بقلم/ محمد بن المختار الشنقيطي

كان سجن أبو غريب شاهد نحس على عهد صدام حسين، وكانت وسائل الإعلام الأميركية تتحدث عنه باستمرار باعتباره رمزا لعهد ولى إلى غير رجعة، وشاهدا على الديمقراطية والتحرر في العراق الجديد.


أكدت منظمة العفو الدولية أن لديها معلومات موثقة عن سوء معاملة دائمة ضد السجناء الذين اعتقلهم الجيش الأميركي في العراق وفي أفغانستان، خلال العامين المنصرمين
وقد شطرت قوات الاحتلال السجن إلى شطرين: شطر حولته إلى متحف تذكاري يشهد على فظائع صدام وزمرته، وشطر اتخذته معتقلا للأحرار من العراقيين الرافضين للاحتلال.

ثم طلعت علينا وسائل الإعلام الأميركية يوم 20 يونيو/حزيران 2003 بصورة نائب وزير الدفاع الأميركي بول ولفويتز وهو يتبختر عند مدخل السجن، ليري العالم أنه حرر الشعب العراقي من ويلات ذلك السجن سيئ الصيت.

وأخذت العقيدة الأميركية كاربينسكي -التي كانت المشرفة على السجن- مجموعة من الصحفيين في سبتمبر/أيلول الماضي لتريهم "غرفة الإعدام" في سجن أبو غريب، حيث كان صدام يقتل خصومه السياسيين بدم بارد، وتقدم لهم مقارنة بين حاضر الاحتلال المشرق وماضي صدام المظلم.

لكن ما لم يتمكن الصحفيون من رؤيته هو الشق الأميركي من السجن، الذي كانت تدور داخل زنازينه صنوف من التعذيب والإهانة يندى لها جبين التاريخ.

ومن المؤكد اليوم أن نائب وزير الدفاع الأميركي والعقيدة الأميركية كانا على إحاطة تامة بالمشهد الدامي، مشهد الإهانة والتمثيل والتقتيل، الذي كانت تدور رحاه داخل أروقة السجن، في الوقت الذي يقدمون أنفسهم محررين أمام عدسات الكاميرات عند مدخل السجن.

وفي موقف من مواقف النفاق التي اعتاد عليها المستعمرون في كل عصر، أجرت كاربينسكي مقابلة مع صحيفة "سينت بيترسبورغ تايمز" في ديسمبر/كانون الأول الماضي قالت فيها "إن السجناء العراقيين في سجن أبو غريب يعيشون في ظروف أحسن من ظروفهم في بيوتهم الخاصة، ونحن نخشى أن لا يقبلوا مغادرة السجن إذا أطلقنا سراحهم"!! ونحن نعرف الآن أن بعض الصور الفظيعة التي أثارت العالم كله الأسبوع الماضي تم التقاطها في الشهر ذاته.

ويوجد من الحقائق الدامغة اليوم ما يدل على أن تلك الممارسات المتوحشة لم تكن ظاهرة عابرة ولا جديدة على جنود الاحتلال في العراق، وأن القادة الأميركيين كانوا على علم وإحاطة تامة بها، لكنهم آثروا التستر على الجرم. ومن هذه الحقائق:

• نشرت صحيفة "داغبلادت" Dagbladet النرويجية يوم 25 أبريل/نيسان 2003، أي بعد سيطرة المحتلين على العراق مباشرة، صورا لسجناء عراقيين يسوقهم جنود أميركيون وهم عراة تماما، وعلى أجساد بعضهم عبارات مهينة كتبها سجانوهم.

وقد أصدرت منظمة العفو الدولية بيانا عن تلك الصور في اليوم ذاته، ووصفتها بأنها "تعامل مهين" مع السجناء.

وزادت صحيفة "نيويورك بوست" يوم 28 أبريل/نيسان 2003 أن الجنود الأميركيين أحرقوا ثياب أولئك الرجال العراقيين، قبل أن يخرجوهم إلى الشارع في حالة عري كامل.

• أكدت منظمة العفو الدولية أن لديها معلومات موثقة عن سوء معاملة دائمة ضد السجناء الذين اعتقلهم الجيش الأميركي في العراق وفي أفغانستان خلال العامين المنصرمين.

وشككت المنظمة في ادعاء وزير الدفاع الأميركي أنه "ذهل" مما حدث، ودعواه بأن ما حدث "استثناء" وليس قاعدة، في حين تدل معلومات المنظمة على أن ما حدث هو القاعدة وليس الاستثناء.


الاحتلال يتم تحت شعار التحرير، وتعذيب السجناء يتم تحت شعار صيانة حقوق الإنسان
وقد رفعت المنظمة هذه المعلومات إلى قيادة سلطة الاحتلال بالعراق في يونيو/حزيران الماضي، أي منذ حوالي سنة، وبينت بالتفصيل صنوف التعذيب التي يتعرض لها السجناء، لكنها لم تتلق أي رد.

• بينت منظمة الصليب الأحمر الدولي أنها زارت سجن أبو غريب في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أي منذ سبعة أشهر، ورأت السجناء العراة في السجن، فاضطرت إلى قطع زيارتها احتجاجا على ما يجري، وقدمت شكوى إلى إدارة السجن، فكان رد أحد الضباط أن ما يجري "جزء من الإجراءات"، وأقر بذلك أن عمليات التعذيب ليست عابرة ولا معزولة، وإنما هي جزء من سياسة متبعة عن سابق عمد وإصرار.

كما اطلعت منظمة الصليب الأحمر على عملية قتل سجين عراقي في البصرة، قتله الجنود البريطانيون تعذيبا، ثم كتبوا في شهادة وفاته أنه مات من جراء سكتة قلبية.

وأفاد الشهود الذين استجوبتهم المنظمة أن جسد السجين القتيل كان ممثلا به، فأنفه مهشم وأضلاعه مكسرة، وآثار الضرب المبرح بادية على وجهه.

• كشف الصحفي الأميركي سيمور هرش في مقال بمجلة نيويوركر يوم 9 مايو/أيار 2004 أن وزارة الدفاع الأميركية تلقت صور التعذيب من قادتها في العراق يوم 13 يناير/كانون الثاني الماضي، وأخبر وزير الدفاع الأميركي دونالد رمسفيلد الرئيس جورج بوش بها أياما بعد ذلك.

ثم أصدر الجنرال سانشيز أمره بإجراء تحقيق سري في القضية، وكلف الجنرال تاغوبا بالتحقيق فأنهى هذا الأخير تحقيقه وقدم تقريره يوم 26 فبراير/شباط الماضي.

فادعاء رمسفيلد أنه لم ير الصور إلا في الأسبوع الماضي، وادعاء بوش أن وزير دفاعه لم يخبره بالأمر أصلا، مجرد تهرب من الفضيحة، وجزء من حرب بنيت على الكذب والتدليس من أول يوم.

والصحفي سيمور هرش هو أصدق وأوثق من تناولوا هذا الموضوع وأوسعهم اطلاعا عليه، وهو الذي نشر يوم 9 مايو/أيار 2004 صورة السجين العراقي الذي تنهش الكلاب لحمه وجلادوه المتوحشون يستمتعون بعذابه.


كشف الجنرال تاغوبا أن الكتيبة رقم 372 كانت تمارس التعذيب بشكل روتيني، وهو ما يبين بطلان الادعاء بأن هذا الأمر كان حدثا معزولا أو مبادرات فردية
وقد جاء تقرير الجنرال تاغوبا والذي زاد على 50 صفحة، مدعما بشهادات الشهود وأسماء المتورطين. وأكد الجنرال في تقريره وجود "جرائم سادية وسافرة وخليعة" في سجن أبو غريب. فهل توجد ألفاظ أكثر إدانة للاحتلال ولوزارة الدفاع الأميركية من ألفاظ الجنرال الأميركي هذه؟

ومما تحدث عنه التقرير بالتفصيل: صب مواد كيماوية حارقة على أجساد المعتقلين، وصب الماء البارد عليهم وهم عراة، وضربهم بالمكانس والكراسي، وتهديدهم بالاغتصاب، ونكء جراح الجرحى منهم إمعانا في إيلامهم، ودفعهم إلى الجدران بعنف، وإدخال عصا المكنسة في أدبارهم، وصب مواد كيماوية مؤذية في أدبارهم، وتسليط الكلاب عليهم لتنهش أجسادهم العارية، وربط أصابع أيديهم وأرجلهم وأعضائهم التناسلية بأسلاك كهربائية صاعقة، وأخيرا القتل بدم بارد حسب مزاج الجندي أو الضابط الأميركي.

وقد صرح أحد الجنود الشهود الذين استجوبهم الجنرال تاغوبا بأن قادته من الضباط كانوا يستمتعون معه بتعذيب السجناء، ويشجعونه على ذلك قائلين "عمل رائع"!

كما كشف الجنرال نفسه أن الكتيبة رقم 372 كانت تمارس التعذيب "بشكل روتيني"، وهو ما يبين بطلان الادعاء اليوم أن هذا الأمر كان حدثا معزولا أو مبادرات فردية.

والأهم من كل ذلك اعتراف الجنرال تاغوبا باطلاعه على صور فوتغرافية وأشرطة فيديو تصور صنوف التعذيب المسلط على السجناء العراقيين، لكنه لم يضمنها تقريره وبرر ذلك التجاهل بأن تلك الصور والأشرطة "حساسة جدا"!

أي أن الجنرال الأميركي آثر في النهاية التستر على جريمة المحتلين، واعتبر عدم إحراجهم أهم من إنصاف العراقيين المعذبين. وهذا يدل على اطلاع القادة السياسيين والعسكريين الأميركيين على كل هذه الفظائع –بما فيها الصور الفاضحة- وعلمهم بها منذ شهور عدة.

لقد كشف المشهد الدامي في سجن أبو غريب عن بعض الحقائق، ووضعها أمام أعين العالم مجردة من كل زخرف، عارية عري السجناء العراقيين المعذبين.

ومن هذه الحقائق:
أولا- نفاق المستعمرين في كل عصر وقلبهم للحقائق خدمة لأهداف الاستعباد التي يسعون إليها، فالاحتلال يتم تحت شعار التحرير، وتعذيب السجناء يتم تحت شعار صيانة حقوق الإنسان.

وبينما كان الرئيس بوش يخطب بمناسبة "اليوم العالمي للتضامن مع ضحايا التعذيب" كان جنوده يسومون العراقيين سوء العذاب، وبينما كانت العقيدة الأميركية كاربينسكي تتبجح بأن السجناء العراقيين لن يقبلوا الخروج من "فردوس" السجن الأميركي، كان زبانيتها يمارسون هوايتهم السادية في تعذيب السجناء وامتهان كرامتهم.


الأميركيون الأربعة الذين قتلوا في الفلوجة وسال الدم مدرارا للثأر لهم، كانوا مرتزقة متعاقدين مع الجيش الأميركي براتب يصل حوالي ألف دولار يوميا
وبينما كان قادة الاحتلال يتباهون بالتحسن في مجال حقوق الإنسان العراقي، كان أكثر من 30 ألف عراقي يقبعون في السجون دون تهمة أو محاكمة، ودون الحصول على حقوق الحيوان، فضلا عن الإنسان.

وحتى بعد انفضاح المحتلين في أبو غريب ها هو الرئيس الأميركي يفتخر علينا بالقول "بفضل ما عملناه وبفضل ما عملته قوات التحالف، فإن غرف التعذيب التي كانت موجودة في عهد صدام قد تم إغلاقها".

ثانيا- أن من طبيعة النخبة السياسية الأميركية التعامل مع الحقيقة تعاملا وظيفيا، فهي تكره الحقيقة إن أضرت بمطامعها، وتحبها إن خدمت تلك المطامع.

وما يبديه القادة الأميركيون من "رقة قلب" و"عطف عميق" على السجناء بعد انفضاح الجلادين، لا ينبع من إحساس صادق بالذنب أو موقف أخلاقي نبيل، وإنما ينبع من إحساس بالخطر على مشروع الاحتلال وعلى النفوذ الأميركي في العالم.

وقد أتيح لي أن أتابع ردود أفعال القادة الأميركيين على فضيحة أبو غريب ساعات مديدة في الإعلام الأميركي، فما وجدت منهم من عبّر عن موقف أخلاقي أو تأنيب ضمير، بل اعتبرها جميعهم أزمة علاقات عامة أكثر من كونها مأساة إنسانية، وتحدث كل منهم عن "الأثر السيئ" الذي قد تخلفه تلك الفضيحة على مستقبل الاحتلال، وطالب بإجراءات من شأنها "تحسين صورة" الأميركيين، وليس إنصاف العراقيين.

وخير من عبر عن ذلك هو العضو الجمهوري بالكونغرس توم كول الذي وصف ما جرى بأنه "بيرل هاربر جديدة لكن في مجال العلاقات العامة"، ثم الجنرال مايرز الذي قال في شهادته أمام الكونغرس "كان الهم الأهم بالنسبة لي هو تأثير تلك الصور على جنودنا في العراق".

ثالثا- يكشف ما جرى للسجناء العراقيين عن أحقاد دفينة تجاه الإنسان العربي المسلم، ونظرة دونية إليه تجرده من كل صفات الإنسانية. وهي أحقاد تتغذى من الماضي السحيق، وقد تتستر بلبوس شفافة من بلاغة الدبلوماسية ونفاق المصالح المتبدلة، لكنها تحسر عن وجهها القبيح كلما جد الجد.

وقد اعترف الكاتب الصحفي البريطاني ذو القلم النزيه روبرت فيسك بذلك في مقال له بصحيفة ذي إندبندنت يوم 7 مايو/أيار 2004 فقال: إن ما حدث للسجناء العراقيين "جزء من ثقافة ترجع جذورها إلى أيام الحروب الصليبية، ثقافة ترى أن المسلم شخص قذر وفاجر، وحاقد على المسيحية، وغير جدير بأي عطف إنساني".


مذبحة الفلوجة التي ارتكبها الاحتلال ثأرا للتمثيل بأربعة أموات أميركيين، قد تمت في وقت يتم فيه التمثيل بآلاف العراقيين الأحياء في سجن أبو غريب، فهل وصلت البشرية إلى هذا المستوى من النفاق في تاريخها؟
ولا تزال هذه الثقافة عميقة الجذور، تؤججها بعض وسائل الإعلام الأميركية بكل جديد، وتغذيها مؤسسات أميركية مثل "هوليود" بما لذ وطاب من أنواع الأفلام الساحرة المنقوعة في سم الكراهية والأحقاد.

فلم تكن المجندة "إنغلاند" لتتصرف بتلك الطريقة الوحشية، ولا كان قادتها ليتستروا على أفاعيلها، إلا لأنهم جميعا لا يعتبرون الإنسان العراقي بشرا من لحم ودم، بل هو "مسلم قذر وفاجر".

خامسا- أن الاستعمار يدمر حياة المستعمَر المادية، وحياة المستعمِر الأخلاقية، كما قال بحق الفيلسوف مالك بن نبي. فليس العراقيون وحدهم ضحايا مسلخة أبو غريب، ولكن الأميركيين من ضحاياها أيضا، وإن كان الثمن مختلفا.

أما بالنسبة للعراقيين فهم يدفعون الثمن خسارة مادية، وسيطرة على أجسادهم. وأما الأميركيون فهم يدفعون ثمنا روحيا وأخلاقيا، ويفقدون أجمل وأثمن ما يملكونه، وهو فكرة الحرية واحترام كرامة الإنسان (أقصد الإنسان الأميركي طبعا، فلم يكن مفهوم الإنسان في الثقافة الغربية قط مفهوما عالميا).

فحينما يحاول قائد الجيش الأميركي الجنرال مايرز منع قناة "سي بي أس" من بث صور الجرائم التي ارتكبت في أبو غريب، في الوقت الذي يفاخر فيه بأن قواته غزت العراق لبسط الديمقراطية وحرية الكلمة، فإن ذلك يعطينا فكرة عن الثمن الذي يدفعه الشعب الأميركي من جراء السياسات الخرقاء التي ينتهجها قادته اليوم. فهل ذهب الجيش الأميركي إلى العراق لنشر الحرية وليفقد الشعب الأميركي حريته؟

سادسا- حينما قتل شبان عراقيون أربعة أميركيين، ومثلوا بأجسادهم في الفلوجة –وهو عمل مستهجن على كل حال- هرع الجيش الأميركي إلى دك مدينة الفلوجة على رؤوس سكانها، وارتكب فيها مجزرة راح ضحيتها أكثر من 1300 قتيل طبقا لإحصائيات وكالة رويترز، من بينهم مئات من النساء والأطفال، أي بمعدل 325 قتيلا عراقيا ثمنا لكل قتيل أميركي.

والقتيل الأميركي هنا بالمناسبة ليس جنديا ينفذ الأوامر، بل هو مرتزق مغامر، يتخذ القتل مهنة. فالأميركيون الأربعة الذين قتلوا في الفلوجة، وسال الدم مدرارا للثأر لهم، كانوا مرتزقة متعاقدين مع الجيش الأميركي براتب يصل حوالي ألف دولار يوميا (نعم ألف دولار يوميا من عوائد النفط العراقي).

ويوجد في العراق الآن حوالي 30 ألفا من هؤلاء، من المقاتلين الذين لا ضمير لهم، إلى البغايا اللاتي "يعتنين" بجنود الاحتلال، طبقا للقيم الأميركية التي يتحدث عنها الرئيس بوش.

وقد سمى الإعلام العربي المولع بالترجمة الرديئة هؤلاء المرتزقة "رجال أعمال" متبعا في ذلك التسمية المضللة التي يستخدمها الإعلام الأميركي "متعاقد مستقل" independent contractor في حين أن القوم ليسوا رجال أعمال ولا أفعال، بل مرتزقة مهنتهم القتل مقابل الدولار.

وها نحن اليوم ندرك أن مذبحة الفلوجة التي ارتكبها الاحتلال ثأرا للتمثيل بأربعة أموات أميركيين، قد تمت في وقت يتم فيه التمثيل بآلاف العراقيين الأحياء في سجن أبو غريب. فهل وصلت البشرية إلى هذا المستوى من النفاق في تاريخها؟

سابعا- كشفت فضائح المحتلين في سجن أبو غريب عن ذلك الجانب القاتم من الشخصية الأميركية، ذلك الذي لا يعرفه أغلب العرب والمسلمين، جانب العنف والجنس والإباحية والسادية، ثقافة هوليود وأثرها المدمر على النفسية الأميركية، ثقافة تجمع بين التحيز الديني الذي يبلغ حد التعصب، والتميع الأخلاقي الذي يقترب من حدود الحيوانية.

وقد كشف الصحفي روبرت فيسك عن أمر في منتهى الغرابة، وهو أن المجندة الأميركية "إنغلاند" التي رآها العالم كله وهي تتلذذ بتعذيب السجناء العراقيين وتتحرش بهم جنسيا، وتجر أحدهم برباط كلبها، هي امرأة "متدينة" كثيرة التردد على الكنيسة! وقد علمنا أن تلك المرأة "المتدينة" في شهر حملها الخامس الآن من أحد الجنود الأميركيين المشتركين معها في فظائع التعذيب.


يكفي السجناء العراقيين شرفا أنهم كشفوا سوءة الاحتلال أمام بصر العالم كله فرأى الجميع قسمات وجه "المحرر" القادم من وراء البحار.. في وضح النهار
فهل يعرف الرئيس بوش شيئا عن هذا الجانب القاتم من الشخصية الأميركية، وهو الذي يردد على مسامع العالم ليل نهار أن أميركا "أمة مؤمنة وخيرة" وأحيانا "أمة مثالية ورحيمة"؟

وهل تعرفه عضوة الكونغرس الجمهورية سوزان كولينز التي قالت بافتخار في جلسة الكونغرس لمناقشة الفضيحة: "نحن أمة لم يعرف التاريخ لها مثيلا"!! في وقت يتفرج العالم على فظائع الجيش الأميركي.. يبدو أن النرجسية لا حدود لها.

ومهما يكن من أمر فإن آلام التعذيب والمهانة تهون أمام انكشاف الحقيقة، وسقوط الأقنعة، وانفضاح الاحتلال. فما يحتاجه العرب والمسلمون اليوم هو الحقيقة العارية غير متلبسة بلبوس أباطيل "التحرير" و"الإصلاح" و"التغيير". وقد وفرت لنا فظائع الاحتلال في سجن أبو غريب جرعة قوية ومريرة من الحقيقة كنا في مسيس الحاجة إليها.

كان شاعر اليمن الراحل عبد الله البردوني يردد بعد كل مقطع من إحدى قصائده السياسية:

فظيعٌ جهل ما يجري وأفظع منه أن تدري

وربما كان البردوني على حق في السياق الذي تحدث فيه. لكني أعتقد أن الدراية بما يجري على مرارتها وشدتها على الأنفس أهون وأنفع من الجهل بما يجري، فلا شيء أفظع من الجهل والتعلق بوهم خدَّاع.

وربما كان الأولى في هذا السياق أن نضع الحكمة اليمانية جانبا، ونأخذ بالحكمة العراقية التي عبر عنها الشاعر عبد الوهاب البياتي في قوله:

كل الدروب أصبحت بعيدهْ..
لكنها مشمسة تلوح من بعيدْ
ها أنذا عارٍ عرْيَ سماء الصيفِ
عرفت يا حبيبتي كل سجون العالم القديمْ
لكنني أكتشف الآن سجون "العالم الجديدْ"..

بلى، لقد صدق البياتي، فالدروب المشمسة الواضحة المعالم، والحقيقة العارية عري الأجساد المعذبة في سجن أبو غريب، هي الطريق الوحيد إلى مستقبل جديد.

ويكفي السجناء العراقيين شرفا أنهم كشفوا سوءة الاحتلال أمام بصر العالم كله، وما عليهم سوى أن يقدموا الشكر الجزيل لجلاديهم على ما أسدوه من خدمة جليلة حررت الأعين من سراب الأوهام، فرأى الجميع قسمات وجه "المحرر" القادم من وراء البحار، في وضح النهار.
________________________
كاتب موريتاني

المصدر : غير معروف