تفرض إشكالية العلاقة بين الإصلاح الديني والسياسي نفسها بقوة على ساحة الحوار الدائر اليوم، طرداً مع تقدم دور الدين في الحياة السياسية وانتشار الطوائف والملل الدينية واندفاع بعضها إلى تشريع العنف واستخدام حد السيف لفرض رؤيته الخاصة على الناس أجمعين، وأيضاً ربطاً مع استمرار تغييب الحريات العامة والسياسية والدرك المؤلم الذي أوصلت مجتمعاتنا إليه أنظمة الاستبداد والفساد والقهر.

ويبقى السؤال: كيف نخرج مجتمعاتنا مما هي فيه، وما سبل تجاوز حال التخلف والتردي والانحطاط الذي تعيشه على كافة الأصعدة ؟! هل أمامنا من حل سوى تحرير الإنسان من كافة صنوف القهر والتسلط لإطلاق طاقاته وإبداعاته الخلاقة، أم أن الأمر يحتاج إلى تحرير العقول أولاً من الجمود والتقليد والعيش في الماضي والموروث الديني كمقدمة لخلق حالة من التوافق والتفاعل مع الحضارة العالمية بمنجزات المادية والفكرية؟!

لا يخفى على أحد أن علاقة الدين بالسياسة قديمة قدم الدين نفسه، فالإسلام في العقل الجمعي للمسلمين دين ودنيا، إيمان وسياسة، لكن هذه الصلة بين المقدس والسياسي عرفت عبر التاريخ الحديث موجات مد وجزر لم تتأثر بماهية فكر الناس أو درجة وعيهم فقط، بل أساسا بطبيعة الشرط التاريخي الملموس ومدى الضرورة التي استدعت حضور الدين في الحياة السياسية.

وتبعاً لاختلاف هذا الشرط عرف الإسلام السياسي حالة من النوسان بين دعاة قاربوا العلمانية في فصل الدين عن الدولة ودعاة إحياء الخلافة الإسلامية وحكم الله على الأرض، أو بعبارة أخرى بين ما طرحه رواد الإصلاح الديني مطلع القرن الماضي كالطهطاوي والأفغاني والكواكبي ومحمد عبده ورشيد رضا، ودعاة الحاكمية لله ومجتمع الخلافة ونصرة الدين الإسلامي بحد السيف كسيد قطب وأبي الأعلى المودودي وغيرهما.

وعاشت أفكار التبشير الدعاوية السمحة للإسلام، جنباً إلى جنب مع أفكار التحريض والحض على القتال والجهاد لبناء دولة الإسلام، وما وراء انتصار هذه وهزيمة تلك، إلا ما منحته الشروط المادية الملموسة في مرحلة تاريخية معينة كي تنتعش الأولى وتنحسر الثانية، والعكس بالعكس، مع تغير هذه الشروط وتبدلها.

من هنا فإن عودة اللحمة بين السياسي والديني خلال العقدين الأخيرين بعد انحسار أو انقطاع نسبيين، أو ما سمي "الصحوة الإسلامية الحديثة " ما هي إلا نتاج ظروف موضوعية مستجدة، أو نقل بمثابة احتجاج سياسي لبس لبوساً دينياً على وضع قائم متردٍ وبائس.

فقد تحطمت الآمال المرجوة على تطور اجتماعي واقتصادي في البلدان العربية يضمن للإنسان حياة لائقة، وأصبح العيش أشبه بالجحيم -إن صح التعبير- فاندفع الناس في لجة بحثهم المحموم عن مستلزماتهم الأساسية إلى الدين كملاذ روحي يسكن آلامهم ويهدئ معاناتهم المريرة ويقيهم شر السقوط في مستنقع الفساد والانحلال الأخلاقي الذي ما انفك يتسع يوماً بعد يوم.

وعمّق هذا الخيار سيادة ظاهرة العولمة وما تحمله من قيم وسلوكيات لا تتفق مع القيم والأخلاق الدينية، والهزائم التي مني بها كل من الفكر القومي والشيوعي، بعجز الأول عن تجاوز حالة التجزئة العربية وفشله في التوصل إلى حل عادل ومشرّف للصراع العربي-الصهيوني، وبانطفاء بريق الثاني مع تراجع المثل الشيوعي السوفياتي والنموذج المحتذى ومن ثم سقوطه.

فأصبح الدين وحيداً في الميدان ونال ثقة الناس لكونه لم يجرب حديثاً أو لم يعتمد كرؤية وحل سياسيين، فربح فرصة ذهبية للتدخل في شؤون الدنيا وتمكن من تعميم مفهومه الخاص عن الواقع ومخارج أزمته حتى وصل عند بعض المتشددين إلى اعتباره واقعاً جاهلياً فقد هويته الإسلامية، وإن سبيل الخلاص الوحيد هو العودة إلى الإسلام الصحيح ديناً وشرعاً وحكماً، معلناً الجهاد طريقاً وحيدة لإنقاذ العالم العربي والإسلامي من حال البؤس والتردي التي آل إليها.

وكان لانتصار الثورة الإسلامية الإيرانية أثر كبير في دعم هذا التوجه، كما نجحت روح التضحية العالية لعناصر الأصولية الدينية ضد ظلم الأنظمة والنيل من العدوانية الصهيونية في جذب قلوب الفتية والشباب، يعزز ذلك أن الغياب المزمن للحياة الديمقراطية لعب الدور الأهم في تغذية قوى التطرف والتعصب وتأجيجها.

والمعروف أن إغلاق ساحة العمل السياسي وممارسة القهر والتمييز يوفران تربة خصبة لنمو ظواهر العنف والإرهاب.

وما زاد الطين بلة، أن السلطات الشمولية السائدة لم تكتف بإحكام قبضتها على كل شيء وخنق الرأي الآخر وروح المبادرة والإبداع، بل وجدت في التيارات الدينية في مرحلة من المراحل حليفاً موضوعياً في مسار مواجهتها للقوى التقدمية فراحت تشجعها وتعمل على تقويتها.

يكشف ما سبق الأسباب الحقيقية وراء نشوء ظواهر التعصب الديني وتبلورها، وللحال يعتبر جهداً ضائعاً أن نبحث عن تلك الأسباب في العقول والأفكار بعيداً عن الوقائع والظروف الموضوعية لحياة البشر، حيث إن معرفة هذه الأسباب والعمل على معالجتها هما ما يقطع الطريق على قوى التطرف والإرهاب الديني من التوالد والتكاثر حتى لو نجح الحل الأمني في إرهاقها وتصفية وجودها التنظيمي إلى حين.

إن الحنين إلى  النظام الإسلامي العتيق، والتغني بأزهى مراحله، ما هو إلا رد فعل انعكاسي على عجز الواقع عن العطاء، وعلى حال قتل روح الإنسان وسلب دوره في المجتمع، ولنفترض للحظة أن الوضع الراهن غير ما هو عليه، ونتصور سيادة أنظمة ديمقراطية عادلة تضمن حرية التعبير وحكم القانون والمؤسسات، فهل نجد أصواتا تتعالى منادية بالعودة إلى حكم الدين على الأرض وإلى دولة الخلافة الإسلامية؟! ولنتصور أيضا أنظمة تستخدم وتستوعب كل كفايات مواطنيها وطاقاتهم وتسعى إلى توفير حاجاتهم الأساسية مادياً وروحياً، فهل نسمع بعدئذ بمن يكفّر المجتمع ويجهّله!!

"
الانفتاح السياسي وتأصيل الديمقراطية فكراً وسلوكاً كفيلان بإزالة مظاهر التعصب والتطرف
"

وبالتالي فالانفتاح السياسي وتأصيل الديمقراطية فكراً وسلوكاً كفيلان بإزالة مظاهر التعصب والتطرف، وعندئذ تصبح ظواهر العنف والإرهاب جزراً صغيرة على هامش المجتمع.

من جهة أخرى يقرن بعض أصحاب "الحل والربط" أسبقية الإصلاح الديني بحاجة مجتمعاتنا العربية إليه قبل أي إصلاح لإزاحة روح الإقصاء والعقلية التقليدية المتخلفة الموجودة عند الناس التي لا تتقبل الديمقراطية والحريات السياسية، ما يعني تخصيص الجهود بداية لمعالجة القصور في فهم حقيقة الدين وجدوى إقحامه في السياسة وتصويب الوعي المشوه بمفاهيم الإسلام عن الحرية والعدالة وعن مؤسسات المجتمع المدني في الشورى والتشريعات الفقهية..الخ.

طبعاً لا يمكن لعاقل أن ينكر أهمية الإصلاح الديني وضرورته في مجتمعات أدمنت الجمود والتقليد وصارت في أمس الحاجة إلى نشر العقلانية في طرائق التفكير وتمكين الدين من تقديم إجابات واضحة على أزمات الواقع وأسئلته الملحة وفق منطق العصر واحتياجاته، لكن الاكتفاء بالدعوة إلى إصلاح الدين يعتبر جهداً ضائعاً مع غض النظر عن تردي الشروط السياسية والاجتماعية، أو اعتبار معالجة الواقع القائم والنهوض به تتأتى فقط من تصحيح ما يحمله الناس من أفكار خاطئة ومغلوطة عن الإسلام وليس من صياغة جديدة لشروط حياتهم تخلق الفرص الضرورية لضمان حقوقهم وحاجاتهم المادية والروحية وتالياً لتطور أفكارهم وإبداعاتهم المتنوعة.

فمن أين يستمد أنصار أولوية الإصلاح الديني قناعتهم بأن أسباب نهوض مجتمعاتنا تكمن في حاجة الإسلام  إلى "لوثر" يثوره ويصلحه من الداخل؟! أم لعل أفكارهم تتطلع نحو استحضار دعوة مصغرة إلى ثورة ثقافية على الطريقة الصينية مع كل ما حملته تلك "الثورة" من مآسٍ وآلام ومن ثم هزيمة بيّنة؟! أم ربما هم غافلون أو يتغافلون عما توصل إليه رواد الإصلاح الديني أنفسهم وقد اكتشفوا عدم جدوى هذا الخيار ونادوا، إلى جانب ما قدموه من اجتهادات فقهية عقلانية، بأهمية الإصلاح السياسي وضرورته أولاً ؟!

فالطهطاوي نادى بالحريات المدنية وربط تقدم المجتمع بالسير وفق النهج الغربي مؤكداً ألا فروق كبيرة بين الشرائع الإسلامية ومبادئ القانون التي ترتكز عليها قوانين أوروبا الحديثة، أما محمد عبده فأرجع في البداية  فساد الأوضاع السياسية إلى سبب رئيس هو فساد تربية الحاكم والمحكوم معاً، وقال بإصلاح التربية الإسلامية كطريق إلى إصلاح الأوضاع السياسية، ولم يتأخر كثيراً في تصحيح وجهته التربوية وقد وصلت إلى طريق مسدودة، فسارع إلى تبني الإصلاح السياسي داعياً إلى الأخذ بأسباب الحضارة الغربية ثم دفع موقفه خطوة إلى الأمام إلى اعتبار الخلل في السياسة أصل كل فساد.

وأجاب أحد محدثيه قائلا "فإن شئت القول إن السياسة أصل كل فساد، تضطهد الفكر أو الدين أو العلم، فأنا معك من الشاهدين". بينما كان موقف رشيد رضا أكثر وضوحاً وأعلن أن "الديمقراطية والجمعيات السياسية والدينية والخيرية والعلمية هي السبب الأول والعلة الأولى لكل ارتقاء، بها صلحت العقائد والأخلاق في أوروبا، وبها صلحت الحكومات وبها عزت وعظمت قوتها وبها فاضت ينابيع ثروتها وبها انتشر دينها بين الخافقين".

"
أجواء الحرية الفكرية والسياسية هي التي ضمنت تفتح النقد والإبداع وسمحت للمجتهدين بطرح أجرأ الاجتهادات والتفسيرات الدينية
"

ومن جهة أخرى ثمة ضرورة للتذكير بدليل تاريخي ربما يعرفه الجميع، بأن أزهى فترات الإصلاح الديني تمت في مناخات ليبرالية نسبياً، وأن أجواء الحرية الفكرية والسياسية هي التي ضمنت تفتح النقد والإبداع وسمحت للمجتهدين بطرح أجرأ الاجتهادات والتفسيرات الدينية، حتى وصلت عند بعض المصلحين إلى عرض رؤية متكاملة أو لنقل بديل شامل من تلك المسلمات الخاطئة، الدينية والفقهية، التي عششت في عقول المسلمين أمداً طويلاً، ولا يزال بعضها راسخاً حتى يومنا هذا.

في المقابل كان انتكاس مناخ الحريات وسيادة المطلق السياسي في سدات الحكم العربية عاملاً حاسماً في قطع سلسلة الإصلاح الديني وإهمال ما كتبه مبدعوه، كما وفّر شرطاً انعكاسياً لتثبيت ركائز المطلق الديني دنيوياً من جديد.

فحين يصادر السياسي حرية الفكر ويرفض الخضوع للعقل النقدي ويستبد، ويستبعد وجود الآخر وحقوقه، من البديهي أن يطرح الديني نفسه وهو "المقدس" على أنه أكبر من أي نقد أو خطأ، لتغدو الأمور أشبه بمعادلة بسيطة: بأن النجاح في تصحيح العلاقة بين المطلق الديني وبين الدنيوي المتغير حسب الحال والأحوال، وهذا لا يتحقق إلا برفض المطلق السياسي والاستناد إلى نظام ديمقراطي يحضن موضوعياً طرائق المعرفة النسبية، ويبعث روحياً وسياسياً حقوق الإنسان وحرياته في الرأي والتعبير والاجتهاد.

فهزيمة بوادر الإصلاح الديني كانت تحصيل حاصل لهزيمة حرية المجتمع وحقوقه وانتصار الدولة الشمولية وتسييد الرؤية الأحادية أيديولوجياً وسياسياً بما هو إلغاء مشروعية التنوع الفكري والتعددية، ما يقود بالمقابل إلى القول إن نصرة قواعد العمل الديمقراطي والإصلاحات السياسية هي المناخ المناسب لتفتح النقد والإبداع الفقهي وتجددهما، وهي الطريق الناجعة لإحياء حركة الإصلاح الديني وضمان تطورها بأفق مفتوح.

الغريب أن يتذرع البعض "بالعقلية التقليدية المتخلفة" في مجتمعاتنا ويرفعونها ورقة ممانعة في وجه الإصلاح الديمقراطي، ويتناسون أنها العقلية ذاتها التي قبلت الديمقراطية واحتضنتها قبل عقود حين كانت مجتمعاتنا أكثر تخلفاً! ويتناسون أيضاً أن بعض البلدان العربية حين نعمت لفترات قصيرة بحريات نسبية وانتخابات وأحزاب وبرلمانات، عرفت أزهى مراحل التجديد الديني، وتقطع وفرة الاجتهادات الفقهية الإسلامية وتنوعها في مصر في تلك الفترات قول كل خطيب!

"
العمل الإصلاحي هو بالضرورة عمل متكامل يقتضي بذل الجهود المتواصلة على الصعيد السياسي والاقتصادي والديني والثقافي معاً
"

لا يختلف اثنان على أن العمل الإصلاحي هو بالضرورة عمل متكامل يقتضي بذل الجهود المتواصلة على الصعيد السياسي والاقتصادي والديني والثقافي معاً، ولا يمكن أن يسير ويتقدم إلا بتضافر هذه الجهود بحيث يتعزز كل منها بنجاحات الآخر.

لكن يبقى الإصلاح الديني محكوماً أولاً وأخيراً بالإصلاح السياسي الديمقراطي، فهو العامل الحاسم والمقرر تاريخياً في حركة تطور المجتمع وإطلاق مكنوناته الإبداعية، خصوصاً بعدما شهده العالم من ثورات سياسية وعلمية قفزت بالبشرية إلى مستوى تجاوز تلك الظروف التي لعب خلالها الإصلاح الديني دوراً ممهداً للثورات السياسية كما كانت حال الإصلاح البروتستانتي والإنغليكاني في أميركا وإنجلترا، ولم تعد تالياً حركة التجديد العقلية والفكرية شرطاً لازماً أو إطاراً واعداً للنهوض السياسي والاجتماعي سواء جاءت في ثياب الدين أو غيره من الأيديولوجيات، بل يتضح وفي ضوء فشل الكثير من التجارب المعاصرة أن العكس هو الصحيح.

__________________
كاتب سوري

 

المصدر : غير معروف