بل وأهم من ذلك إعاقة عملية التحول الديمقراطي في هذه الدول.

وهكذا فإن مصالح الولايات المتحدة الأميركية القائمة على مكافحة الإرهاب ومكافحة الاعتداء على مصالحها ومؤسساتها تبدأ بمشروع تحديثي وتنموي للعالم الإسلامي، فما تنفقه على الأمن والتسلح دون جدوى يفوق أضعافا مضاعفة ما يمكن إنفاقه على التنمية والتحديث المؤدي في المحصلة إلى حالة من القبول بالغرب والتعايش معه وإنهاء العداوة والتوتر.

الأنظمة العربية والرهانات الخاسرة
يبدو أن حكومات كثير من الدول العربية تراهن في رفضها للإصلاح السياسي على مسألتين، هما: أن التعاون الأمني والسياسي مع الولايات المتحدة، وأن البديل الإسلامي المتوقع في حالة إجراء انتخابات عامة سيكون دافعا للتغاضي الأميركي عن غياب الديمقراطية والحريات السياسية والعامة وانتهاكات حقوق الإنسان في هذه الدول.

"
أنشأت المعلوماتية والمعرفة تحولات كبرى سياسية واقتصادية واجتماعية لم يعد ممكنا معها الاستمرار في أدوات الحكم والإدارة السابقة
"
وربما كان هذا رهانا صحيحا وإستراتيجيا في الفترة الماضية، ولكن استمراره ليس أمرا مسلما به، ويبدو أنه لم يعد قائما، فقد أنشأت المعلوماتية والمعرفة تحولات كبرى سياسية واقتصادية واجتماعية لم يعد ممكنا معها الاستمرار في أدوات الحكم والإدارة السابقة، وقدمت كل من الولايات المتحدة والحركة الإسلامية أدلة ومؤشرات عدة على فرص القبول والتعاون المتبادل، كما يحدث الآن في تركيا والعراق وأفغانستان والسودان.

الإصلاح إعصار قادم لا محالة
وبعيدا عن الجدل الدائر حول مدى جدية وأهمية المشروع الأميركي والغربي الذي سمي "الشرق الأوسط الكبير" فإن التداعيات القائمة على المعلوماتية لا تدع مجالا لعدم التكيف معها، أو الاستمرار خارجها، وتحتم إعادة صياغة عقد الدولة مع المواطنين وفق الفرص والتحديات والآفاق الجديدة التي أنشأتها.

وتحتاج الحكومات العربية أن تدرك أن الموبايل والإنترنت والفضائيات جعلت العلاقة التي كانت قائمة بين السلطة والمواطنين تتبدل تبدلا كبيرا، ولم تعد اللعبة السابقة تصلح أساسا لها.

"
تحتاج الحكومات العربية أن تدرك أن الموبايل والإنترنت والفضائيات جعلت العلاقة التي كانت قائمة بين السلطة والمواطنين تتبدل تبدلا كبيرا
"
وهذا ما يبدو أن أجهزة السلطة والحكم لا تريد إدراكه، فالسلطة لم تعد قادرة على احتكار المعلومة أو التحكم بتداولها، فاليوم يستطيع أي شخص أن يوصل خبرا عن اعتقال مثلا أو ضرب مواطن على يد رجال الشرطة (أو نسائها) بتكلفة بسيطة لا تتجاوز عشر دولارات إلى جميع الصحف ووكالات الأنباء ومحطات الإذاعة والتلفزة ومنظمات حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم.

ويستطيع أي مواطن في أي مكان بالعالم الحصول على المعلومات والأخبار المبثوثة بلا تحكم في الفضاء والإنترنت، ويستطيع أي شخص بتكلفة بسيطة أن يؤسس موقعا على شبكة الإنترنت يبث بلا قيود وإلى أي مكان في العالم النص والصوت والصورة.

ماذا يعني انتهاء احتكار المعلومات؟
الديمقراطية في جوهرها قائمة على المعلومات، إنها ببساطة حق المعرفة، وعندما يستطيع المواطنون معرفة ما يحتاجون إليه عن الحكومات والبرامج والمواقف والمؤسسات، وعندما تعجز هذه المؤسسات عن احتكار المعلومة أو حجبها أو مراقبتها، فإن عملية بناء الثقة والولاء ستقوم على قواعد جديدة مختلفة تأخذ بالاعتبار أن الحكومات والجهات المعنية لم تعد مصدرا وحيدا للمعلومة، بل إنها لم تعد الجهة التي يذهب إليها المواطنون للحصول على المعلومة.

ماذا يعني الإنترنت والفضائيات؟
إنها تعني ببساطة أن العالم نفسه تحول إلى شبكة متصلة ببعضها تتداخل فيها شؤون الدول والمجتمعات، وتعني أيضا التحول إلى الشبكية في الإدارة والحكم والحياة.

لقد قوضت تقنية المعلومات والاتصالات الهرم الذي ظل رمزاً وفلسفة ومنهاجاً، فقد كانت الحكومات والنخب والإدارات العليا في الشركات والمؤسسات تملك هذه المعلومات وتتحكم تماماً في طريقة بثها وتدفقها، وتحدد من تصل إليه المعلومة، وكانت جهة واحدة هي التي تتلقى جميع المعلومات ثم تقرر مصيرها، وتجلس هي على قمة الهرم تحتكر الأهمية والقرار والمعلومة.

ولكن المعلومات تصل اليوم عبر الإنترنت والأقمار الصناعية إلى أي شخص مهما كان موقعه الهرمي في المجتمع والدولة، وتقبع أجهزة استقبال المحطات الفضائية ومواقع الإنترنت في مكاتب رؤساء الحكومات وقادتها كما هي تماماً عند الصحفي في بيته أو ربة المنزل.

ولم تعد الرقابة على المطبوعات والمواد الإعلامية مؤثرة أو فعالة، وتحول هذا المورد الخطير المهم (المعلومات) من مجوهرات خاصة جداً في خزائن النخب إلى مادة شعبية شائعة، وربما أكثر من ذلك كالماء مثلاً أو الهواء، وهكذا فقدت الحكومات والنخب جزءاً كبيراً من أهميتها ونفوذها لصالح العامة والمجتمعات.

"
الدول العربية في سياساتها القائمة على الاستمرار في الاستبداد ورفض الإصلاح إنما تلعب في الوقت الضائع
"
والشبكية نفسها تتحول إلى فلسفة في الحياة والإدارة والتعليم والسياسة والثقافة بديلة للهرمية القائمة أو التي كانت قائمة، فالناس في تعاملهم الشامل مع الشبكات للتعليم والتواصل والاتصال والعمل والتشاور والحصول على المعلومات والمعارف وتبادل الآراء والخبرات والمعارف وتحويل وتلقي المال والخدمات والسلع، يستبدلون بنظامهم الهرمي التاريخي في الحياة نظاما شبكيا قائما على المساواة والمشاركة المتحققة فنيا.

ومن الواضح أن دور الحكومات والدول يتغير، فالحكومات تنسحب من كثير من المواقع التي سيطرت عليها، وتتخلى عن أدوار كثيرة كانت تقوم بها كالتعليم والصحة وتنظيم الاقتصاد وتوجيهه ومراقبة الأسعار والثقافة.

وهذا التغير في دور الحكومات سيغير حتما من طبيعة علاقتها بالمواطنين، فلم تعد رب العمل، ومصدر النعم والنقم، ولا تسيطر على موارد الناس، ولا آفاقهم المعرفية، ولا يمكن للحكومات العربية بناءً على ذلك أن تواصل لعبة الانفتاح والتحول الاقتصادي مع التأميم السياسي.

باختصار فإن الدول العربية في سياساتها القائمة على الاستمرار في الاستبداد ورفض الإصلاح إنما تلعب في الوقت الضائع، ولم تعد الإصلاحات السياسية سوى مسألة وقت، وربما تجنب إن هي بادرت بالإصلاح كثيرا من الخسائر والآلام والتضحيات.
_________________
كاتب أردني

المصدر : غير معروف