بقلم/ برهان غليون

سمحت لي إقامة قصيرة في سوريا هذا الصيف أن أتأمل عن قرب ومن خلال حالة عينية في الموضوع الذي أصبح الشغل الشاغل للعالم العربي في الوقت الراهن؛ أعني موضوع الإصلاح.


اقتصر الإصلاح على رفع بعض الشعارات وتكريس بعض التعابير وتطبيق برنامج الانفتاح الاقتصادي البطيء والمحدود
وقد كانت سوريا من أوائل البلدان التي طرحت فيها بحدة، بسبب عملية انتقال السلطة في بداية عام 2000 للرئيس الجديد، مسألة الإصلاح قبل أن تصبح مسألة عربية جامعة.

وقد بدا لي أن السنوات الأربع الماضية التي شهدت أول اعتراف وربما تفكير رسمي نال تأييد الرأي العام وحماس قطاعات واسعة منه بالموضوع الإصلاحي قد أبرزت حقيقتين:

الأولى عجز النظام القائم عن فرز أي تيار إصلاحي منظم، والثانية عجز المجتمع والطبقة الوسطى بشكل خاص عن تكوين قوة سياسية فاعلة قادرة على أن تحولها إلى شريك في صنع المصير الوطني والاجتماعي وفتح آفاق التحول الوطني والديمقراطي.

فرغم كل الضغوط والتحركات الشعبية والخارجية التي تعرض لها خلال الحقبة الماضية لم ينجح النظام القائم في توليد أي قوة واضحة المعالم تتبنى خط الإصلاح في مواجهة القوى المناهضة له وتميز نفسها عنه مع قيادة معروفة وبرامج محددة وجدول أعمال واضح يمكنها من خلق علاقة تواصل وتفاعل مع أطراف الرأي العام السوري واستمداد الدعم والمساندة منها.

وقد اقتصر الإصلاح على رفع بعض الشعارات وتكريس بعض التعابير وتطبيق برنامج الانفتاح الاقتصادي البطيء والمحدود، وانحصر في بعض الأفكار والشخصيات التي تكاد تخاف أن تطرح نفسها كممثلة لبرنامج الإصلاح أو تربط بقاءها في الحكم به.

وليس من قبيل الصدفة أن تبقى رموز الإصلاح الرئيسية لصيقة بتلك الشخصيات التي أدخلت من خارج البعث على الحياة العامة السورية ومعظمها كان يعمل في مؤسسات دولية أو هو خريج معاهد أجنبية. وهذا يعبر بحد ذاته عن طبيعة المشروع الإصلاحي ونوعية ارتباطه بقوى النظام الفعلية.

وبالمثل، بقدر ما أبدى النظام البعثي عجزا موصوفا عن توليد تيار إصلاح جدي من داخله أبدى المجتمع السوري نفسه، وأبدت الطبقات الوسطى فيه بشكل خاص، وهي التربة الحية والحقل الرئيسي لإنتاج القيم والأفكار والتنظيمات السياسية في المجتمعات الحديثة، عجزا لا يقل وصفا عن توليد تعبير سياسي منظم وقوة فاعلة قادرة على التدخل في الحياة السياسية السورية وممارسة الضغط عليها، أي على القوى الحاكمة وعلى الرأي العام معا، من أجل فرض برنامج الإصلاح أو تعزيز القدرة على بلورته وتطبيقه.

ولعل السبب الرئيسي في عجز النظام القائم عن إفراز قوة إصلاحية منسجمة واعية وذات إرادة قوية تحمل مشروع الإصلاح الذي لا أشك في أن معظم المسؤولين كأفراد يؤمنون بضرورة تطبيقه وراهنيته، هو أن النمط القائم والمكرس منذ عقود لتوزيع السلطة الاقتصادية والسياسية معا يعمل لصالح جماعات ليس للمصلحة الوطنية ولا لمفهوم المصالح العليا والجمعية أي مكان في تفكيرها.

بل ليس عند هذه الجماعات أي مفهوم سياسي ومدني للحكم. إنها تعيش السلطة كأمر واقع تفرضه القوة المجردة ويؤمن استمراره قانون الطبيعة الذي يضمن تفوق الأقوى. وهي لا ترى للحكم غاية ولا برنامج عمل إلا اغتنام الفرص والوقت لمراكمة أكثر ما يمكن من المصالح الخاصة وتحقيق هذا التفوق وزيادة القوة. ولذلك تبدو السياسة هنا وقد تجردت من أي أوهام أو مشاعر أو أفكار أو التزامات من أي مستوى كان ذات طابع وطني عمومي واختفت السياسة المدنية لصالح المشاريع والمصالح والالتزامات العائلية أو العشائرية أو الشخصية.

والواقع أن تغليب فكر المصلحة الخاصة على فكر المصلحة العامة هو أساس انحراف النظام والمصدر الأكبر لفساد أي نظام اجتماعي. ومن المستحيل لمن فقد مفهوم المصلحة العامة وزال عنده مفهوم الوطنية والانتماء للجماعة السياسية أن يفرز مشروع إصلاح وطني أو اجتماعي. وعدم النجاح في إفراز مثل هذا التيار الإصلاحي رغم الضغوط والتحديات الكبيرة والخطيرة التي يواجهها النظام يدل في الحقيقة على إجهاض المشروع البعثي من حيث هو مشروع سياسي وطني وتحوله إلى سلطة تحالف أصحاب المصالح والمشاريع الخاصة المباشرة والمادية.

أما عجز المجتمع عن توليد قوة سياسية منظمة تعبر عن مصالحه وتعكس استقلاله ودوره الخاص ورؤيته لمستقبل سورية السياسي فيرجع إلى إخفاق الطبقة الوسطى السورية، بسبب تفككها السياسي والفكري والطائُفي والأقوامي والمناطقي، عن التحرر من تناقضاتها وتجاوز تشتتها وتمزقها وانقسامها العميق الذي نجم عن الخضة الكبيرة التي شهدتها خلال الأربعين سنة الماضية من عمر نظام البعث.


عجز المجتمع المدني عن توليد قوة سياسية منظمة وفعالة هو عجز المجتمع عن إنتاج الأداة التي تمكنه من الضغط على النظام لتحقيق المطالب والمصالح الأساسية التي تلخصها كلمة الإصلاح
فقد عملت سياسات البعث التمييزية على دفع القسم الأكبر والأوعى منها إلى ركوب دروب الهجرة سواء أكان ذلك بحثا عن آفاق أرحب أو خوفا على مصالحها وأمن أفرادها، كما أدخلت إلى صفوفها فئات واسعة جديدة صعدت من قاع المجتمع وطبقاته الفقيرة.

وبقدر ما تشعر هذه الطبقة الوسطى الجديدة التي تتجاوز في الحجم ربما الطبقات الوسطى القديمة بالوفاء للنظام القائم أو على الأقل بالعرفان بالجميل لا تزال ثقافتها الخاصة والمتعددة المشارب تمنعها من الشعور بالألفة ولا تساعدها على التماهي مع شرائح الطبقة الوسطى القديمة ذات الأصول المدينية القوية. وهناك من لا تزال أصوله الشعبية الفقيرة تغذي عنده مشاعر النقمة المستمرة وربما الخوف أيضا تجاه هذه الشرائح القديمة الراسخة في الثقافة المدينية.

والواقع أن الطبقة الوسطى السورية اليوم هي أكثر الطبقات نقصا في التجانس وفي الانسجام الفكري والثقافي والسياسي. فهي مشروخة ومقسمة بين شرائح قديمة مدينية منغلقة على نفسها وفئات منحدرة من أصول ريفية قريبة حديثة النعمة ومتمسكة بثقافتها الفئوية. كما أنها مقسمة بين تيارات علمانية قومية أو ديمقراطية وتيارات ذات مشارب إسلامية ينظر كل تيار فيها للتيار الآخر على أنه خصم له ومنافس في بناء نظام المجتمع المقبل.

وهي مقسومة كذلك بين أوساط طائفية ومناطقية بالإضافة إلى حالة العزلة والحصار ومنع التواصل الفكري والسياسي، الداخلي والخارجي، التي فرضها نظام السلطة الشمولية.

وكل ذلك يجعل من الصعب الحديث في سورية عن طبقة وسطى واحدة أو يمكن توحيدها في أسلوب التفكير والثقافة والأهداف السياسية. وعلى هذا الانقسام راهن النظام ولا يزال من أجل تأجيج التنافس بين أطراف هذه الطبقة ومنع نشوء قوة سياسية وسطى تعيد التوازن للحياة السياسية والاجتماعية السورية وتحول دون استمرار حالة المواجهة القائمة بين تيارات إسلامية مغالية أو على حدود الطائفية وسلطة البيروقراطية الإدارية والحزبية والعسكرية كما تحول من ورائها دون بناء التوازنات السياسية كما هو معمول به بالفعل وفي إطار من التعمية المقصودة على أسس المشاركة الطائفية والتوزيع المناطقي.

إن عجز النظام عن إفراز قوة إصلاحية متسقة وجدية يعني احتمال استمرار الوضع القائم في العمق كما هو، أي حسب القواعد السارية التي ألخصها بثلاثة رئيسية: أولوية الولاء والانتماء في شغل الوظائف العمومية على الكفاءة، انعدام المحاسبة الوطنية الحقيقية، التهرب من المسؤولية السياسية، وبالتالي تواصل مسار الركود الاقتصادي وتفكك وانحلال العقد الوطني وتفاقم الفساد الاقتصادي والسياسي والإداري معا.

وهذا الاستمرار سيتأكد بالرغم من الكثير من الإصلاحات والتغييرات الموقعية التي ستحصل ويمكن أن تحصل هنا وهناك، وهي تحصل بالفعل لكن من دون أن تؤثر على طبيعة عمل النظام ومردوده ككل، ومن دون أن يقلل حصولها من تراجع النظام وتدهور الأوضاع الاجتماعية، وبشكل خاص الاقتصادية.

أما عجز المجتمع المدني عن توليد قوة سياسية منظمة وفعالة فهو يعني عجز المجتمع عن إنتاج الأداة التي تمكنه والأغلبية الاجتماعية من الضغط على النظام لتحقيق المطالب والمصالح الأساسية التي تلخصها كلمة الإصلاح.

هذا العجز المزدوج للنظام وللمجتمع المدني معا هو الذي يفسر المنحى الضعيف الذي اتخذه الإصلاح السوري والتراجع الذي حصل عن الوعود التي أطلقها النظام في بداياته كما يفسر الانتقائية التي تتبعها السلطة في اختيار أولويات الإصلاح وفي تطبيق القوانين التي تسنها هي نفسها باسم الإصلاح.

وهو يفسر كذلك العودة المظفرة لأجهزة الأمن لممارسة وصايتها على الدولة والمجتمع وسد الباب أمام أي صوت أو رأي أو حركة تصدر أو يمكن أن تصدر عن بعض المثقفين أو الناشطين في مجال حقوق الإنسان أملا بتمديد أجل الوضع القائم واستعادة المبادرة الأمنية.


الذي يقرر مصير أي نظام ليس التفاهم الخارجي ولا قوة أجهزة الأمن المحلية وإنما النجاح في الوفاء بالاستحقاقات الاقتصادية الاجتماعية، أي في إطلاق عملية التنمية السريعة
ولا شك في أن هذا الوضع بالإضافة إلى عوامل إقليمية أخرى في مقدمها تغريز الإدارة الأميركية في العراق هو الذي يفسر أيضا انتعاش الأمل لدى أصحاب السلطة في إمكانية تجاوز الأزمة السياسية التي أثارها موضوع الإصلاح بثمن أقل أو، إذا لم تطرأ تحولات وأحداث غير منتظرة، من خلال صفقة جديدة تعيد بناء العلاقات وتقسيم مجالات النفوذ والمصالح بين فئات السلطة المتميزة المسيطرة على موارد القوة العسكرية والسياسية من جهة والدول الكبرى التي تضغط في سبيل تحقيق مطالبها ومصالحها الإقليمية، وفي مقدمها الولايات المتحدة الأميركية من جهة ثانية.

بالتأكيد سيضمن مثل هذا التفاهم الجديد إذا حصل الغطاء الأمني الاستراتيجي للنظام وربما التمديد في عمر المرحلة لبعض الوقت. لكن في اعتقادي إن الذي سيقرر في النهاية مصير أي نظام ليس التفاهم الخارجي ولا قوة أجهزة الأمن المحلية وإنما النجاح في الوفاء بالاستحقاقات الاقتصادية الاجتماعية، أي في إطلاق عملية التنمية السريعة. وعلى هذا المنعطف سوف ينتظر السوريون النظام وفيه سيتقرر مصيره.

ولن يكون من الممكن إطلاق مثل هذه العملية جديا لامتصاص البطالة الزاحفة ووقف تدهور شروط الحياة الاجتماعية والاقتصادية من دون استئصال أصل الفساد أي من دون إحداث تغيير جوهري في أسلوب وطريقة عمل النظام.

ينطبق هذا على سورية كما هو الحال على بقية البلاد العربية. إذ يبدو لي، ومع الأخذ بالاعتبار الاختلافات الجزئية الخاصة بكل حالة على حدة، أن ما يسري على هذا البلد الذي يمثل النموذج المبالغ فيه لنظام الحجر على المواطن وإلغائه من خلال الحظر الشامل على الحياة الفكرية والسياسية وتعليق حركة التاريخ والمجتمع، يسري بدرجات متفاوتة على معظم البلاد العربية.
ــــــــــــــــــ
كاتب سوري

المصدر : غير معروف