يقصد بالتيار الجهادي في هذا المقال الفصائل التي تعتقد أن استخدام القوة المسلحة هي أداة التغيير سواء على المستوى الداخلي القطري أو المستوى الكوني العالمي. وفي الواقع بزغ التيار الجهادي في منتصف السبعينيات في مصر، ومثلت الحركة التي قادها الدكتور صالح سرية وتعرف باسم حركة الفنية العسكرية النواة الأولى التي بزغ منها هذا التيار.
 
وبالطبع مثلت مصر دائما مكانة مركزية ذات طابع إستراتيجي خاص لدى التيار الجهادي باعتبارها دولة محورية يمثل التغيير فيها فاتحة لتأسيس وضع يحفظ للإقليم العربي دوره كوعاء يعبر عن الحضارة العربية والإسلامية، وأظنني في هذا المقام أنبه لشيء جديد، وهو أن العلاقة الجوهرية بين مصر وفلسطين هي التي جعلت صالح سرية يفكر في اتخاذ مصر مسرحا لعملياته الجهادية.
 
وفي فترة السبعينيات عرفت مصر محاولات متعددة لأنشطة جهادية قادها بعض أعضاء الفنية العسكرية وعرفت حركة يحيى هاشم وكيل النيابة المصري، ولكن التيار الجهادي بلغ تمام اكتماله مع تنفيذه بنجاح لعملية اغتيال السادات عام 1981.
 
"
العلاقة الجوهرية بين مصر وفلسطين هي التي جعلت صالح سرية يفكر في اتخاذ مصر مسرحا لعملياته الجهادية
"
ولا بد من القول إنه كانت هناك فجوة بين التوفيق الحركي الذي صادف العملية والقدرة الفكرية والاجتهادية والسياسية للمنتمين للتيار الجهادي، فكما هو معلوم تعاونت عدة فصائل جهادية في تنفيذ العملية، وكان لكل فصيل منها عالمه الخاص قبل ذلك، وهو ما قاد إلي تفجير خلافات بين هذه الفصائل بعد سجنها وهو ما أدى إلى انفصال تنظيم الجهاد عن الجماعة الإسلامية الجهادية.
 
لكنه للحق والحقيقة فإن عملية مراجعة مبكرة وصارمة جرت داخل دوائر صناعة القرار داخل التيار الجهادي في هذا الوقت، وصدرت فتوى من الشيخ عمر عبد الرحمن الزعيم الروحي للتيار بصيام شهرين كفارة لما اعتبر قتلا خطأ وقتها.

وفي فترة الثمانينيات جرى ما يمكن اعتباره تسوية سياسية بين التيار الجهادي والنظام السياسي المصري كانت جزءا من إعادة ترتيب النظام السياسي الجديد لأوراقه في إطار مجموعة من التسويات مع جميع القوى السياسية المصرية، وتعد الأحكام التي صدرت في قضية تنظيم الجهاد الكبرى المعروفة بالقضية رقم 462 لسنة 1981 دليلا على هذه التسوية، حيث لم تصدر أي أحكام بالإعدام، كما برأت الشيخ عمر عبد الرحمن وعددا كبيرا من الجيل الثاني في التيار الجهادي.

وكان يمكن أن تطوى صفحة المواجهة الكبرى في تاريخ هذا التيار التي وضعته كأهم قوة سياسية في مصر لولا غياب نظرية سياسية ذات طابع إستراتيجي لديه، وظلت التوازنات السياسية المحكومة بإعادة الدولة المصرية والتيار الجهادي  بترتيب أوراقهما تحكم الوضع العام في العلاقة بين الطرفين طوال فترة الثمانينيات التي اتسمت بالهدوء ولم تعرف خلالها أحداث تذكر.
 
ومن منظور سسيولوجي نجد أن العنف توارى في فترة الثمانينيات التي اتسمت بقدر كبير من التسامح من جانب النظام السياسي المصري تجاه عامة القوى السياسية بما في ذلك القوى الإسلامية والتيار الجهادي، وبعض العمليات التي نفذها تيار هامشي أطلق على نفسه "الناجون من النار" ارتبطت بصدى عمليات التعذيب التي تعرض لها التيار الجهادي التي عرضت على الرأي العام المصري وقتها.

ومثل عقد التسعينيات تحولا هائلا في علاقة الدولة المصرية بالتيارات الجهادية، حيث نشبت بين الطرفين ما يمكن وصفه بأنه حرب كسر عظام مفتوحة ووحشية اختفت فيها التقاليد المرجعية التي من المفترض أنها تحكم سلوك كل طرف وفتحت دائرة العنف والعنف المضاد طاقتها على أوسع مدى، ويمكن القول إن التحول الدرامي الذي عرفته هذه الفترة ناحية العنف يرجع لثلاثة عوامل رئيسية هي:
 
العامل الأفغاني: حيث توجهت قطاعات واسعة من التيار الجهادي إلى أفغانستان، وكانت لها معسكراتها التي فتحتها على خبرات قتالية وعسكرية لم يكن لها به سابق عهد، كما فتحت لها علاقات كبيرة بالحركة الجهادية العالمية، ويبدو أن ما نطلق عليه في العلوم الاجتماعية "خطأ الإدراك" قد صور للتيار الجهادي أنه يمكنه حسم التغيير السياسي داخل مجتمعاته عبر استخدام القوة العسكرية.

"
فوز جبهة الإنقاذ الكاسح للانتخابات الجزائرية أدى إلى ما يمكن أن نطلق عليه تحولا دراميا في إدراك القيادة السياسية المصرية حيث اعتبرت أن القوى الإسلامية هي البديل عن نظمها السياسية
"
العامل الجزائري: حيث أدى فوز جبهة الإنقاذ الكاسح للانتخابات الجزائرية إلى ما يمكن أن نطلق عليه تحولا دراميا في إدراك القيادة السياسية المصرية، حيث اعتبرت أن القوى الإسلامية هي البديل عن نظمها السياسية، وأنه لا فرق بين تيار معتدل وآخر متشدد، وأن الإسلاميين جميعا يمثلون تهديدا وخطرا على النظام السياسي.

واقترن ذلك برفض عودة الأفغان العرب إلى بلدانهم ومنها مصر وكان المصريون يمثلون الجمهرة الوفيرة منهم، كما استخدم النظام السياسي المصري آليات جديدة على تقاليده ومنها محاكمة التيارات الجهادية والإخوانية أمام المحاكم العسكرية وغيرها مما لا يتسع  المقام هنا لذكره.
 
العامل الأميركي: حيث دخلت أميركا على خط الملاحقة المباشرة للقيادات الجهادية في منطقة البلقان وآسيا الوسطي، وكانت عملية كينيا وتنزانيا التي وقعت في أغسطس/ آب 1998 بداية لتحول في الإدراك الجهادي ناحية الاعتقاد بأن العدو الأميركي هو الأخطر، خاصة أن فترة التسعينيات شهدت سياسات أميركية تجاه العالم العربي والإسلامي اتخذت طابعا صليبيا واضحا.

وأعلن تنظيم الجهاد المصري إيقاف جميع عملياته العسكرية في مصر لأسباب أخلاقية وسياسية عام 1995م وانضم إلى "الجبهة العالمية لقتال اليهود والصليبيين" التي يشير عنوانها إلى الخطر الصليبي اليهودي على العالم العربي والإسلامي.

وليس خافيا أن المقولات الثقافية ذات الطابع الإمبريالي التي دشنها هنتنغتون وفوكوياما والمستشرق اليهودي برنارد لويس وغيرهم عززت الاعتقاد لدى التيار الجهادي بأن العالم الإسلامي يواجه حربا صليببية جديدة، وأن العدو الحقيقي للعالم الإسلامي هو أميركا والكيان الصهيوني وليس النظم الداخلية. وبلغت دراما العنف منتهاها مع أحداث 11 سبتمبر/ أيلول التي مثلت ما أطلق عليه الأميركيون أولى حروب القرن.

وبعد التأسيس للجبهة العالمية لقتال اليهود والصليبيين في فبراير/ شباط 1998م يمكن القول إن التيار الجهادي دخل مرحلة جيدة مختلفة كيفيا ونوعيا عن وضعه السابق، حيث أصبح التيار الجهادي عنوانا لما يعرف باسم قاعدة الجهاد التي تحالفت مع طالبان التي منحت القاعدة الملاذ الجغرافي الآمن الذي نظر إليه باعتباره دارا للإسلام وقاعدة محررة تعطيه الحماية والقدرة على التحرك والمناورة.
"
يبدو أن المعركة الكونية الكبرى أو ما يطلق عليه "العولمة الجهادية" في مواجهة "العولمة الأميركية" هي عنوان اللحظة الراهنة
"

ويبدو أن المعركة الكونية الكبرى أو ما يطلق عليه "العولمة الجهادية" في مواجهة "العولمة الأميركية" هي عنوان اللحظة الراهنة، وصار تحالف القاعدة والجهاد وطالبان هو التعبير الجديد عن التيار الجهادي، وصرنا بإزاء متغيرات جديدة وقواعد جديدة للعبة مختلفة تماما عن القواعد السابقة ويمكن رسم القواعد الجديدة للعبة في السياق التالي:

أولا: صار تنظيم القاعدة تعبيرا عما أطلق عليه بعض الباحثين الأميركيين كيانا وهميا لا يعرف له ملامح واضحة يمكن الإمساك بها، كما يمكن تصور أن الطبيعة المراوغة وغير المركزية للتنظيم الجديد تعطيه القدرة على التحرك الذي لا يمكن توقعه.

ثانيا: أن التنظيم أصبح له طابع عابر للقارات ووعاء لأممية جهادية واسعة جدا تنتشر على مساحة الكرة الأرضية جميعها، ويمكن تصور أن العمليات التي أعلن عنها لصالح التنظيم هي تعبير عن ولاء فكري نضالي معاد لأميركا وليس بالضرورة تعبيرا عن رابطة تنظيمية ذات طابع محدد. وكما في دراسة الحركات الاجتماعية يمكن اعتبار القاعدة إطارا مرجعيا لكل القوى الإسلامية المنخرطة في مواجهة مع أميركا.

ثالثا: أن التنظيم لديه قدرات وإمكانيات عالية من الناحية التقنية والعسكرية ولا يزال يمثل تحديا كبيرا لأميركا والغرب الرسمي، وفي تقديرنا أن استمرار التنظيم مرهون باستمرار العنف البنيوي على المستوى الكوني من جانب أميركا والغرب والكيان الصهيوني تجاه العالم العربي والإسلامي.

رابعا: يواجه التيار الجهادي الكوني الجديد معضلة حقيقية تتمثل في توزعه بين أيديولوجية الانخراط في المواجهة الكونية عن طريق خطوط التماس الجديدة مع العالم الغربي كما في العراق اليوم، والاستمرارية في أيديولوجيته القديمة التي تتبنى مواجهة الأنظمة السياسية الموالية للغرب في الداخل.

وبظني فإن قدرة هذا التيار على حل هذه المعضلة هي التي ستحدد مستقبله، لأن الخبرات السابقة لهذا التيار أثبتت أن انخراطه في أعمال عنف داخل البلدان العربية والإسلامية تكون خصما من رصيده وليس إضافة له، ولكن هذا التيار الآن أصبح له سياقه الخاص الذي يتحرك في عالم افتراضي خاص بالمواجهة مع من يعتبرهم أعداء للعالم الإسلامي.

وظني أن قدرة هذا التيار على تطوير أيديولوجية تجعله يستبعد جبهة المواجهة مع نظم عالمه الداخلية يعد خطوة ضرورية لتحاشيه حربا على جبهات ستهز من شرعيته وشرعية نضاله الكوني، وذلك ممكن لو تطورت أيديولوجية التنظيم الحركية بعيدا عن المنطلقات والمقولات العقدية، وذلك عبر بناء تقاليد لما نطلق عليه "الاجتهاد السياسي"، فهذه هي الرافعة الحركية التي يمكن أن تبقي التيار الجهادي له مستقبل ممكن في ظل المتغيرات الجديدة التي يأتي على رأسها سعي أميركا لإعادة هندسة العالم الإسلامي وفق منطق تغليب الأقليات وتسويدها وخلق فوضى عامة ربما يكون من بينها الإطاحة ببعض النظم السياسية القائمة. ومن ثم لم يعد منطقا مقبولا المساهمة في ما يبدو أنه جزء من مخطط سيادة حالة الفوضى في المنطقة العربية والإسلامية.
"
بعد عملية المراجعات الفكرية لفصيل مهم من التيار الجهادي وهو الجماعة الإسلامية المصرية تبدو الحالة الجهادية جزءا من ظاهرة دراسة الحركات الاجتماعية التي هي بطبيعتها قابلة للتفاعل والأخذ والرد
"
بعد عملية المراجعات الفكرية لفصيل مهم من التيار الجهادي، وهو الجماعة الإسلامية المصرية تبدو الحالة الجهادية جزءا من ظاهرة دراسة الحركات الاجتماعية التي هي بطبيعتها قابلة للتفاعل والأخذ والرد وبناء رؤى جديدة في سياقات الخبرة والجدل مع الواقع، وفتحت مراجعات الجماعة الباب واسعا لمراجعات جهادية أخرى، محورها أن العنف والقوة ليست الوسيلة الوحيدة للتغيير، وأن مفاهيم التدافع مع السلطة السياسية القائمة يمكن أن تتخذ أشكالا مجتمعية وسياسية.

ولا شك أن انفتاح الحوار بشأن هذه القضايا في مصر قاد إلى قناعة واسعة لدى الأجيال الجديدة في الحركة الإسلامية بضرورة نبذ تقاليد المفاصلة والتكفير والعنف وتأسيس تقاليد جديدة من الاندماج في المجتمع والتدافع داخله على المستوى المجتمعي والسياسي بما في ذلك إمكان استخدام تعبيرات نضالية ذات طابع سياسي مدني، ويعبر المقال الذي كتبه القيادي الجهادي المقدم "عبود الزمر" المسجون حاليا في العدد الأخير من مجلة "المنار الجديد" القاهرية  بعنوان "الإصلاح السياسي أساس من أسس النهضة" نقلة نوعية هائلة في هذا السياق.
 
إن مستقبل التيار الجهادي مرهون في تقديرنا بعدة عناصر هي:
- استمرار العنف البنيوي الكامن في العلاقات الدولية تجاه المنطقة العربية خاصة في ما يتصل بالقضية الفلسطينية والعراقية.

- مواقف النظم العربية من هذه التحولات هل ستقاوم أم ستلتحق، وتظل القضية الفلسطينية المقياس الذي سيتم فرز مواقف هذه النظم على أساسها في عين شعوبها.

- استجابة النظم العربية لمطامح شعوبها في التغيير، والسماح للطوائف المرشحة للانخراط في العمل العنفي بالتعبير عن نفسها، خاصة قطاعات الشباب المحرومة من المشاركة، ويمثل فتح باب المشاركة للشباب بالذات أحد أهم مصادر حصار التحول إلى العنف، ويساق في هذا المقام خطر  المبالغة في التبعية الثقافية للغرب، خاصة في التعليم والتربية والإعلام الذي يمثل أحد أهم مصادر الشعور بالتهديد للهوية في وقت تمثل الهوية أحد أهم مصادر محددات السلوك السياسي في العالم بما في ذلك أميركا نفسها.

- ظهور تيار علمائي سني مستقل عن الحكومات يمثل مرجعية محترمة، بحيث يكون لهذا التيار كلمته المسموعة لدى الحركات الإسلامية جميعها، وربما يكون النموذج الذي يمثله علماء السنة في العراق نموذجا لذلك.
___________
كاتب مصري

المصدر : غير معروف