بالنسبة للرئيس الموريتاني العقيد معاوية ولد سيد أحمد الطايع، يمثل اعتقال الرائد صالح ولد حننا نهاية كابوس كان يؤرقه منذ ستة عشر شهرا. فقد قاد الرائد ولد حننا أكثر المحاولات الانقلابية في التاريخ الموريتاني جرأة وجسارة ومغامرة.
 
وأخرج الرئيس ولد الطايع من قصره ثلاثة أيام نحسات كاد يفقد فيها أمل الرجعة. أما بالنسبة لأغلب الموريتانيين فيمثل اعتقال الرائد ولد حننا اغتيال حلم طالما حلموا به، حلم التخلص من نظام حكم متصلب، ذاق أكثرهم مرارات ظلمه مدة عقدين.

وقد عبرت كل من الرؤيتين عن نفسها على الطريقة الموريتانية، فبينما كان التلفزيون الرسمي في نواكشوط يظهر صورة الرائد ولد حننا، طالبا من المواطنين المساعدة في القبض عليه، كانت زغاريد النسوة ترتفع إلى السماء كلما ظهرت الصورة على الشاشة إعجابا بالضابط المطارَد.
 
وبينما ضغط بعض المترفين المستفيدين من سلطة العقيد ولد الطايع أجراس سياراتهم تعبيرا عن بهجتهم باعتقال الرائد ولد حننا، كان العويل يُسمع من وسط الأحياء الشعبية في العاصمة الموريتانية حزنا وأسى.

"
استطاع الرائد ولد حننا بكارزميته الاستثنائية وجسارته العجيبة أن يحرك المياه الراكدة، ويهز المجتمع والدولة الموريتانية هزة عنيفة تمثل قطيعة بين الحاضر الراكد والمستقبل المتأرجح
"
وهذا المشهد الدرامي المركب يختزل ببلاغة مفترق الطرق الذي تقف عليه موريتانيا اليوم. إنه مفترق طرق يجدد في الذاكرة معنى "البلاد السائبة"، الاسم الذي كان بعض علماء موريتانيا وأدبائها يسمون به بلدهم في الماضي الغابر.

لقد استطاع الرائد صالح ولد حننا بكارزميته الاستثنائية، وجسارته العجيبة، وتصميمه الذي لا يلين، أن يحرك المياه الراكدة، ويهز المجتمع والدولة الموريتانية هزة عنيفة، تمثل قطيعة بين الحاضر الراكد والمستقبل المتأرجح.
 
ولئن لم يستطع الرجل فتح أبواب المستقبل، فإنه –من دون ريب- سد أبواب الرجوع إلى الماضي والمكوث في الزمن الحاضر.. ولئن لم يستطيع إسقاط العقيد ولد الطايع الممسك بزمام الأمور بالقوة منذ عقدين، فإنه –من دون ريب-  وضع الرئيس الموريتاني، ومعارضيه على حد السواء، أمام لحظة الحقيقة، ودفع بعجلة التاريخ الموريتاني إلى مرحلة جديدة، لا تزال ملامحها في ضمير الغيب.

يقولون إن الحروب تعجل حركة التاريخ، نظرا لما تبعثه في النفوس من روح التوثب والتحفز، وما تحرره من الطاقات الكامنة، التي تظل راكدة أيام السلم والرخاء.
 
ويبدو أن الانقلابات ومحاولات الانقلابات- وهي الطريقة الموريتانية في خوض الحرب– تعجل حركة التاريخ أيضا، وتدفعها إلى الأمام.

لم تعد موريتانيا قبل ليلة 8 يونيو/حزيران 2003 هي ذاتها بعدها. ففي الهزيع الأخير من تلك الليلة تحرك رتل من المدرعات ليدك القصر الرئاسي وقيادة الأركان، تحت قيادة ضابط مطرود من الجيش، بسبب رفضه العلني للتطبيع مع إسرائيل.. هو ذاته الرائد صالح ولد حننا. بينما كان يفترض أن يقود الرتلَ ابن عم الرئيس ولد الطايع، لحماية ظهر ابن عمه.

وفي صبيحة ذلك اليوم بدأت تتشكل موريتانيا جديدة، تبدلت فيها الوجوه السياسية، وتحركت التيارات الاجتماعية، وسقط كثيرون ضحايا تصفيات ما بعد المحاولات الانقلابية، وسقط آخرون سقوطا أكبر في صعودهم على أماني شعبهم، واتخاذ جراحه سلما لأمجاد شخصية، ثمنها التحيز لنظام يحتضر، لم يُجمع شعب "البلاد السائبة" يوما على شيء مثل إجماعه على بغضه وتمني رحيله.

وتشير المحاولة الانقلابية السنة الفارطة، والمحاولات الانقلابية الحقيقية والمتصورة هذا العام، إلى أن الرائد صالح ولد حننا ليس من القادة الذين يقودون جنودهم من الخلف. فقد قاد الدبابات ليلة انقلاب السنة الماضية بنفسه رغم أنه مقال من الجيش، ثم دخل إلى موريتانيا مؤخرا ليقود انقلابا جديدا بنفسه، رغم ارتفاع مستوى المخاطرة إلى حدود المغامرة.

كما تشير هذه الأحداث إلى قدرة الرائد ولد حننا الاستثنائية على اكتساب ضباط الجيش إلى صفه. وهو ما يفسر –جزئيا- وفرة عدد المعتقلين من الضباط اليوم.
 
ففي آخر إحصائيات "المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان" يصل عدد الضباط الذين اعتقلوا أو هربوا أو أقيلوا من مناصبهم بتهمة التعاون مع الرائد ولد حنن 72 ضابطا، يضاف إليهم عدد أكبر من ضباط الصف والجنود. وهو ما يعني انهيارا حقيقيا في المؤسسة العسكرية الموريتانية، المتواضعة العدد والعدة. وينتمي 55 من هؤلاء الضباط إلى الإقليم الذي ينتمي إليه الرائد ولد حننا، كما ينتمي أكثر من نصفهم إلى قبيلته.

ورغم أن العديد من هؤلاء الضباط ليس لهم دخل في المحاولات الانقلابية، وإنما هم ضحايا منهج التجريم بالقرابة الأسرية والعشائرية الذي انتهجه العقيد ولد الطايع دائما, فإن السهولة التي استطاع بها الرائد ولد حننا أن يجتذب عددا معتبرا من الضباط والجنود إلى صفه، وهو مطرود من الجيش، مطارد من الأمن، يدل دلالة صريحة على عمق التململ داخل المؤسسة العسكرية الموريتانية، وتوثبها للاستيلاء على السلطة في أول لحظة مواتية.

وهكذا تبدو "البلاد السائبة" اليوم سائرة في مسارات يطبعها طابع الشك والتأرجح، تثير علامة استفهام كبيرة حول هوية حكامها القادمين، بل حول وجود الدولة الموريتانية أصلا، وهي دولة هشة أعلنت فرنسا ميلادها فيما يشبه العملية القيصرية منذ 44 عاما، على أرض لم تعرف للدولة معنىً منذ عهد المرابطين قبل ألف عام.

ومن مسارات الغد التي يمكن تصورها بناء على معطيات اليوم:
"
كما احتمى ولد الطايع بالعصبية القبلية والعرقية والإقليمية طيلة عقدين فضرَب الزنوج بالعرب وغربَ البلاد بشرقها،  فلا شيء يحول دون انقلاب السحر على الساحر
"
• أولا: أن يستمر التصعيد والتوتر الناتج عن محاولات الانقلاب الأخيرة، ويستمر الرئيس ولد الطايع في توسيع دائرة أعدائه، واستهداف القبائل والأقاليم التي ينتمي إليها الضباط الانقلابيون، واستغلال مظلة الانقلاب ضد القوى السياسية التي يود تصفية الحساب معها.
 
وهو ما ينذر بتوترات داخلية خطيرة، قد تنتهي –لا قدر الله-  إلى ما يشبه النموذج الصومالي أو الرواندي.
 
وتشير بعض المنشورات التي صدرت على الإنترنت، تتوعد أقارب الرئيس معاوية الممسكين بمقاليد الأمور، إلى أن هذا المسار لم يعد نظريا بكل أسف، بل أصبح خيارا عمليا واردا بالنسبة لبعض الجهات على الأقل.
 
إن العصبية القبلية والعرقية والإقليمية سلاح ذو حدين: وكما احتمى ولد الطايع بهذه العصبية طيلة عقدين، فضرَب الزنوج بالعرب، وغربَ البلاد بشرقها، وشرقَها بشَمالها.. فلا شيء يحول دون انقلاب السحر على الساحر، ورجوع سيف العصبية على من سله من غمده ابتداء.

• ثانيا: أن يسود صوت الحكمة والرحمة، ونظر المآلات والعواقب، فينتهج الرئيس الموريتاني سياسة التهدئة والصفح، وتضييق هوة الخلاف مع معارضيه السياسيين، ويفتح باب المناصحة والمصارحة حول الإشكالات الاجتماعية والسياسية التي دفعت صفوة الضباط في الجيش الموريتاني إلى التمرد عليه.
 
وفي هذه الحالة سينبعث أمل في اندمال الجراح. ومما يبشر بالخير أن بعض حكماء موريتانيا قد نادوا بهذا منذ أيام، فبيان أحزاب المعارضة الموريتانية الصادر يوم 6 أكتوبر/تشرين الأول الحالي الذي دعت فيه إلى "القيام بحوار يشمل كافة الفاعلين على الساحة السياسية الوطنية"، ومبادرة العلامة الشيخ محمد الحسن ولد الددو والأستاذ محمد جميل بن منصور وغيرهما من قادة التيار الإسلامي إلى "مصالحة وطنية شاملة" تنحو هذا المنحى.
 
بيد أن رد العقيد ولد الطايع على ذلك باعتقال القادة الإسلاميين، أمثال ولد الددو وجميل منصور والمختار ولد محمد موسى، وبمضايقة الرئيس السابق محمد خونا ولد هيدالة، وشن حملة إعلامية على المعارضة في مجملها واتهامها بالخيانة.. ليس ردا مبشرا بخير.
 
خصوصا وأن المعتقلين الإسلاميين "معروفون بمواقفهم الصارمة والصريحة في إدانة العنف والتغيير بحمل السلاح" حسب تعبير الأستاذ مسعود ولد أبو الخير، رئيس حزب "الاتحاد الشعبي التقدمي" ذي الخلفية الناصرية.

• ثالثا: أن تبادر إحدى الجهات الدولية الفاعلة في موريتانيا (فرنسا أو الولايات المتحدة) إلى تدبير انقلاب، بالتعاون مع مقربي ولد الطايع من العسكريين، أملا في ظهور وجه جديد لم يتلطخ بما تلطخت به سلطة ولد الطايع من مظالم، ويكون أقدر على حفظ الاستقرار وضمان مصالح تلك الدول، خصوصا في الحقول النفطية الواعدة على الشاطئ الموريتاني، التي سيبدأ استثمارها منتصف العام القابل.
 
لقد ضعفت باعتقال الرائد ولد حنن آمال تغيير مستقل عن القوى العظمى –على المدى القريب على الأقل- لكن التغيير المدعوم خارجيا وارد بل هو راجح في المستقبل القريب، خصوصا مع اتفاق أصدقاء ولد الطايع وأعدائه على ضرورة رحيله.
 
وليس تردد الأميركيين– وهم أقرب حلفاء ولد الطايع اليوم– في مساندته في الأزمة الحالية، وتحذيرهم رعاياهم مؤخرا من الاقتراب من قصره الرئاسي، إلا تعبيرا عن خيبة أمل حلفاء ولد الطايع فيه، وإيمانهم بأن نظامه استنزف كل طاقته، وأصبح يعاني الترهل والإنهاك.
 
فإذا انضاف إلى ذلك غيظ غالبية شعبه عليه لحد الانفجار، وخوف أهله وذويه من تجرع نتائج سياساته في المستقبل، فإن كل ذلك يصب في مسار واحد هو إجماع الجميع على رحيله، بدوافع ومقاصد مختلفة، وبرامج وبدائل متباينة..

ومن وجهة نظر حقوقية، وهي ما يهمنا أكثر من أي اعتبار آخر في "المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان"، فإن ما تحتاجه موريتانيا اليوم أكبر من مجرد تغيير الوجوه، بل أكبر من تغيير السياسات.
 
إن ما تحتاجه موريتانيا اليوم هو ما تحتاجه كل الدول العربية، وهو "تغيير منطق السلطة" كما أسماه الدكتور برهان غليون، أي تغيير إجراءات وآليات بناء السلطة وانتقالها، والتواضع على صيغ عملية يحترمها الجميع، وتكفل حق الجميع في السلطة والثروة بناء على التنافس النزيه الشفاف، وعلى منطق الإقناع لا منطق القوة، وعلى احترام كرامة الإنسان وحقه في الحياة والحرية، حتى لا يظل قتال الأخ لأخيه هو الطريقة الوحيدة للوصول إلى السلطة..

لقد غصت السجون بشباب الضباط الموريتانيين الذين خلفوا وراءهم أسرا مفجوعة، لا تدري مصيرهم ولا مكان اعتقال بعضهم، بل إن بعض الأسر لا تدري ما إن كان ابنها حيا فيرجَى، أم ميتا فيرثَى.
 
فقد تعرض هؤلاء الضباط لتعذيب وحشي متواصل، ووردت إشاعات بموت بعضهم تحت التعذيب، مثل الرائد عبد الرحمن ولد ميني.

كما اعتقل عدد من المدنيين الشباب، وتم تعذيبهم تعذيبا وحشيا متواصلا، حتى أن اثنين منهم – هما عرفات ولد أحمد ومحمد ولد سيدي محمد- يعتبران في حالة صحية حرجة جراء التعذيب.

وقد أصدرت منظمة العفو الدولية منذ أيام بيانا شجبت فيه أعمال التعذيب الوحشي في السجون الموريتانية، وانتهاك الإجراءات القانونية في التعاطي معهم، بما في ذلك جهل الأهالي بمكان اعتقال ذويهم، ومنعهم ومنع محاميهم من زيارتهم، وحرمانهم من الطعام والشراب والنوم لأيام متواصلة، والتعذيب الدائم ضدهم.
 
"
اعتقال ولد حننا ليس نهاية حلم، خصوصا بالنسبة لمن يؤمنون مثلي بأن الشعوب –لا الجيوش- هي وقود التغيير، وليس هو بنهاية الكابوس، لأن أغلب قادة الانقلاب الذين فروا من موريتانيا لا يزالون طلقاء
"
وكل هذه انتهاكات صارخة للقانون الجنائي الموريتاني، وللمعاهدات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.
 
ومن المفارقات أن يحدث هذا مع معتقلين عاديين، بعضهم سياسيون مدنيون، وبعضهم جنود بسطاء، في وقت نجد فيه وكيل الجمهورية الموريتاني – وهو صاحب سوابق جنائية، ويدعوه بعض الموريتانيين "سالم الجلبي الموريتاني"- يعلن بكل فجاجة أن "دولة القانون الموريتانية تكفل محاكمة عادلة للرائد صالح ولد حننا"!!

بعد حوالي شهرين من الآن سيكمل العقيد معاوية ولد الطايع عشرين عاما من حكم موريتانيا، وهي مدة كافية ليعرف الرجل اليوم أن ما كان لم يعد كائنا، وأن حكم المستبدين النهَّابين الوهَّابين لم يعد من السهل استمراره. وتلك حقيقة راسخة لا يغير اعتقال الرائد صالح ولد حننا من رسوخها شيئا.

أما للإجابة على السؤال الذي يتضمنه عنوان هذا المقال، فإن اعتقال الرائد صالح ولد حننا ليس هذا ولا ذاك من وجهة نظري الشخصية: فليس هو نهاية حلم، خصوصا بالنسبة لمن يؤمنون مثلي أن الشعوب –لا الجيوش- هي وقود التغيير، وليس هو بنهاية الكابوس، لأن أغلب قادة انقلاب السنة الماضية الذين فروا من موريتانيا لا يزالون طلقاء، وفيهم –فيما يبدو- من هم أحسن خبرة، وأطول نفَسا، وأصبر على مجالدة ولد الطايع من قائدهم المعتقل، حتى وإن لم يمتلكوا جاذبية ولد حننا وجرأته.

والأهم من كل ذلك والأعمق أثرا هو ضعف العقيد ولد الطايع، وشيخوخة نظامه المتضعضع، وسجل مظالمه العريض، وبراعته في صناعة الأعداء.. وقديما قال القائل: "إن أفعال بني أمية أمضى فيهم من سيوفنا"..

ربما لم تشهد موريتانيا انشطارا في الذات، واستقطابا في المجتمع، وانبعاثا للعصبيات القبلية والإقليمية، وتحفزا في المؤسسة العسكرية للانقضاض على السلطة، وهشاشة الدولة أمام تيارات المجتمع.. مثلما تشهده اليوم.

ولن يُخرج هذا البلد الهش من محنته اليوم إلا من يجمع ولا يفرق، ويحترم كافة مكونات المجتمع، ويرعى كرامة المواطن الفرد. يتحرر من الأنانية السياسية، والجشع الاقتصادي، والغبن الاجتماعي. يرجح الإجماع على العصبية، والمناصحة على التملق، والاكتساب على الاستقطاب.
 
لا يحقد على أحد، ولا يستمتع بإقصاء أحد. يحرص على حماية لحمة المجتمع من التمزق، ويسعى لإنصاف المظلوم دون انتقام من الظالم.
ــــــــــــ
كاتب موريتاني

المصدر : غير معروف