إذا كان معظم الفلسطينيين بعد أربع سنوات على انطلاق انتفاضة "الأقصى" يعتقدون أنه من دون العمل المقاوم، لا مجال لإقناع إسرائيل بضرورة الإقرار بالحقوق الوطنية، فإن  تجربة العمل المسلح الفلسطيني خلال هذه الفترة تستوجب مزيدا من التمحيص والدراسة لتحديد مدى مساهمة هذه التجربة في تقريب الفلسطينيين من أهدافهم الوطنية.
 
أعتقد جازما أن هذه التجربة تعاني عددا من مكامن الخلل التي مع بقائها يكون من الصعب جدا استنفاذ الطاقة الكامنة في العمل المقاوم بشكل يساعد الفلسطينيين على تحقيق أهدافهم الوطنية.
 
وفي هذه السطور سأتعرض لأهم أوجه الخلل:
 
"
ليس من الواقعية تشديد بعض حركات المقاومة على مواصلة العمل المسلح حتى تحرير كافة التراب الفلسطيني الأمر الذي يعني إزالة إسرائيل
"
أولا: غياب أهداف سياسية واقعية أو تعارضها
لا يكفي أن تعلن فصائل المقاومة الفلسطينية تشبثها بالعمل المسلح لتحقيق أهداف سياسية محددة تستند الى إرثها الإيديولوجي، بل عليها أن تعي أنه في ظل ميل موازين القوى لصالح إسرائيل، يجب أن تكون رهاناتها على العمل المسلح واقعية.
 
فعلى سبيل المثال، ليس من الواقعية تشديد بعض حركات المقاومة على مواصلة العمل المسلح حتى تحرير كافة التراب الفلسطيني، الأمر الذي يعني إزالة إسرائيل. فبالإضافة إلى استحالة تحقيق هذا الهدف من ناحية عملية، فإنه يكون مدعاة لتجريم النضال الفلسطيني في نظر المجتمع الدولي الذي يعترف بدولة إسرائيل.
 
وللأسف فقد أمدت أدبيات حركات المقاومة هذه ماكينة الدعاية الصهيونية بمزيد من الوقود للطعن في شرعية المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال. وقد كان بإمكان فصائل المقاومة أن تطرح إقامة الدولة الفلسطينية في جميع الأراضي التي احتلت في العام 1967، وضمان حق العودة للاجئين، كهدف معلن لعملها المسلح.
 
مثل هذا الإعلان كان سيوفر شرعية دولية للمقاومة على اعتبار أنه لا خلاف بين دول العالم على أن هذه الأراضي محتلة، في الوقت نفسه كان الأمر سيخلق أرضية مشتركة بين جميع حركات المقاومة بشكل يسهم في تكريس وحدة وطنية حقيقية بين فصائل المقاومة وداخل صفوف الشعب على اعتبار أن الجميع يقاتل من أجل برنامج وطني موحد.
 
وبإمكان فصائل المقاومة التي تنادي بتحرير كافة التراب الوطني الانضمام لهذا البرنامج، على اعتبار أنه -باستثناء بعض هوامش أقصى اليسار الإسرائيلي- لا يوجد أي طرف إسرائيلي مستعد لقبول إقامة الدولة الفلسطينية في حدود العام 1967، ومع حق العودة للاجئين وتفكيك جميع المستوطنات.
 
"
كانت عمليات المقاومة في كثير من الأحيان تتم لتوفر ظروف ميدانية ساعدت على القيام بها فقط، وليس من باب المبادرة لتحقيق أهداف سياسية ما
"
فلماذا لا نتعلم من إسرائيل التي كانت دوما تدعي قبول بعض التسويات التي يقترحها العالم فقط لعلمها أن العرب والفلسطينيين سيتحملون عنها تبعات رفض تلك التسويات.
 
بالإضافة إلى ذلك كانت عمليات المقاومة في كثير من الأحيان تتم لتوفر ظروف ميدانية ساعدت على القيام بها فقط، وليس من باب المبادرة لتحقيق أهداف سياسية ما.
 
وعدم واقعية الرهانات على عمليات المقاومة أحيانا وتضاربها أو غيابها في أحيان أخرى في ظل تصاعد القمع الإسرائيلي، حال دون ربط الفلسطينيين مقاومتهم بمنجزات واقعية.
 
وقد أسهم ذلك في خفض سقف توقعات الفلسطينيين، بشكل جعل قطاعات كبيرة من الشعب الفلسطيني تراهن على الخطط أحادية الجانب التي تطرحها إسرائيل لضمان مصالحها الإستراتيجية.
 
ثانيا: العمل المسلح وإشكالية الزمان والمكان:
الزمان والمكان من أهم الاعتبارات التي أثرت على العمل الفلسطيني المقاوم. وللأسف الشديد لم تراع المقاومة الفلسطينية هذه الاعتبارات، بحيث تحولت إلى أدوات لمحاصرة المقاومة والتضييق عليها.
 
فبالنسبة للزمان شكلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول نقطة تحول هامة في نظرة العالم للمقاومة الفلسطينية، حيث إن المجتمع الدولي لم يعد يتقبل من حيث المبدأ المس بـ"المدنيين"، بواسطة العمليات الاستشهادية بالذات.
 
"
تجاهل حركات المقاومة لنقطة التحول التي أسفرت عنها أحداث 11 سبتمبر/ أيلول، أسهم في عزلها وتشديد الخناق عليها وشرعنة المس بها بكل قوة فتنافست دول الغرب في الإعلان عن تصنيف الأذرع العسكرية للمقاومة الفلسطينية كمجموعات "إرهابية"
وبسبب ذلك كان للمكان الذي تتم فيه العمليات المقاومة دور في تحديد موقف العالم منها، فإن كان هناك تقبل لعمليات المقاومة التي تتم في الضفة والقطاع على اعتبار أنها مناطق محتلة، فإن العالم لا يقبل عمليات المقاومة التي تتم داخل إسرائيل نفسها. ويكون رفضه لها أشد في حال استهدافها للمدنيين.
 
وبمعزل عن الجدل الدائر حول ما إذا كان هناك مدنيون في إسرائيل، على اعتبار أن الجميع يخدم في جيش الاحتلال، فإن المجتمع الدولي يميز بين المس بالمدنيين والعسكريين.
 
وتجاهل حركات المقاومة لنقطة التحول التي أسفرت عنها أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول، أسهم في عزلها وتشديد الخناق عليها وشرعنة المس بها بكل قوة. فقد تنافست دول الغرب في الإعلان عن تصنيف الأذرع العسكرية للمقاومة الفلسطينية كمجموعات "إرهابية"، يتوجب ملاحقة عناصرها ومصادرة حساباتها، تماما كتنظيم القاعدة.
 
أما فيما يتعلق بحركة حماس فقد كان موقف الاتحاد الأوروبي أكثر تطرفا، إذ تم الإعلان عن جناحها السياسي أيضا كتنظيم "إرهابي". لكن أهم مساهمة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول كانت دون شك شعور إسرائيل بأن لديها هامش مناورة غير مسبوق في مجال قمع الشعب الفلسطيني ومقاومته في ظل تخاذل عربي رسمي مخجل.
 
فالمنطق الإسرائيلي كان بسيطا، ما يجوز للأميركيين أن يفعلوه في بغداد يجوز لنا أن نفعله في غزة ونابلس.
 
من هنا وقعت المقاومة الفلسطينية في خطأ عندما استغرقت في الحديث عن حقها في القيام بكل وسائل المقاومة ضد الاحتلال، دون اعتبار للمتغيرات الدولية.
 
وكما يقول المثل "لا يكفي أن تكون محقا بل يجب أن تكون حكيما"، فقد كان من الحكمة أن يتم إخضاع المقاومة لاعتبارات الزمان والمكان والوسيلة بشكل يسهم في تعزيزها وضمان بقائها، مع أنه لو كان الأمر متعلقا بالمعايير الأخلاقية فقط فمن حق المقاومة الفلسطينية التي تكافح آخر احتلال استيطاني في العالم أن تقوم بكل اشكال المقاومة، على الأقل من باب الرد بالمثل على فظائع جيش الاحتلال.
 
"
على حركات المقاومة الفلسطينية أن تفيد من تجربة حزب الله الذي كان انتقائيا ونخبويا في اختيار عناصر جناحه العسكري
"
ثالثا: التوسع في التجنيد للعمل المسلح
كل من يتابع الشأن الفلسطيني سرعان ما يكتشف أن التجنيد لصالح الأذرع العسكرية للمقاومة يفوق متطلبات العمل المقاوم نفسه، وهذا بحد ذاته شكل عبئا على المقاومة.
 
فميل الشباب الفلسطيني الجارف للانخراط في عمليات المقاومة دفع الفصائل الفلسطينية للتوسع في التجنيد لصالح العمل المقاوم، دون أن يكون هناك في كثير من الأحيان مجال لاستيعاب هؤلاء الشباب في عمل مقاوم جدي. في المقابل زاد التوسع في التجنيد من قدرة المخابرات الإسرائيلية على اكتشاف خلايا هذه المقاومة وتفكيكها.
 
هذا الواقع فاقم من ظاهرة المطلوبين، ففي حال اعترف شخص ما أثناء التحقيق معه لدى المخابرات الإسرائيلية بشخص آخر طليق أنه ناشط في المقاومة، فإن هذا الأخير يبدأ بالتصرف كمطلوب لقوات الاحتلال، مع كل ما يتطلبه ذلك من توفير ملجأ له ومخصصات مالية وغيرها من الأعباء التي تتحملها حركات المقاومة.
 
في الوقت نفسه فإن التوسع في تجنيد المتطوعين للعمل العسكري يسهل على المخابرات الإسرائيلية زرع عملاء لها داخل حركات المقاومة، وهذا ما عكفت عليه إسرائيل دائما، وقد تم الكشف في الانتفاضة عن الكثير من أمثال هؤلاء.
 
من هنا كان على حركات المقاومة الفلسطينية أن تفيد من تجربة حزب الله الذي كان انتقائيا ونخبويا في اختيار عناصر جناحه العسكري.
 
نتائج انعدام السرية في مرحلة قبل الانتفاضة
تميز عمل حركات المقاومة قبل اندلاع انتفاضة الأقصى بالعلنية، وذلك نظرا لسيطرة السلطة الفلسطينية بشكل كامل على التجمعات السكانية الفلسطينية في الضفة والقطاع، فقد كانت الأجنحة العسكرية للفصائل تنظم المسيرات الاستعراضية في كل مناسبة، وكان معظم قادة وعناصر الأذرع العسكرية معروفين للجميع.
 
ومع اندلاع الانتفاضة وإعادة احتلال مدن الضفة من قبل إسرائيل وقيامها بعمليات توغل واسعة في قطاع غزة، فقد كان من السهل على المخابرات الإسرائيلية العمل على إحباط عمليات المقاومة عبر المس بقادتها وكوادرها الذين كانوا معروفين قبيل اندلاع الانتفاضة.
 
من هنا نجحت إسرائيل في صياغة قوائم المقاومين المرشحين للاغتيال أو الاعتقال، وفي وقت قياسي تم الزج بآلاف المقاومين في غياهب السجون بناء على معلومات حصلت عليها إسرائيل بسهولة بسبب تخلي حركات المقاومة عن الطابع السري لعملها في مرحلة ما قبل الانتفاضة.
 
خط دعائي ارتجالي، وسجالات بائسة
اتبعت معظم حركات المقاومة خطا دعائيا ارتجاليا مس بصدقيتها أمام جمهورها وأمام العدو، فمسارعة الناطقين باسم حركات المقاومة بالتهديد بردود "قاصمة" على عمليات الاغتيال التي تقوم بها إسرائيل ضد قادتها وكوادرها، دون أن تأخذ بالاعتبار قدرات أجنحتها العسكرية على الوفاء بهذه التهديدات قلص حجم التعاطي بجدية مع خطها الدعائي.
 
ولما كان القادة السياسيون هم الذين يتصدون بشكل أساسي لتحمل العبء الإعلامي فقد ساعد ذلك إسرائيل في النهاية على تبرير المس بهؤلاء القادة.
 
"
وصلت الأمور إلى درجة العبث عندما تقرر تشكيل لجنة لتحديد التنظيم الذي نفذ العملية، في الوقت الذي كان الاحتلال يقطع فيه الليل والنهار في تدبير المكائد والمؤامرات للشعب الفلسطيني ومقاومته
"
في الوقت نفسه شهدت وسائل الإعلام سجالات بائسة بين الكثير من فصائل المقاومة على خلفية تبني أكثر من فصيل لعملية واحدة، الأمر الذي مس بالقيمة الأخلاقية للعمل المقاوم.
 
وأبرز هذه السجالات كان بين ممثلي حركتي "حماس" و"الجهاد" بشأن المسؤولية عن تفجير ناقلة للجند في حي "الزيتون"، بغزة قبل ثمانية أشهر.
 
وقد وصلت الأمور إلى درجة العبث عندما تقرر أن يتم تشكيل لجنة لتحديد التنظيم الذي نفذ العملية، في الوقت الذي كان الاحتلال يقطع فيه الليل والنهار في تدبير المكائد والمؤامرات للشعب الفلسطيني ومقاومته.
 
تجنب حركات المقاومة للعب دور رقابي على السلطة
بتركيزها على العمل المسلح بشكل أساسي تجاهلت حركات المقاومة لعب دور سياسي مجتمعي رقابي جدي على السلطة.
 
وعزوف حركات المقاومة عن لعب هذا الدور ساعد على تعاظم جميع مظاهر الفساد في السلطة ومؤسساتها، مع كل ما نجم عن ذلك من معاناة للمواطن الفلسطيني على مسمع ومرأى حركات المقاومة.
 
وفي النهاية قاد غياب هذا الدور إلى استغوال أجهزة أمن السلطة على فصائل المقاومة نفسها، وقد نجح استغوال السلطة في تقليص حجم العمل المقاوم بدرجة أكبر كثيرا مما نجح فيه الاحتلال.
 
الخلاصة
مع تآكل الفروق الأيديولوجية بين اليمين واليسار في الدولة العبرية، وطرح خطة "فك الارتباط" من قبل شارون، وإعلانه الصريح أن ذلك يأتي بهدف تصفية القضية الفلسطينية، فإن كل السبل تقود للمقاومة كخيار أساسي في الوصول إلى الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، ولأنها كذلك يتوجب إخضاع جميع أشكال المقاومة، ومناشط حركاتها لمعايير تضمن استنفاذ كل الطاقة الكامنة في العمل المقاوم لصالح الشعب والقضية.
___________________

المصدر : غير معروف