عادل لطيفي

- الوهابية والمهدية وتجارب الإصلاح الديني
- الإسلام والإصلاح في القرن الـ19

- الإسلام من البناء الوطني إلى الجهاد العالمي

يعد الحضور المكثف للإسلام اليوم، سواء كمادة إعلامية أو كعنصر فاعل في الفضاء السياسي والاجتماعي، عاملا من عوامل الخلط الذي أصبح يميز مختلف الخطابات التي تتخذ منه مادتها الرئيسية.

فقد قذف بالإسلام في مواجهة الغرب في العراق وأفغانستان وغيرهما من بقاع العالم، كما قذف به للتصدي للفساد والانحلال الأخلاقي وتحرر المرأة وحتى لمواجهة المنهجية الصارمة للعلوم الاجتماعية الحديثة.

لقد أصبح كلا غير مضبوط الحدود في مواجهة الكل الوضعي البشري.

ومن بين تداعيات هذا التداخل ذلك التضخم الكبير للخطابات المتعلقة بالإسلام وكذلك للمختصين في ما يسمى بالإسلام الأصولي، مما قلص من هامش فعالية الخطابات المعرفية الأكاديمية حوله والتي ينتجها المؤرخون وعلماء الاجتماع والإنثروبولوجيا سواء من داخل الفضاء الإسلامي أو من خارجه.

"
الأصولية السياسية التي تحاول البروز بمظهر التمثيل المطلق للإسلام، لا تمثل في الحقيقة سوى إفراز من إفرازات الواقع السياسي والاجتماعي الذي نتج عن توسع دائرة تأثير الحداثة الغربية
"
إنها معركة حقيقية حول ضبط معنى الإسلام وتحديد فضاء فعاليته ثم حول الحديث عنه أو باسمه، إذ يخيل للسامع اليوم أنه كلما استعملنا في خطابنا كلمة الإسلام فقد قلنا كل شيء طالما الدال يحيل إلى مدلول متعارف عليه.

كما أصبح من الدارج الربط بين الإسلام وبين الحركات الإسلامية الحالية التي تدرج خطأ ضمن السيرورة التاريخية للإسلام من الهجرة إلى يثرب إلى أحداث 11 سبتمبر/ أيلول في نيويورك مرورا بأحداث الردة وابن تيمية وسقوط غرناطة وجمال الدين الأفغاني. لكن التمحيص التاريخي يبين هشاشة مثل هذا الربط. 

الوهابية والمهدية وتجارب الإصلاح الديني 
إن النظرة الموضوعية لموقع الإسلام في السياقات التاريخية المتعددة تبين مدى نسبيته كمفهوم ومدى تنوع طبيعة حضوره على خلاف ما تبرزه أغلب الكتابات اليوم وبخاصة في العالم الإسلامي. 

فالأصولية السياسية التي تحاول البروز بمظهر التمثيلية المطلقة للإسلام، لا تمثل في الحقيقة سوى إفراز من إفرازات الواقع السياسي والاجتماعي الذي نتج عن توسع دائرة تأثير الحداثة الغربية، أي أنها ليست ظاهرة دينية محضة. وهذا ما نلاحظه بالعودة إلى حركات الإصلاح الأولى في العصر الحديث.

إذ ما انفك قادة المجموعات والأحزاب الإسلامية -المتطرفة منها والمعتدلة- يبنون جزءا من شرعيتهم عبر إنتاج عمق تاريخي يرجع بهم إلى مهد الإصلاح الحديث مع الحركة الوهابية في الجزيرة العربية والحركة المهدية في السودان.

لقد كانت الحركة الوهابية أول حركة في العصر الحديث تطرح على نفسها برنامجا لإصلاح وضع المسلمين ينبني على مبدأ العودة إلى تعاليم النص القرآني والتقليد السني.

ومن المعروف أن مؤسس هذه الحركة محمد بن عبد الوهاب أقام تحالفا سياسيا مع عائلة آل سعود تبادلا من خلاله ضمان توسع المذهب بضمان قاعدة اجتماعية لتأسيس الدولة، وهو ما يمكن أن يوفر زاوية أخرى لفهم بعد مهم من أبعاد الوهابية، أي شحنتها السياسية الخاصة.

في السودان كانت الحركة المهدية تسير في نفس الاتجاه الرافض للبدع التي اعتبرت دخيلة على الإسلام وعلى تعاليمه. وقد دفعت الطرق الصوفية ومختلف المعتقدات الشعبية ثمنا لهذه الحركات الاسترجاعية، مما يفسر كون خصمها الأول الشرائح الشعبية ذاتها.

في هذا الإطار بالذات يمكننا فهم علاقة الوهابية بالعائلة السعودية التي وفرت الوسائل السياسية والعسكرية لتطويع هذه الشرائح.

إن ما يهمنا أكثر في هاتين الحركتين هو إزالة اللبس حول طبيعتهما وعلاقتهما بالحركات التي عرفها العالم الإسلامي لاحقا، إذ يسود الاعتقاد بأنهما يمثلان البذرة الأولى في النهضة الإسلامية الحديثة التي ستتواصل مع الأفغاني ومحمد عبده لتصل إلى حركة الإخوان المسلمين. والواقع أن الوهابية والمهدية هما أقرب إلى حركات الإصلاح الديني التقليدي بالمعنى الذي ساد في العصور الوسطى، أو ربما كانتا آخر توجه للإصلاح الديني المحض في الفضاء الإسلامي.

أي أنهما تخضعان لمنطق داخلي للإسلام أكثر من تأثرهما بالمحيط العالمي وبالعلاقات مع الآخر. وهذا الآخر لم يسجل حضوره في الوهابية والمهدية كغاز أو كخطر ما إلا بشكل عرضي وهامشي، على عكس ما تراه وتطرحه التيارات الإسلامية اليوم.

إن ضعف استحضار الآخر الغربي في صورته السلبية يفسر إلى حد كبير طبيعة التقارب بين المملكة السعودية والغرب إذا استثنينا بعض الأحداث العرضية، مثل أزمة النفط عام 1973 وفترة الرئيس الأميركي الحالي جورج بوش.

خلاصة القول هنا أن التيارات التي تدعي اليوم شرعية تواصلها مع الوهابية لخلق عمق تاريخي ما، تحاول في واقع الأمر إعادة صياغة التاريخ على أسس وجدانية أكثر منها عقلانية، وتدفع بالإسلام إلى واجهة صراع لا علاقة له بمحمد بن عبد الوهاب وتوحيده. فهذا الأخير يعد نظرة داخلية للذات، في حين يعد الإسلام السياسي اليوم نظرة للذات في علاقتها بالآخر.  

الإسلام والإصلاح السلفي

"
التيارات التي تدعي اليوم شرعية تواصلها مع الوهابية لخلق عمق تاريخي ما، تحاول في واقع الأمر إعادة صياغة التاريخ على أسس وجدانية أكثر منها عقلانية
"
يعد القرن التاسع عشر قرن التوسع الاستعماري للغرب الأوروبي. وقد عاشت رقاع الإسلام بدورها هذا العصر من موقع المدافع غير الواثق والمتردد والمفتتن في نفس الوقت بهذا الغرب.

في ظل هذا الظرف صار حضور الغرب أكثر بروزا في فكر المصلحين المسلمين، لكنه كان في البداية حضورا إيجابيا إذ عد تقدم الغرب مثالا ونموذجا لتقدم المسلمين، أي أننا مازلنا بعيدين عن صورة ذلك الغرب المتربص والمعتدي.

لكن خوف الرواد المسلمين مثل الأفغاني ومحمد عبده وتلميذه رشيد رضا كان مبعثه أكثر من منافسة غير مفهومة وغير مستوعبة بين الإنجليز والروس والفرنسيين وبخاصة في حالات الإسلام الآسيوي.

لا جدوى هنا من الحديث عن أهم أفكار هؤلاء الرواد لأنها أصبحت معروفة، لكننا نركز فقط على بعض نقاط الالتقاء مع الوهابية أو المهدية مثل العودة إلى النص القرآني والتقليد السني، وهي عناصر قائمة الذات في كل عصر من عصور التاريخ الإسلامي، ثم محاربة بعض البدع الشعبية التي شوهت الإسلام، والأهم أنها أصبحت تمثل عائقا لتقدم المسلمين.

مقابل ذلك تبقى الفروق بارزة، فإن كانت الوهابية تهدف أكثر إلى إصلاح وضع الإسلام، فرواد النهضة والإصلاح كانوا يهدفون أكثر إلى إصلاح وضع المسلمين.

ومن هذه الناحية كان توجه الإصلاح لدى الأفغاني وعبده توجها ثقافيا وحضاريا أكثر منه دينيا، فالفكرة الأساسية هي قدرة المسلمين على دخول عصر التمدن كما تم في الغرب، فكان المشروع الأساسي هو استعادة الإسلام كثقافة وكحضارة قوية كحالة الغرب.

من ناحية ثانية لا يبرز الغرب هنا كمنافس أو كغاز بل كنموذج ومقياس يمكن للمسلمين الاقتداء به، أي أن الآخر غير مرفوض، بل المطروح هو تعديل موازين القوى بين كتل حضارية متقاربة من حيث الإمكانيات. هنا تظهر غلبة العناصر الثقافية والحضارية العامة على المعطى الديني المحض الذي طبع الوهابية.

من جهة أخرى تلتقي حركات الإصلاح الكلاسيكي مع توجه الأفغاني وعبده في طابعهما النخبوي أي في غياب الامتداد الشعبي، بسبب الظروف الاجتماعية والثقافية العامة لتلك الفترة.

كما أنها تلتقي في ضعف شحنتها السياسية، بمعنى غياب تنظير سياسي قادر على بلورة مشروع نظام حكم، وحتى فكرة الرابطة الإسلامية التي دعت إليها.

هذه نقطة أخرى مهمة تفند فكرة التواصل المزعوم بين الإصلاح الكلاسيكي وعصر النهضة وبين الحركات الإسلامية الجهادية اليوم. فسوف لن يبرز البعد السياسي -بمفهومه الحديث- في الإسلام ويصبح عاملا محركا لقاعدة اجتماعية عريضة إلا مع تركز الاستعمار في المجتمعات الإسلامية.

الإسلام من البناء الوطني إلى الجهاد العالمي
مع بداية القرن العشرين أصبح الاستعمار واقعا لا مفر من الإقرار به. لقد طبع حياة العرب والمسلمين اليومية في أدق تفصيلاتها.

في هذا السياق المتميز بثقل الآخر كان الرهان الأساسي هو تحقيق الكيان، إذ كان المجتمع في حاجة ماسة إلى سند أيدولوجي يدعم عملية البناء الوطني، وكان الإسلام مؤهلا للعب هذا الدور.

فكان لعلال الفاسي في المغرب وعبد الحميد بن باديس في الجزائر وكذلك حسن البنا في مصر، ولو بأكثر حدة من الرموز الأخرى، دور بارز في ربط الإسلام بعملية البناء الوطني وفي ربطه بالمعطى السياسي.

لقد أصبح الإسلام فجأة عنصرا مكونا للهوية الوطنية بالمعنى الحديث للمفهوم، أي أنه ابتعد عن كونه مجرد دين لينخرط في معترك السياسة التي أفرزتها الحداثة الأوروبية المفروضة.

إضافة إلى هذه الشحنة السياسية، تسجل هذه الفترة الاستعمارية انخراط شرائح اجتماعية واسعة في العمل السياسي الوطني على قاعدة الهوية الإسلامية الضامنة لكيان المجموعة الوطنية في مواجهة المحتل.

هذا ما تؤكده الأحداث التي شهدتها بلاد المغرب ومصر والمشرق العربي خلال فترة الثلاثينات من القرن العشرين، أي فترة الانتفاضات الجماعية التي أفرزت مفهوم الجهاد كعامل من عوامل البناء الوطني. 

"
التيارات السياسية والفكرية الفاعلة انتقلت من الدين المحض مع الوهابية إلى الثقافة مع الأفغاني إلى سياسة
الوطن والثورة خلال فترة الاستعمار ثم اليوم إلى العالمية
مع حرب القاعدة
"
هذا يعني أنه من الخطأ اليوم الحديث عن إسلام جهادي وحركات جهادية في خصوص الأحزاب والتيارات التي تنشط اليوم باسم الإسلام.

نسجل هنا نوعا من القطيعة مع فكر الإصلاح الإسلامي للأفغاني وتلاميذه، فقد حل السياسي محل الثقافي والحضاري العام كما حل الوطن محل الأمة والجماهير محل النخبة.

غير أن هذا التوجه الإسلامي لم يتمكن من قيادة البناء الوطني السياسي إلى النهاية، لأن قوى معتدلة وتحديثية هي التي قادت عملية التحول إلى الاستقلال، مثل حزب الاستقلال في المغرب والوفد في مصر والحزب الدستوري في تونس وجبهة التحرير في الجزائر. 

مع هذه الأحزاب أصبح الوطن حقيقة ملموسة. لقد تم تحقيق الذات الوطنية وتحول الرهان من تحقيق الوطن إلى تحقيق المجتمع، فغصت الساحة الإعلامية في هذه البلدان بخطابات تدور حول ربح التنمية وتحقيق الرفاه.

وإلى حد ما تم تغييب العلاقة بالآخر أو أنها تراجعت إلى مكانة ثانوية لتنحصر إمكانيات الصراع بين الدولة والمجتمع. وهنا أصبح الإسلام -كما هو متمثّل- معبرا مهما في العلاقة بين هذين الطرفين: إسلام منبع للشرعية بالنسبة للدولة، وإسلام مطلبي وحركي من جانب المجتمع.

تم هذا التحول في فترة طغى عليها على المستوى الأيدولوجي فكر الثورة -القومية منها ثم الماركسية لتليها خلال السبعينات والثمانينات توجه الثورة الإسلامية- المسنود من نموذج الثورة الإيرانية.

أما الإطار العام لفعل هذا الإسلام فقد بقى الفضاء الوطني كما كان عليه الحال في الفترة الاستعمارية، أي أن مهمته تمثلت في إعادة تشكيل قاعدة الوطن، أي المجتمع.

لكن التيارات والأحزاب الإسلامية فشلت في هذا البرنامج، أي تحقيق دولة إسلامية وأسلمة المجتمع، سواء من فوق مثل حالة إيران والسودان أو من الأسفل مثل حالة الجزائر ومصر.

وظهر ذلك واضحا مع بداية عقد التسعينات، مما يعني أنه تزامن مع سقوط المعسكر الشرقي من ناحية ومع فسح المجال أمام العولمة الليبرالية بمختلف أبعادها الاقتصادية والثقافية والسياسية من ناحية ثانية.

هنا دفع بالإسلام -أي الإسلام المفهوم كما تم تخيله- في غياهب العولمة. لقد تمت عولمة الاحتجاج الإسلامي كرد فعل على فشل المشروع الوطني الإسلامي وكذلك على الانفراد السياسي العالمي.

لقد تم الابتعاد عن الوطن مع تنظيم القاعدة وبن لادن ومع العديد من الحركات التي تتخذ من أوروبا وخاصة من بريطانيا قاعدة لنشاطها.

نلاحظ هذا بكل جلاء في خطب أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، فهي خطب موجهة إلى الآخر الكافر أكثر من كونها موجهة إلى المسلم لإصلاح أحواله.

لم تعد مهمة الإسلام -كما تصوره هؤلاء- إعادة تشكيل الوطن بل محاربة الآخر ولما لا.. القضاء عليه، وهنا نجد هذا الفهم قد وصل ذروة دوره في تأجيج عقدة الآخر باسم الجهاد الذي لم يعد محتواه مرتبطا بإنتاج الوطن بل بتصدير النموذج وشن الحرب على الخارج.

في هذا السياق جسدت تفجيرات 11 سبتمبر/ أيلول الولايات المتحدة هذه الوظيفة "التدميرية" لمفهوم الإسلام الجهادي المعولم.

نود في النهاية التأكيد على أهمية هذه التحولات على مستوى طبيعة حضور الإسلام لدى التيارات السياسية والفكرية الفاعلة، فقد انتقل من الدين المحض مع الوهابية إلى الثقافة مع الأفغاني إلى سياسة الوطن والثورة خلال وبعد فترة الاستعمار، ثم اليوم إلى العالمية مع حرب القاعدة ومن يدورون في فلكها ضد الولايات المتحدة وبقية الغرب.

وقد توازت هذه التحولات مع تحول في طبيعة النظرة إلى الآخر، من التجاهل إلى الانبهار ثم المنافسة معه حول حق البقاء. مثل هذه التحولات تدفع إلى الاحتراس عند الحديث عن دور الإسلام اليوم، من استخدام بعض المفاهيم الغامضة أو السقوط في القراءات الاستهلاكية المستعجلة، مثل خلق التواصل الموهوم بين مختلف أصناف الأصولية على قاعدة إسلام مشترك.

فمن الأهمية بمكان التمييز بين الإسلام الدين كما عرفه التاريخ الكلاسيكي وكما تؤمن به اليوم أغلب شرائح المسلمين في العالم وبكل صدق، وبين الإسلام

المفهومي الذي بدأ إنتاجه في خضم توسع دائرة فعل الحداثة. 


________
كاتب تونسي

المصدر : الجزيرة