يقال إن الشعب العراقي لم يرضخ يوما لوجه محتل ولم يخضع لحكم أجنبي، وإن بغداد كانت دائما مقبرة للغزاة والمحتلين، بيد أنه لم يثبت تاريخيا أن الشعب العراقي كان بربريا أكثر من محتليه، أو همجيا كما هو الحال مع بعض الفئات الموجودة حاليا والتي تمارس أفعالا هي في الواقع تأخذ من المقاومة العراقية أكثر مما تعطي لها. بحيث باتت هي القاعدة، وما عداها هو الاستثناء.
 
"
المنطق الجهادي وفق منظور جماعات خطف الرهائن مرادف للمنطق الإرهابي وفق تفسير دول المختطفين وذويهم
"
تنطوي إستراتيجية خطف الرهائن في العراق على صورتين سيكولوجيتين يشخصان إلى حد بعيد مدى التخبط والعبث الذي باتت عليه الأوضاع في العراق.
 
الصورة الأولى تخص الخاطفين أنفسهم والتي تشي بأن فكرة المقاومة ضد الاحتلال الأجنبي في العراق اختلطت إلى حد بعيد بالفكر الانتقامي، وهي صورة تضفي مزيجا من النرجسية والشعور بالقهر النفسي لدى الخاطفين بحيث تبدو أفعالهم وكأنها قريبة من أفعال "جماعات الخلاص" التي تعج بها الولايات المتحدة والتي تعتقد بإمكانية تحقيق مطالبهم بأقل قدر من الخسائر وأكبر قدر من الظهور. فقد بات مشهد الخاطفين وكأنه عادة يومية تصحو عليها الفضائيات وشاشات العالم، ملثمون يختطفون نفرا من الأجانب في العراق، وتحت خلفية سوداء تحمل لفظ الشهادتين وتعريفا بالجهة الخاطفة، يقف الملثمون "الأفذاذ" في اعتزاز، يتلو أحدهم بيانا تهديديا بالقتل أو النحر، ما لم تتم الاستجابة لشروط ومطالب الجماعة "المجاهدة" التي ينتمي إليها، والتي لا يتعدى عدد أفرادها -في الغالب- أصابع اليد الواحدة.
 
وفي المقابل تأتي الصورة السيكولوجية الأخرى، وهي الخاصة بأهل المخطوفين وذويهم، وفيها تختلط المشاعر بين الأسى والحنق والضيق على حكومات المخطوفين وهمجية الخاطفين، بحيث يبدو الأمر وكأنه صراع نفسي بين نقيضين، إلى الدرجة التي تلفظ فيها عائلات المخطوفين أي مبررات يسوقها الخاطفين، بل تلفظ فكرة المقاومة نفسها بالأساس طالما تنطوي على مثل هذه الأفعال. وتكتمل هذه الصورة عبر نظرات خوف ورعب تلحظها في عيون أهالي الضحية المختطف، وتسمعها في نحيبهم على فقيدهم، وذلك على غرار ما حدث في حال الرهائن الأردنية والمصرية، وهو ما ينعكس بالطبع على حجم التعاطف الشعبي في الشارع العربي مع المأساة العراقية.
 
وبين كلتا الصورتين، يطل المشهد الواقعي ليرسم دراما تراجيدية تثير في الذهن إشكاليات عديدة تعكس إلى أي مدى وصلت الأوضاع في العراق، وإلى أي حد أصبح الاستقرار مهددا.
 
ولعل ما يزيد الأمر سوءا أن هذه الجماعات تسيطر عليها عقلية الجهاد الإسلامي، ولذا تجدها تنتشر بشكل واسع ومطرد، ما يوحي بأنها نسخ مكررة لعدد محدود من الجماعات، التي تغير اسمها بين الفينة والأخرى، كمحاولة للتمويه وضمانا لعدم القدرة على تعقبها وإحباط عملياتها.
 
ولعل أخطر ما في الأمر أن عقلية الجهاد هذه لا تنطبق على الرهائن الأجانب فحسب، وإنما على الرهائن العرب والمسلمين أيضا، وكان آخرهم قتل الرهينة التركي ومن قبله رهينتين باكستانيتين ولبناني ومصري ..إلخ.
 
وعليه يصبح المنطق الجهادي –وفق منظور هذه الجماعات- مرادفا للمنطق الإرهابي وفق تفسير دول المختطفين وذويهم، فمن يتصور أن يتم نحر رهينة لم تستجب دولته لمطالب "المجاهدين"؟ وكيف يعقل أن يتم التهديد بذبح رهينة من بين عدة رهائن محتجزين بشكل زمني تنازلي، ما لم تتفاعل الدول المعنية بشروط الخاطفين، في مشهد يذكر الأذهان بمشاهد الخطف والترهيب في السينما الأميركية.
 
دلالات عمليات الخطف
"
يعتز الخاطفون بما يقومون به ويعتبرونه واجبا مقدسا لا رجعة عنه في حين إنهم لا يفرقون بين مسلم أو غيره، أو بين عربي وأجنبي، فالكل سواء ما دام هناك استجابة لمطالبهم ورد فعل حي على شروطهم
"
كما أشرنا آنفا إلى أن فكرة الخطف تظل تسيطر على ذهن الخاطفين باعتبارها حقا طبيعيا مباحا في مواجهة الوجود الأجنبي في العراق، بيد أنها ترتبط في واقع الأمر بعاملين أساسين يسيطران على فكر الخاطفين، أولهما: إنها بالنسبة لهم قد تعد بديلا وتعويضا عن المقاومة المنظمة، والتي قد يسهل تتبعها واقتفاء أثرها باعتبارها ذات سمات ومواصفات يمكن التحقق منها، وثانيهما: إنها تصبح ذات مردود إيجابي سريع وفعال إذا ما استجابت حكومات المخطوفين وذووهم لمطالب الخاطفين المادية والإستراتيجية. 
 
وتثير فكرة خطف الرهائن في العراق عدة دلالات تتطلب التوقف عندها وتأملها: فأولا هذه الجماعات في ازدياد مطرد وتقوم بأفعالها بصورة نمطية وشبه مكررة، في مؤشر على مدى سهولة تنفيذها لمهامها والفوز بصيدها الثمين، بحيث لا تتمكن قوات الأمن أو قوات الاحتلال من اقتفائها، رغم قلة عددها، إلا فيما ندر.
 
ثانيا: إن الفكر المسيطر على ذهن المنتمين لهذه الجماعات، يشي بأن الوضع الأمني في العراق مرشح للتفاقم، طالما أن هذه الجماعات تتوشح –في معظم حالاتها- بالرداء الإسلامي، وتتبنى شعارات جهادية، تهدف إلى خلق تبريرات دينية تفضي إلى شرعيتها، ذلك إن أغلبها يحمل ألقابا إسلامية بحتة، كالجهاد الإسلامي، وأسود الله، والمجاهدون في العراق، وأنصار السنة، والتوحيد والجهاد..إلخ. وهي في قيامها بخطف الأجانب تعتز بما تقوم به، وتعتبره واجبا مقدسا لا رجعة عنه، في حين أنها لا تفرق في موقفها هذا بين مسلم أو غيره، أو بين عربي وأجنبي، فالكل لديها سواء ما دامت هناك استجابة لمطالبها ورد فعل حي على شروطها.
 
ثالثا: هناك حال من الخمول بين العراقيين تجاه هذه الجماعات وكأن هذه الأخيرة نجحت في إيصال رسالتها للشعب العراقي، بأنها تحمل لواء الدفاع عن العراق وأهله، في حين أن غالبية العراقيين توقن بأن ما يحدث لا يمت للإسلام ومبادئه بصلة، بل على العكس يسهم في تشويه صورته، باعتباره يدعو للخطف والقتل وترويع الآمنين.
 
رابعا: إن هناك تخبطا يبدو واضحا في سلوك الخاطفين يعبر عنه اختلاف مطالبهم، والتي تتراوح بين دفع فدية مقابل الإفراج عن المخطوفين، أو سحب قوات بلد معين ينتمي إليه المخطوفون، أو سحب شركات معينة لعمالها وإنهاء نشاطها في العراق، وأحيانا يتم قتل الرهائن بدون الإعلان عن مطلب معين، نتيجة للشك في سلوكهم واعتبارهم عملاء للاحتلال، كما حدث مع الرهينة المصري ناصر جمعة.

هل يحقق الخطف أهدافه
"
مبادئ الإسلام تحرم قتل النفس البريئة إلا بالحق والحق هنا أن يكون المقتول قد ارتكب خطأ مباشرا في حق القاتل وأن يكون الرهينة قد ساهم في محاربة الخاطف
"
يظل التساؤل الملح هو: هل حققت استراتيجية خطف الرهائن أهدافها؟ أي هل استطاع الخاطفون دحر الاحتلال وخلخلة عقد التحالف الأجنبي في العراق؟
 
بتحليل بعض وقائع الخطف السابقة، يمكن القول إنه إذا كانت بعض دول التحالف سحبت قواتها من العراق تحت ضغط الرأي العام بها للاستجابة لمطالب الخاطفين، فإنها لم تكن القاعدة في أغلب المواقف، بل مجرد استثناءات، وفي الغالب كان يتم التعاطي مع قضايا الخطف من قبل الدول المهدَدة بمنطق العناد وعدم إعطاء فرصة للخاطفين لتحقيق مآربهم التي تعني نجاح إستراتيجيتهم واحتمال استمرارها. وهو ما وضح بشدة في الموقف الإيطالي الذي رفض أكثر من مرة الانصياع لمطالب الخاطفين وسحب القوات الإيطالية من العراق.
 
أي إن إستراتيجية الخطف لم تحقق نسبة النجاح التي افترض الخاطفون تحقيقها، وفي مقابل ذلك قللت هذه الإستراتيجية من وقع المقاومة العراقية الحقيقية، وبات اللبس بينهما أمرا بديهيا.
وذلك إلى الدرجة التي جعلت البعض ينكر على العراقيين حقهم في مقاومة الاحتلال الأجنبي.
 
ولم يكن على لسان غير العراقيين سوى التساؤل: إذا كانت هذه الجماعات تبغي فعليا تحرير العراق من القوات الأجنبية الموجودة فيه، فلماذا تركز عملياتها على المدنيين الأجانب فقط وليس العسكريين؟ فأغلب من يتم اختطافهم يقومون بأعمال معاونة، إما لقوات الاحتلال، أو في بعض شركات إعمار العراق، أي إنهم لا يقومون بعمل عسكري ضد "فيالق" المقاومة العراقية، وإذا كان المطلب الواضح من أفعال هذه الجماعات هو خلخلة الائتلاف الأجنبي في العراق، لماذا لا تهاجم المواقع العسكرية لقوات التحالف ذاتها؟
 
هذا بالطبع ليس دفاعا عن الأجانب في العراق، ولكنه أيضا محاولة لفصل المقاومة عن أعمال الانتقام والتصفية، وإذا كنا لا ننكر على العراقيين حق مقاومتهم للاحتلال، فإنه من غير المنطقي أن يشجع أحد فقه النحر والقتل اللاإنساني لأفراد كل خطيئتهم أنهم ذهبوا للعراق لأسباب مختلفة، إما طلبا للرزق، وإما تنفيذا لقرار اتخذته حكومة أحدهم، دون أن يملك سلطة رفضه. ناهيك عن عدم اتساق هذه الأفعال مع مبادئ الإسلام السمحة، والتي تحرم قتل النفس البريئة إلا بالحق، والحق هنا أن يكون المقتول قد ارتكب خطأ مباشرا في حق القاتل، وأن يكون الرهينة قد ساهم في محاربة الخاطف.

وفي ظل سيطرة مثل هذه القناعات على عقلية هذه الجماعات، واعتقادها بأن أفعالها تصب في خانة التضحية لأجل الدين، تزداد تعقيدات الموقف في العراق، وتتعطل إلى حد بعيد محاولات الجميع لإخراج العراق من حال التيه التي يعيشها منذ وقوع الاحتلال، فضلا عن تشويه ما يحدث لوجه المقاومة العراقية، طالما اختلطت فيها فسلفة الجهاد مع عقلية الإرهاب.
 
"
لن تتوقف كلياعمليات الخطف إلا إذا تمكنت الحكومة العراقية من وضع حد للوجود الأجنبي في العراق حتى تنفي مبررات ودوافع الخاطفين
"
ليس واقعيا القول إن ظاهرة اختطاف الرهائن ستختفي من العراق، خصوصا في ظل حال التسيب الأمني السائدة هناك، ونظرة البعض لها باعتبارها مهمة دينية، أو مهنة تجارية قد تدر عليهم ربحا بأسهل الطرق وأسرعها. بيد أنه من الواجب أيضا الإشارة إلى كيفية التخلص أو على الأقل الحد من هذه الظاهرة التي أخذت من المقاومة العراقية أكثر مما أعطتها، وفي هذا الإطار نشير لما يلي:
 
أولا: لابد من نزع فكرة الخطف من عقول العراقيين، وأن يتم ذلك عبر تنديد مختلف الطوائف الإثنية والعرقية والدينية بهذه العمليات التي تشوه صورة الإسلام في العراق، وأتصور أن هناك دورا ضروريا يجب أن تقوم به هيئة علماء المسلمين، والمرجعية الشيعية، وهما فعلا ذلك في بعض المواقف، وهو التوجيه إلى عدم مشروعية هذه الأعمال التي تسيء أكثر مما تفيد.
 
ثانيا: أن يكون هناك تعاون أكثر بين العراقيين أنفسهم، بحيث يتم الإبلاغ عن الخاطفين وأماكن تواجدهم إن أمكن، وبحيث يتم التصدي لأي محاولة لتشويه صورة المقاومة العراقية بسبب عمليات الخطف والقتل.
 
ثالثا: أن تتفرغ الحكومة العراقية لمعالجة هذا الملف الشائك وإعطائه أولوية على بقية الملفات، بحيث يصبح هناك رصد مستمر لهذه الجماعات والعمل دون تمكنها من تحقيق أهدافها.
 
وخلاصة القول إن عمليات الخطف لن تتوقف كليا، إلا إذا تمكنت الحكومة العراقية من وضع حد للوجود الأجنبي في العراق، حتى تنفي مبررات ودوافع الخاطفين وتصبح أعمالهم حسرات عليهم.
ــــــــــــــــــ
كاتب مصري

المصدر : غير معروف