بقلم/ مصطفى البازركان

رغم بلوغ أسعار النفط الخام في البورصات العالمية مستويات قياسية غير مسبوقة دفعت بعض المراقبين لربط هذا الارتفاع بالمعروض من النفط الخام والطلب "المصطنع" المتزايد عليه الذي شهد تصاعدا اعتبره البعض مبررا مقنعا لارتفاع الأسعار إلى مستوياتها الفلكية الحالية.. رغم كل ذلك لم تكن الأسباب الحقيقية اقتصادية بحتة، بل كانت إلى جانبها دوافع وأهداف سياسية يتوخى من يقف خلفها إحكام سيطرته على مقدرات أسواق النفط العالمية وإتمام إعادة رسم الخريطة النفطية الدولية بشكل يشابه ما تم في عملية إعادة رسم خريطة العالم السياسية بعد انهيار منظومة الاتحاد السوفياتي السابق وانتهاء الحرب الباردة، مرورا بالتغيرات السياسية في شرق أوروبا وجنوب شرق آسيا، وصولا إلى ما سمي بالحرب على الإرهاب كخطوة رئيسية ضمن مخطط مدروس متعدد المراحل من بين أهدافه إحكام السيطرة على منابع العصب الرئيسي للاقتصاد والمحرك الأكبر له.


القيمة الفعلية لبرميل النفط الخام حاليا هي أقل من 33 دولارا ما يؤكد أن دول أوبك ليست المستفيد من ارتفاع أسعار النفط
ومن أجل التوصل الى إجابات مقنعة منطقية وواقعية على تساؤلات مشروعة عن حقيقة ما تشهده الأسواق النفطية من أحداث، حاول كثيرون الإجابة عليها ولكنهم فشلوا في تلك المهمة لأسباب عديدة، في مقدمتها بقاؤهم حبيسي الطروحات والنقاشات الاقتصادية النظرية "العقيمة" وإهمالهم التطورات والتغيرات التي شهدها ويشهدها العالم، وفي مقدمتها محاولات الإدارة الأميركية الحالية استكمال سيطرتها وهيمنتها على العالم، من أجل تحقيق نصر في الميدان الاقتصادي عجزت عن تحقيقه عسكريا وسياسيا أو حتى أمنيا، خاصة أنها -أي إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش- تدرك جيدا أنها تعيش أشهرها الأخيرة الحاسمة التي يتعين فيها تحقيق ما يمكن أن يكون إنجازا حاسما يدفع الناخب الأميركي و"اللوبيات الأميركية" السياسية والصناعية -بينها المجموعات التي تمثل مصالح صناعات السلاح والنفط- للتصويت بالتجديد لبوش الابن لتفادي تكرار هزيمة بوش الأب رغم نجاحه في حينها" بتحرير الكويت".

للتوصل إلى الجواب الشافي لتلك التساؤلات المشروعة علينا أن نبدأ بسؤال: من المستفيد ومن المتضرر مما تشهده الساحة النفطية الدولية ليس خلال الأسابيع القليلة الماضية فحسب بل منذ العام الماضي وتحديدا منذ مطلع الصيف الماضي؟

هنا قد يقول قائل إن المستفيد الأكبر هو دول أوبك حين تجاوزت أسعار النفط الأميركي الخام سعر 47 دولارا للبرميل في حين تخطى سعر برميل خام برنت 43 دولارا للبرميل. ولكن الحقيقة غير ذلك، فبحسبة بسيطة وبمقارنة لسعر الدولار حاليا أمام العملات العالمية الرئيسية نرى أنه فقد ما تجاوز 20% من قيمته التي كان عليها مطلع العام الحالي، ما يعني أن القيمة الفعلية لبرميل النفط الخام حاليا أقل من 33 دولارا وهو ما يؤكد أن دول أوبك ليست المستفيد.

وما دمنا بصدد منظمة أوبك فإنها برأينا الهدف الأول والأخير لما تشهده الساحة النفطية، فبعد أن كانت المنظمة اللاعب الرئيسي فيها وكانت الأسواق الدولية تتابع كل تصريح لمندوبي دولها وتنتظر بحذر وقلق نتائج أي اجتماع من اجتماعات أوبك "الدورية أو الطارئة"، وتتغير ملامح السوق مع اتجاه قرار أو قرارات أي اجتماع، وهو ما كان عليه الواقع حتى العام 2002.. بدأت الظروف حينها بالتغير، وبدأت الضغوط تنهال على المنظمة وأعضائها، فبدأ الضعف يزحف على فاعليتها لتظهر عليها علامات الشيخوخة المبكرة ولتتحول شيئا فشيئا إلى منظمة من "الزمن الماضي" بحال مشابه لحال منظمة عدم الانحياز في المرحلة الأخيرة من عمر النظام العالمي ذي القطبين.


لم تحتفظ أوبك بحصتها ولا تمكنت من إبقاء تأثيرها ومصالحها، كما لم تبق الأسعار منخفضة
كل ذلك يؤكد "انتفاء الحاجة" لأوبك التي تأسست على أساس الدفاع عن مصالح الدول المنتجة للنفط، لكنها تحولت عمليا للدفاع عن مصالح "المشترين" للنفط، وهنا نستخدم تعبير "المشترين" لأنه يشمل الدول وكذلك الشركات المستهلكة إلى جانب المضاربين الذين كانوا من المتعاملين بالصفقات النفطية الساعين لتحقيق أرباح سريعة سواء من خلال توقعات لارتفاع أو انخفاض الأسعار أو عبر الأسعار المستقبلية للنفط الخام في بورصات النفط الدولية، ويتم تحقيق هدفهم عبر حملة شراء أو بيع مبرمجة.

لكن منذ مطلع العام الجاري فإن المضاربين صاروا أكثر تنوعا ما دفعنا في هذه المقالة إلى تسميتهم "بالمشترين" في تعبير يشمل المضاربين الذين ذكروا سابقا إلى جانب مصارف ومؤسسات مالية وشركات وحتى أفراد صاروا برأينا لا يخدمون مصالحهم أو مصالح من يستخدم خدماتهم من المستثمرين فقط، بل تعدى ذلك ليكونوا عناصر مؤثرة في محاولات تغيير معادلة الأسواق النفطية لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية تكون ضمن أهداف إقرار النظام العالمي الجديد.

وقد أجبرت منظمة أوبك تدريجيا على رفع إنتاجها بحجة الحفاظ على حصتها في السوق النفطية، حتى وصل إنتاجها إلى أقصاه ولكن دون جدوى، لتفقد المنظمة أي تأثير لها على الأسواق.

وهنا نوجه سؤالا لكل من كان يعترض على ما يطرحه البعض من وجوب خفض أوبك لإنتاجها، رغم ما كان يمكن لذلك أن يؤدي إلى ارتفاع الأسعار ولكن من أجل بقاء سطوة أوبك على الأسواق. فماذا حصل الآن؟ لم تحتفظ أوبك بحصتها ولا تمكنت من إبقاء تأثيرها ومصالحها، كما لم تبق الأسعار منخفضة.

أما المخزونات النفطية فهي إما مخزونات صناعية لشركات وإما مخزونات حكومية لسد استهلاك مرحلي أو مخزونات إستراتيجية تمتلكها الدول الصناعية لسد حاجاتها إذا تعرضت الإمدادات النفطية لأي طارئ.

وقضية المخزونات مهمة لتأشير ما تتعرض له الأسواق النفطية، خاصة حاليا حيث فصل الصيف وبعد أن وصلت المخزونات النفطية إلى أعلى مستوياتها ولم يفعّل الرئيس بوش قرارا بالسحب من المخزونات الإستراتيجية خلال الربيع الماضي، بل على العكس من ذلك برزت ظاهرة "المخزونات العائمة" حيث تجوب مئات الناقلات النفطية المحيطات محملة بملايين الأطنان من النفط الخام تحسبا لأي طارئ.

وبخصوص قضية الأزمة النفطية التي تثار بين فترة وأخرى لمآرب سياسية وانتخابية في الولايات المتحدة، لابد من توضيح نقطتين مهمتين تتعلقان بها:


ما يحصل يشابه تجربة مسيطرا عليها تجري في مختبر سياسي واقتصادي وتحت ظروف محسوبة النتائج مسبقا تهدف إلى خلق وضع نفطي جديد تختلف فيه عوامل التأثير والتأثر
الأولى- أن الأزمة تتعلق بتوفير وقود الديزل والبنزين وليس بالنفط الخام، وذلك يأتي نتيجة إقرار ضوابط بيئية مشددة تسببت في إغلاق مصاف وتراجع طاقة تكرير النفط الخام بنسبة تجاوزت 38% خلال السنوات الثلاث الماضية.

الثانية- أن الولايات المتحدة رغم كونها المستورد الأكبر للنفط الخام في العالم هي في الوقت نفسه المنتج الأكبر للنفط الخام في العالم، ولذلك ما يمكن أن يكون تأثيره سلبيا على الشركات المشترية للنفط في حال ارتفاع الأسعار ينعكس إيجابيا وبشكل أرباح متصاعدة على الشركات الأميركية المنتجة للنفط. ومن ذلك فإن لعب "الورقة النفطية" والتلويح بها من قبل السياسيين الأميركيين يعد أسلوبا رائجا ومضمونا لتحقيق مكاسب، خاصة إذا استخدمتها الإدارة الأميركية للضغط على الدول المنتجة سواء من داخل أو خارج أوبك.

والآن بعدما خرجت أو أخرجت أوبك عمليا من دائرة التأثير على مجريات وتطورات أحداث الساحة النفطية، لابد أن تبدأ مرحلة جديدة تتشكل على أساسها تركيبة جديدة لتحالفات نفطية إقليمية ودولية تأخد باعتبارها ما يطلق عليه "عملية توازن" بين مصالح المنتجين والمستهلكين، وهي في الحقيقة تهدف إلى تحقيق مصالح "المشترين" على حساب المنتجين لأهم سلعة ناضبة وغير متجددة.

أما الضرائب المفروضة على النفط فهي بين أكبر مصادر تمويل ميزانيات الدول الأوروبية، فنرى أن الضريبة تمثل 76% من سعر لتر البنزين أو الديزل الذي يباع للمستهلك الأوروبي، في حين أن الضريبة في الولايات المتحدة لا تتجاوز 26%.

وهكذا نرى أن المدخولات من الضرائب المفروضة على النفط والأرباح التي تجنيها الشركات النفطية الغربية قد تصل -وأحيانا تتجاوز- ثلاثة أضعاف مدخولات الدول المنتجة للنفط.

وهنا لابد من التذكير بالمستويات العالية للأرباح التي تجنيها الشركات النفطية، وهي ليست على حساب المستهلك الأميركي أو الأوروبي فحسب، بل على حساب مصلحة مواطني الدول المنتجة للنفط الذين يمكن اعتبارهم خاسرين في حالتين: التفريط بثروتهم الضرورية لأجيالهم الحالية والقادمة، واستيرادهم البضائع والمنتجات والمصنوعات التي يوفرها الغرب ولكن بأسعار متصاعدة وبفضل نفطهم "المتهاوي الأسعار" نسبة للتضخم الذي تشهده أسعار تلك البضائع سنويا.

أما النقطة الأخرى الجديرة بالمتابعة والبحث فتتعلق بالأوضاع الجيوسياسية التي يشهدها العالم، خاصة الاضطرابات وعدم الاستقرار المستمر في بعض المناطق إلى جانب ما أطلق عليه الحرب على الإرهاب.

كل تلك عوامل تدفع إلى إصابة السوق النفطية بنوع من عدم الاستقرار والترقب المزمنين، ما يترك أسعار النفط عرضة للتأثر السريع سلبا وإيجابا بأي حدث سياسي مهما كان صغيرا أو أي عملية عسكرية مهما كانت محدودة.

وبرأينا لم يأت هذا الوضع بصورة عفوية، بل تكمن خلفه إرادة تدفع باتجاه الربط بين مسببات الحرب على الإرهاب والأساليب المتبعة فيها والنتائج التي تحققها من جهة، وتذبذب أسعار النفط بما يحولها إلى مرآة تعكس ذلك على الحياة اليومية للمواطن الأوروبي عامة والمواطن الأميركي على وجه الخصوص، بما يجعله ضمن دائرة التأثير الاقتصادي للحرب على الإرهاب وبالتالي مشاركته في جهودها وتحمل أعبائها دون أي تململ أو رفض أو حتى اعتراض.


ستسمح أسعار النفط الحالية إن استمرت على هذا المنوال بالاستثمار في استخراج النفط من الآبار والحقول النفطية ذات التكاليف الباهظة كما في منطقة بحر قزوين
أما عامل" فصل الصيف" في المعادلة الحالية لأسعار النفط فيمكن اعتباره عامل تهدئة إيجابيا لا عامل تصعيد سلبيا، إذ ولأول مرة في تاريخ الصناعة النفطية تشهد الأسعار ارتفاعا إلى هذه المستويات. ولو حصل هذا الارتفاع في فصل الشتاء لقامت الدنيا، ما يجعلنا نعتقد أن ما يحصل يشابه تجربة مسيطرا عليها تجرى في "مختبر سياسي واقتصادي" وتحت ظروف محسوبة النتائج مسبقا، تهدف إلى خلق وضع نفطي جديد تختلف فيه عوامل التأثير والتأثر وتزداد فيه إلى أقصى حد ممكن منافع "المشترين"، وفي الوقت نفسه يتقلص وإلى أقصى حد ممكن ما يجنيه المنتجون. وتلك هي باختصار المعادلة النفطية الجديدة التي ستبقى قيد التنفيذ حتى تحين الموجبات الأميركية لتغييرها.

وهنا وقبل أن يعتقد القارئ الكريم أننا حملنا الجانب السياسي أكثر مما يحتمله، لابد أن نعرج على الجانب الاقتصادي لهذه الفورة السعرية "المفتعلة" لنؤكد أن أسعار النفط الحالية إن استمرت ستسمح بالاستثمار في استخراج النفط من الآبار والحقول النفطية ذات التكاليف الباهظة كما في منطقة بحر قزوين التي تتجاوز فيها كلفة استخراج برميل النفط 10 دولارات، في حين أن كلفة استخراج برميل النفط في السعودية أو العراق لا تتجاوز دولارين إن لم تكن أقل من ذلك.

ومن كل ما تقدم نؤكد بثقة أن المستفيد الأكبر من هذا اللهيب السعري هو إدارة الرئيس بوش عبر استكمال سطوتها السياسية والاقتصادية على مقدرات العالم، إلى جانب شركات النفط الأميركية التي كانت تنتظر الفرصة لتبدأ نشاطها للتنقيب في حقول بحر قزوين ومناطق أخرى من العالم.

فهل يقنع كل ذلك كثيرا من "خبراء النفط" المخضرمين ليقرروا تغيير أفكارهم وأساليب تفكيرهم ليكونوا أكثر تفهما للواقع السياسي والاقتصادي الجديد الذي يعيشه العالم في ظل النظام العالمي أحادي القطبية؟
______________________
كاتب عراقي خبير في شؤون النفط ومصادر الطاقة

المصدر : الجزيرة