بقلم/ إبراهيم غرايبة

- حال التعليم في الوطن العربي ونوعيته
- الحواسيب تغير السياسات العملية التعليمية
- المجتمع الذي يتعلم
- نحو إستراتيجية مستقبلية للتعليم

يشكل التعليم القاسم المشترك في كل عمليات التنمية والنهضة المستهدفة والمرجوة، وتبدأ به كل البرامج والمشروعات الممكنة للعمل والنهوض، وتنتهي إليه أيضا باعتباره هدفا ووسيلة في آن واحد. ويجد المشتغلون بالتنمية والتحديات التي تواجه المجتمعات والدول أنهم بحاجة دائمة إلى تطوير العملية التعليمية وتنسيقها مع احتياجات التنمية وأولوياتها.

واكتساب المعرفة هو أحد الأحقيات الإنسانية الأساسية التي يقوم للبشر حق أصيل فيها لمجرد كونهم بشرا، ولكنه أيضا يعبر أساسا عن التنمية الإنسانية التي هي في الحقيقة نزوع دائم لترقية الحالة الإنسانية للبشر -جماعات وأفرادا. وليس من سبيل إلى هذا الارتقاء إلا باكتساب المعرفة وتوظيفها بفعالية.

حال التعليم في الوطن العربي ونوعيته


أكدت الدراسات المتعلقة بنوعية التعليم في البلدان العربية غلبة ثلاث سمات أساسية على ناتج التعليم وهي: تدني التحصيل المعرفي، وضعف القدرات التحليلية والابتكارية، واستمرار التدهور فيها
رغم تزايد أعداد الأولاد والبنات الملتحقين بالمدارس فإن نسبة الأمية في الدول العربية ما زالت مرتفعة، كما أن معدلات الالتحاق تشير إلى أن عددا كبيرا من الأطفال في سن التعلم لا يلتحقون بالمدارس أو يتسربون منها بعد فترة قصيرة من التحاقهم بها.

ولكن التحديات الأهم في مجال التعليم لا تقتصر على النواحي الكمية كالإنفاق على التعليم، والقدرة على استيعاب جميع الأطفال في المدارس، وإنما في تردي نوعية التعليم المتاح والذي يبعده عن هدفه التنموي والإنساني من أجل تحسين نوعية الحياة واستيعاب التقنية والتقدم البشري. وقد ينصرف الذهن فورا إلى قلة الموارد باعتبارها السبب الرئيسي وربما الوحيد لتدهور التعليم ومستواه، ولكن هناك عناصر أخرى تؤثر تأثيرا حيويا في تحديد نوعية التعليم، ومن أهمها سياسات التعليم، ووضع المعلمين، ومناهج التعليم وأساليبه.

وقد أكدت الدراسات المتعلقة بنوعية التعليم في البلدان العربية على غلبة ثلاث سمات أساسية على ناتج التعليم وهي: تدني التحصيل المعرفي، وضعف القدرات التحليلية والابتكارية، واستمرار التدهور فيها.

ويقوم كذلك خلل جوهري بين سوق العمل ومستوى التنمية من ناحية وبين ناتج التعليم من ناحية أخرى، ينعكس على ضعف إنتاجية العمالة واختلال هيكل الأجور بما في ذلك وهن العائد الاقتصادي والاجتماعي على التعليم. وتعبر عن هذه المقولة بوضوح وبساطة النسبة العالية للبطالة المتفشية في العالم العربي.

ولعل أكثر جوانب أزمة التعليم في العالم العربي هي عدم قدرته على توفير متطلبات تنمية المجتمعات العربية، وإذا استمرت عزلتها عن المعرفة والمعلومات والتقانة العالمية، وإذا لم تطبق عمليات إصلاح شاملة وواسعة للتعليم، فإن العواقب على التنمية الإنسانية والاقتصادية ستكون وخيمة.

الحواسيب تغير السياسات العملية التعليمية
مازالت الأمية وتعليم القراءة والكتابة تحديا أساسيا في المجتمع العربي، ولكن ذلك لا يعفي من مراجعة السياسات والهياكل التعليمية وفق ما تفرضه وتتيحه "الحوسبة" الجارية في العالم والتي تشمل كل مجالات وتطبيقات العمل والحياة، وما يمكن أن تقدمه شبكات المعلومات والإنترنت من آفاق جديدة في العملية التعليمية، سواء في التدريس أو المناهج أو المؤسسات التعليمية ودورها، ودور الأسرة والمجتمع والذي يكاد يكون ثانويا أو غير متكامل مع دور المؤسسات والإدارة والمناهج التعليمية القائمة.

إن العملية التعليمية القائمة أساسا على استخدام الحاسوب منذ السنة الأولى في الصفوف المدرسية ومرورا بكل مراحل التعليم لم تعد زينة أو ترفا أو إنجازا استعراضيا للإعلام والتباهي، أو عملية مقتصرة على المدارس الخاصة أو المناطق والأجزاء الغنية من المجتمعات والدول، وليست أيضا جزءا مستقلا من أجزاء العملية التعليمية، ولكنها مدخل أساسي للتعليم كما القراءة والكتابة، وبدون ذلك فإن التعليم القائم يتجه إلى ما يشبه حالة تاريخية كانت قائمة في المجتمعات العربية قبل انتشار التعليم النظامي والمؤسسي.

وهذا التحدي ليس موضع مبالغة في أهميته أو رسوخه أمرا واقعا مهيمنا على الحياة والتعليم والإدارة، وبدون عملية مراجعة كبرى وشاملة تجرى في المجتمعات العربية لإحلال الحاسوب تطبيقيا -وليس شكليا- في التعليم، وتأهيل المجتمعات والمؤسسات التعليمية والعاملين والطلاب لإعادة صياغة التعليم والتأهيل والتدريب وفق مدخلات وفلسفات جديدة تأخذ بالاعتبار التحولات الجذرية التي تجريها الحوسبة والشبكية في العملية التعليمية، والتي تغير وتعيد ترتيب دور المؤسسات والأسر والمجتمعات والعاملين، ووسائل التعليم ومضمونها أيضا، فإن التعليم سيمضي إلى غير أهدافه المتوقعة، وسيقدم مخرجات غير التي نرغب فيها.

وتقدم الإنترنت وشبكات المعلومات فرصا جديدة ومهمة لتطوير التعليم ومواكبة الإنتاج المعرفي المتواصل والمتدفق، وتقدم أيضا وسائل معرفية واتصالية وتدريبية، وتؤسس لتعليم جديد قائم على التعليم والتواصل عن بعد، وتمكن من تفعيل اكتساب المعرفة الراقية والمهمة من مصادرها المهمة والأولية بجهود وتكاليف وتراتيب سهلة وممكنة.

ولكن المعلوماتية والشبكية تفرض أيضا منظومة اجتماعية وثقافية وسياسية جديدة يجب أن تؤخذ بالاعتبار في السياسات التعليمية، فالتقنية لم تعد تطبيقا مجردا لاكتشاف علمي، ولكنها متوالية اجتماعية ثقافية، وتقتضي أيضا مضامين وسياسات تعليمية جديدة.

وتمضي الشبكية أيضا بالناس إلى أنماط واتجاهات جديدة في التعليم وإدارته، فالترجمة والتأليف والإنجازات يمكن إتاحتها وتنسيقها لتكون بين يدي جميع الناس على نحو يخلو من التكرار والازدواجية، واستبقاء الأصلح والاستغناء عما لا يلزم.


أصبح التعليم المستمر "مدى الحياة" مطلباً ضرورياً يجب أن تلتفت إليه الدول والمؤسسات، ولم يعد التعليم الإلزامي في المدارس حتى التعليم الجامعي كافياً لتأهيل المجتمعات وتنميتها
والشبكية نفسها تتحول إلى فلسفة في الحياة والإدارة والتعليم والسياسة والثقافة بديلة للهرمية القائمة أو التي كانت قائمة، فالناس في تعاملهم الشامل مع الشبكات للتعليم والتواصل والاتصال والعمل والتشاور والحصول على المعلومات والمعارف وتبادل الآراء والخبرات والمعارف، وتحويل وتلقي المال والخدمات والسلع يستبدلون بنظامهم الهرمي التاريخي في الحياة نظاما شبكيا قائما على المساواة والمشاركة المتحققة فنيا.

إن الحديت عن التحولات الشبكية الشاملة، من الحتمية إلى الانتقاء، ومن الأحادية إلى التعددية، ومن المحلية إلى العالمية، ومن التلقي إلى المشاركة، ومن المطلقية إلى النسبية، ومن الثبات إلى التغير والتحول الدائم، ومن حتمية الجغرافيا إلى فرص الفضاء، لم تعد تفكيرا مستقبليا أو توقعات، ولكنها تحولت إلى حاضر بل إلى ماض يصوغ فلسفة جديدة مختلفة للعلم والفكر والحياة.

المجتمع الذي يتعلم
ستكون منظومة التعليم أكثر المجالات عرضة لإعادة الصياغة والترتيب في مرحلة المعلوماتية والمعرفة، وبدأت بالفعل مؤسسات التعليم ومضامينه ومجالاته ووسائله تأخذ صيغاً جديدة مختلفة إلى حد كبير عن الأنظمة التي ألفها الناس.

إن التغيير الكبير الذي يجري في الموارد والتقنية والمعارف يجعل ما يتعلمه الإنسان ويتدرب عليه عديم النفع -أو قليله- بعد فترة وجيزة، فالمهندس أو الطبيب أو المدير وغيرهم يواجهون تحديات كبيرة في عملهم تجعلهم بدون التعليم المستمر والمتابعة الدؤوبة لتخصصاتهم ومجالاتهم يخرجون من دائرة عملهم وتخصصهم.

والتعليم المستمر "مدى الحياة" أصبح مطلباً ضرورياً يجب أن تلتفت إليه الدول والمؤسسات، ولم يعد التعليم الإلزامي في المدارس حتى التعليم الجامعي كافياً لتأهيل المجتمعات وتنميتها.

وما تقوم به المؤسسات المختلفة في مجال التدريب والتعليم المستمر لم يعد كافياً لتلبية الاحتياجات الكثيرة الناشئة للعمل والحياة، فقد أصبح التعليم المستمر على درجة من الإلحاح والأهمية تستدعي أن تقوم به مدارس وجامعات ووزارات ومؤسسات منتشرة في المدن والقرى، لأنه لم يعد يستهدف قطاعاً نخبوياً من الناس، وإنما يحتاجه الناس جميعهم بمختلف أعمارهم وأعمالهم ومستواهم التعليمي والإداري.

إن تحول الإنترنت والشبكية إلى جزء من بيوت الناس وحياتهم وعلاقتها بكل الأنشطة والمؤسسات تعيد ترتيب كثير من أنظمة الإدارة والعمل، ومنها التعليم. وباتجاه الحكومات والدول نحو تخفيف الإنفاق، وبسبب التحديات التعليمية الناشئة التي تستدعي إنفاقاً وإعداداً، فسيكون بمقدور المجتمعات والدول باستخدام الإنترنت أن تفعّل "التعليم الشبكي" وتقلل من نفقاته، وتجعله شاملا لجميع مراحل العمر وليس فقط الأطفال والتلاميذ وطلاب الجامعات.

ويتوقع من التعليم المجتمعي في ضوء المتغيرات المتسارعة أن يعيد تشكيل وبناء قوة عمل مؤهلة، وتتكيف مع التقنيات الجديدة المنتشرة، وتشارك فيها أيضاً. وإذا كانت مخرجات التعليم مختلفة عن الوجهة الجديدة للعمل والموارد والاقتصاد، فإن التعليم يكون عبئاً زائداً على الأعباء الكثيرة المتراكمة على الأفراد والمجتمعات.

وقد يحدث دون انتباه أن تنحرف مؤسسات التعليم رغم الإنفاق الهائل عليها والتفرغ التام لها من قبل أكثر من ثلث المجتمعات، عن أهدافها البسيطة التي أنشئت من أجلها، وهي: أن نتعلم كيف نعرف، وكيف نعمل، وكيف نكون، وكيف نعيش معاً.

لقد كانت المجتمعات تعلم أبناءها بتلقائية ودون تكاليف تذكر كيف يكونون صالحين ومفيدين لأنفسهم ومجتمعاتهم، فالبيئة المحيطة بالطفل كانت تمده بالثقافة والهوية والعادات والتقاليد ووسائل العمل والرزق، فيتعلم حرفة أو مهنة، ويتعلم كيف يبني بيته بنفسه، ويحقق جميع أو معظم احتياجاته بنفسه أو ضمن منظومة المجتمع المحيط به. ورغم أن المؤسسات التعليمية قد أنشئت لتطوير هذه المهارات وتفعيلها، فإنها في المحصلة قضت على معظمها وربما جميعها.

"المجتمع الذي يتعلم" فكرة تبنتها منظمة اليونيسكو عام 1976، لكنها لم تعد اليوم ترفاً أو تطوعاً وإنما ضرورة كما التعليم الأساسي، فالتعليم ليس نظاماً فرعياً في المجتمع، ولم يعد ممكنا تقسيم الحياة إلى فترة تعليم وفترة عيش وعمل، ولم يعد التعليم مقصوراً على المدارس والجامعات، وإنما يمكن أن تقوم به جميع المؤسسات الخدماتية والاقتصادية والاجتماعية والمعلوماتية.

وربما تكون المشكلة الأساسية في التعليم المستقبلي هي القدرة على تحديد الاحتياجات والمهارات الناشئة التي يجب أن تتزود بها المجتمعات، إذ يبدو أن معظم الأفراد والمؤسسات غير مدركين لهذه الاحتياجات ولا يلاحظون الإمكانيات والفرص التي تتيحها المعلوماتية والشبكية المهيمنة بتسارع وهدوء على كل مناحي الحياة والاقتصاد.

والمهن التعليمية أصبحت أيضاً موضع إعادة نظر، والمعلم الذي لا يقدم أفضل مما تقدمه برامج الكمبيوتر وأقراص المعلومات وشبكات المعلومات والاتصال سيفقد أهميته ومبرر عمله ووجوده، والواقع أن كثيراً من المهن والمؤسسات متجهة إلى الانقراض أو التغيير الجذري. فكما أبدلت "الثورة الصناعية" معظم مهن ووسائل الحياة السابقة لها فإن المعلوماتية تغير كل -أو معظم- الوسائل الحالية، ومعها أيضاً مهن ومؤسسات وأنظمة اقتصادية وتعليمية واجتماعية.

ولم يعد الحديث عن هذه التغييرات المتسارعة ترفاً فكرياً أو خيالاً علمياً، ولكنها تحديات نشأت بالفعل، وقد يكون قد فات جزء كبير من الوقت والجهد والتفكير للتعامل معها، وهي -للأسف الشديد- لا تنتظرنا حتى ندركها أو نقتنع بضرورة التعامل معها.

نحو إستراتيجية مستقبلية للتعليم


لم يعد الحديث عن التغييرات المتسارعة ترفاً فكرياً أو خيالاً علمياً، ولكنها تحديات نشأت بالفعل. وقد يكون قد فات جزء كبير منها, وهي -للأسف الشديد- لا تنتظرنا حتى ندركها أو نقتنع بضرورتها
تعتمد رؤيتنا للمستقبل على المعطيات والتحولات والأولويات التي أقررنا بها أو تفرض نفسها على التعليم والمعرفة والموارد والإنتاج، ولذلك فإن السياسات التعليمية القادمة تقوم على مجموعة من المبادئ التي يجب أن تحكم العمل التعليمي والتي تفضي إليها هذه الرؤية على نحو نعتقد بأنه تلقائي.

إن إقامة مجتمع المعرفة هو سبيل العرب إلى الوجود الكريم من موقع قدرة ومنعة في عالم الألفية الثالثة، ومن ثم فإن العملية التعليمية المستقبلية محكومة بهذا الهدف، ويقتضي ذلك مجموعة من المبادئ والأفكار:

  • إعادة صياغة السياسات التعليمية العامة والفرعية وفق ما تتيحه بل وتفرضه الحوسبة والشبكية الجارية في العالم.
  • إطلاق حريات الرأي والتعبير والتنظيم وضمانها بالحكم الصالح.
  • النشر الكامل لتعليم راقي النوعية يستهدف منح قدرات على التعلم الذاتي وملكات التحليل والنقد المؤسسة للإبداع والابتكار.
  • توطين العلم وبناء قدرة ذاتية في البحث والتطوير التقاني في جميع النشاطات المجتمعية.
  • تأسيس نموذج معرفي عربي أصيل منفتح ومستنير.
  • استحداث نسق تعليمي مؤسسي للكبار مستمر مدى الحياة.
  • إصلاح التعليم العالي وتطويره عبر مؤسسات مستقلة لتقييم البرامج والمؤسسات واعتمادها ضمانا للجودة. ويمكن أن يمثل قيام مؤسسة عربية مستقلة لضمان جودة التعليم العالي نقلة نوعية في هذا المجال.
  • النهوض باللغة العربية لتستوعب التطور والنهضة المرجوة في التعليم والمعرفة، والتأسيس لحركة تأليف مبتكر وإبداعي على مستوى الأعمار الأولى لتطويع اللغة وتبسيطها وإنعاشها، وإعداد معاجم وظيفية متخصصة، وتيسير قواعد اللغة العربية، والاجتهاد في حوسبة اللغة، وإغناء محتوى شبكات المعلومات باللغة العربية.
  • حفز التعريب والترجمة من وإلى اللغات الأخرى.

ــــــ
كاتب أردني

المصدر : غير معروف