بقلم/ ياسر الزعاترة *

خلال العامين الماضيين تعرضت الجماهير العربية على نحو خاص، والإسلامية على نحو عام إلى موجتين كبيرتين من الهجاء من لدن الكثيرين، حيث نسمع على نحو متصل هنا وهناك أن الأمة قد ماتت وأن لا أمل فيها. تحتاج هذه النظرية إلى مزيد من الوقفات لمناقشتها، سواء لمعرفة أسباب ذلك الموقف للذين يرون أنه حاصل بالفعل، أو ضخ مزيد من الحياة للذين يرون أن الوضع بخير، فضلاً عن الدفاع عن الناس في مواجهة الهجوم المتواصل عليهم.

في هذه السطور، نحن نزعم أننا من الفريق الثاني الذي يرى أن الأمة لم تمت وأنها بخير، وأن جماهيرها مستيقظة وحركتها مقبولة، وهي تراقب عن كثب ما يحدث، وستكون جاهزة للرد في اللحظة المناسبة. ونستند في ذلك إلى الحديث النبوي الشريف الصحيح الذي يقول فيه المصطفى صلى الله عليه وسلم "من قال هلك الناس فهو أهلكُهم، أو أهلكَهم". وقد ذكر المحدثون أن هناك رواية بضم الكاف في كلمة أهلكهم وأخرى بفتحها، أي أن من قال هلك الناس هو واحد من اثنين: إما أنه أكثرهم هلاكاً كما في الرواية الأولى أي أسوؤهم روحاً وعطاءً، وإما أنه ساهم في هلاكهم، وهذا صحيح لأن الذي يواصل "التبشير" بهلاك الناس إنما يساهم مساهمة فعالة في دفعهم نحو المزيد من التراجع، وبالتالي الهلاك. والحال أن هناك من يجمعون "الحسنيين" معاً، أي يكونون من أكثر الناس "هلاكاً" وفي الوقت ذاته يساهمون في إهلاك الآخرين!!


حجم التفاعل في الشارع العربي والإسلامي مع انتفاضة الأقصى كان كبيراً وواسعاً على نحو غير مسبوق في تاريخ الأمة منذ قرون

فلسطين والعراق
لتحرير المسألة أكثر نشير إلى أن موجة الهجاء التي تعرضت لها الجماهير قد جاءت على خلفية التفاعل مع قضيتين: الأولى انتفاضة الأقصى في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والثانية قضية العدوان على العراق أو لنقل دق طبول الحرب عليه من دون سبب مقنع. وفي الحالة الثانية جرت المقارنة مع موجة التظاهر الواسعة في المدن الأوروبية والعالمية.

وحتى نضع الأمر في سياقه الصحيح لابد أن نقول إن حجم التفاعل في الشارع العربي والإسلامي مع انتفاضة الأقصى كان كبيراً وواسعاً على نحو غير مسبوق في تاريخ الأمة خلال قرون، إذ لم تبق مدينة في العالم يوجد فيها بضع مئات من المسلمين إلا وخرجت فيها مسيرة مؤيدة لانتفاضة الأقصى.

حصل ذلك خلال الأسابيع الأولى لانطلاقها وربما الشهور الأولى، غير أن الموقف عاد إلى التراجع. والحقيقة أن ذلك لم يحدث لأن الجماهير بائسة وسيئة أو قصيرة النفس، ولكن لأن المسار السياسي هو الذي انحرف عن جادة الصواب حيث عاد إلى المفاوضات الأمنية والسياسية أو لنقل المراوحة بين التفاوض والانتفاضة، وهنا لم تعد الجماهير على قناعتها القديمة فعادت إلى السكوت من جديد.


في الملف العراقي لم يكن التفاعل الشعبي سيئا، ولكن لابد من القول إن القضية قد طالت كثيراً، فطبول الحرب ضد العراق مازالت تقرع منذ شهور طويلة
عندما عادت الأوضاع إلى التصعيد وبدا أن خيار المقاومة قد حسم خلال الأشهر الأولى من عام 2002 وصولاً إلى معركة مخيم جنين البطولية، عاد الشارع إلى التحرك الواسع والقوي، غير أن المسار السياسي عاد لخذلانه من جديد أيضاً وذلك من خلال "صفقة المقر" وما بعدها، حيث بدأ مسلسل التراجعات المعروف.

وفي الملف العراقي لابد من القول إن القضية قد طالت كثيراً، فطبول الحرب على العراق مازالت تقرع منذ شهور طويلة. وفي العموم فإن التفاعل لم يكن سيئاً، فقد عقدت عشرات المؤتمرات وسارت مئات التظاهرات الكبيرة والصغيرة في المدن العربية فضلاً عن فعاليات الجامعات اليومية. بل إن عمليات عسكرية قد حصلت ضد أهداف أميركية هنا وهناك، أي أن الموقف لم يكن بالهزال الذي يجري تصويره من قبل المبشرين بالخراب. ومع ذلك فنحن نقر بأن التفاعل كان أقل مما يأمل الكثيرون، وهذا الأمر هو الذي يحتاج إلى بعض النقاش. وهنا نعيد التأكيد على أننا لا نقر أن حجم التفاعل الشعبي في المسألتين الفلسطينية والعراقية كان ضعيفاً، بقدر ما نقول إنه كان دون المأمول وإن بدا أفضل في المسألة الفلسطينية. ولذلك فنحن نبحث في أسباب عدم التفاعل على نحو أفضل وليس في أسباب "الموت".


تتميز الجماهير العربية بأنها لا تسير خلف أي قضية، وأنها تحتاج إلى قناعة حقيقية بالبوصلة والهدف كي تتحرك
وضوح المسار
تتميز الجماهير العربية بأنها لا تسير خلف أي قضية، وأنها تحتاج إلى قناعة حقيقية بالبوصلة والهدف كي تتحرك. وفي الحالة الفلسطينية كان التحرك دائماً خلف البوصلة الصحيحة للجماهير ممثلة في خيار المقاومة، وقد حصل ذلك كما أشرنا في الفترة الأولى من انتفاضة الأقصى عندما بدا أنها عنوان لخط جديد في الوضع الفلسطيني، وقد غدا الاستشهاديون هم عنوان العشق والتحدي في العالم العربي والإسلامي. وحصل ذلك أيضا في الأشهر الأولى من عام 2002 وصولاً إلى معركة مخيم جنين. والحال أنه لو استمر المسار على النحو المقنع للجماهير لكان الموقف مختلفاً إلى حد كبير.

لقد رأينا خلال تلك الفترات حجم الإقبال الشعبي على الاحتجاج والتبرع والعطاء، وصولاً إلى محاولات اختراق الحدود للعمل مع المقاومة كما حصل من خلال مصر والأردن. ونحن نجزم هنا أنه لو سارت الأمور تصعيداً شاملاً من دون تردد لرأينا العجب العجاب من الناس، سواءً قبلت أنظمتهم أم لم تقبل. ونشير هنا إلى مسألة في غاية الأهمية تتمثل في أن موقف النظام العربي الرسمي المتراجع حيال المقاومة وشده القيادة الفلسطينية إلى الخلف، كان دائماً بسبب الخوف من انتفاضة الجماهير في وجه الأنظمة، وهذا أمر لم يكن يقال تخويفاً بل هو حقيقة واقعة كانت نذرها تلوح في الأفق.

إننا حين نتحدث عن الجماهير فإننا لا نتحدث عن كل الناس بدليل أن المقارنة العجيبة للبعض مع الغرب لم تشر يوماً إلى أن كل الناس قد خرجوا إلى الشوارع، وإنما نسبة محدودة منهم لا تتجاوز 3-4% في أحسن الأحوال. كما أن الفعل الأكثر قوة رداً على بعض الأصوات لا يكون إلا من أناس محدودي العدد، بيد أنهم يعبرون في الواقع عن حجم الغضب الكامن في نفوس الشعب، بدليل أنهم لم يخرجوا إلا عندما شعروا أن الشعب يقف وراءهم ويمدهم بالقوة اللازمة لمواصلة الفعل.

في موضوع العراق يمكن القول إن المسار لم يكن واضحاً تماماً، وسيرة النظام العراقي السابقة مع الجماهير ليست مشجعة إلى حد كبير، فقد عاش الناس في المرة السابقة تحت أوهام الصمود ولكنهم خذلوا. أما الآن فإن الموقف لا يزال غامضاً، فالناس لا تدري هل لدى العراق ما يخفيه؟ وإذا كان كذلك فهل سينفعه؟ وإذا لم ينفعه كل ما كان لديه قبل 20 عاماً فهل ينفعه الآن؟ ولماذا لا يكون التعاون مع فرق التفتيش شاملاً؟


في موضوع العراق، يمكن القول إن المسار لم يكن واضحاً تماماً، وسيرة النظام العراقي السابقة مع الجماهير ليست مشجعة إلى حد كبير
بكل بساطة يمكن القول إن سيرة النظام العراقي الداخلية والخارجية ليست مشجعة إلى حد كبير، ومع ذلك فإن مشاعر التحرك لها عنوانها الآخر. إنه ذلك العنوان المتصل بقهر أميركا وإذلالها للأمة من خلال العراق الذي استهدف لأنه رفض الخنوع، فيما يراد له أن يكون محطة نحو إذلال شامل وإعادة تشكيل للمنطقة.

من هنا كان منطلق الغضب وعلى هذه الخلفية جاء التحرك، وهو تحرك لا يمكن تجاهله بيد أنه لم يكن بالمستوى المطلوب لأسباب لها صلة بالقضية وتطوراتها إلى جانب مسائل أخرى تتصل بهذه القضية وقضايا أخرى.

على صعيد القضية ذاتها يمكن القول إن "الموَّال" كان طويلاً إن جاز التعبير، والتهديد كان طويلاً، وسؤال الحرب من عدمها كان غامضاً، والناس لا يمكنهم التفرغ للتظاهر ضد أميركا لوقت طويل. غير أن عدم بلوغ التحرك ذلك المستوى المأمول في المسألة العراقية فضلاً عن المسألة الفلسطينية، له أسبابه الأخرى التي ينبغي أن نقف عندها.

النضال السلمي في أجواء الديمقراطية الباهتة
لابد من القول هنا إن المسار الديمقراطي في الدول العربية لم يكن حقيقياً في يوم من الأيام، وإن السلطة كانت ولا تزال خصماً للناس في أغلب الأحيان. فقد عرف الناس قديماً الخروج إلى الشوارع رغم أنف السلطات، وكان ذلك بالطبع بقيادة القوى السياسية الفاعلة، غير أن وضع الديمقراطية الباهتة الجديدة قد دجّن القوى السياسية وجعلها جزءا من اللعبة لابد لها من إذنٍ كي تخرج في مظاهرة وإلا غدت خارجة عن القانون.

والخلاصة أن لعبة ديمقراطية الديكور السائدة في العالم العربي قد أصابت العمل الشعبي بعطب كبير حين حوّلت القوى السياسية إلى واجهات حزبية تتعامل مع السلطة بأوراق الاستدعاءات والطلبات والتواقيع، في حين نجحت السلطات في استيعابها وتدجينها أو معظمها بالطرق المعروفة.


لعبة ديمقراطية الديكور السائدة في العالم العربي أصابت العمل الشعبي بعطب كبير حين حوّلت القوى السياسية إلى واجهات حزبية تتعامل مع السلطة بأوراق الاستدعاءات والطلبات والتواقيع، في حين نجحت السلطات في استيعابها وتدجينها أو معظمها بالطرق المعروفة

مع ذلك فإن الشارع كان ولا يزال يتفاعل مع قضايا الأمة حتى لو تم ذلك من خلال مسيرة مرخصة، بيد أن انتظار ذلك الترخيص صار أمراً بعيد المنال، وإن تم فضمن شروط زمانية ومكانية معقدة ومحددة، ومع ذلك فقد شهدنا أكثر من مسيرة مليونية كما في المغرب واليمن.

النخب أم الجماهير؟
هنا يكون السؤال: هل تبدو المشكلة في الجماهير أم في قوى السياسة والنخب الحزبية والمثقفة؟ إنني أقول بكل بساطة إن المشكلة هي في النخب والقوى السياسية التي تملك ترف الانتظار لأسابيع من أجل ترخيص مسيرة للتفاعل مع قضية ساخنة وحية من قضايا الأمة.

والذي لا شك فيه أن الجماهير كانت على الدوام جاهزة للتحرك حين تكون القضية واضحة والبوصلة محسومة، غير أنها تحتاج إلى قيادة تحركها، وهنا تبدو الأزمة عملياً وواقعياً في النخب والقوى السياسية الضعيفة والمدجنة. وإذا لم تبادر هذه القوى بتحدي لعبة الديمقراطية الباهتة ورفع سقفها فإن الأمر سيواصل حراكه الضعيف.

لا يعني هذا أن الجماهير مغرمة بالصدام مع أنظمتها وعساكرها، بل إن العكس هو الصحيح، غير أن الجماهير حين تواجه أنظمة تحول بينها وبين التعبير عن مشاعرها فإن تفاعلها مع نظام البث المبرمج للمشاعر في أوقات محددة وأماكن محددة وعلى نحو محدد من كل الجوانب يظل محدوداً.


إذا قررت الولايات المتحدة أن تتحول إلى قوة غزو وإخضاع فستجد في هذه المنطقة من الرفض والغضب ما لن تستطيع مواجهته

المخزون المتراكم
كل ذلك لا يعني أن الأمور تستحق اليأس، ذلك أننا نعاود التذكير بأن الأوضاع كانت ولا تزال بخير، وأن تفاعل جماهير الأمة مع قضاياها سيبقى معقولاً في كل الأحوال بدليل هذا الرد الواضح على استهداف الإسلام عبر مزيد من التمسك به. بيد أن الضعف الآتي لا يعني أن فرصة التحرك الكبير قد انتهت أو تراجعت، ذلك أن مخزون القهر سيبقى يتراكم يوماً بعد آخر، سواءً ضد الولايات المتحدة أو ضد الأنظمة التي تصادم مشاعر شعوبها. وتاريخ هذه الأمة في مواجهة الظلم والاستهداف الخارجي خير شاهد على ذلك.

وإذا قررت الولايات المتحدة أن تتحول إلى قوة غزو وإخضاع فستجد في هذه المنطقة من الرفض والغضب ما لن تستطيع مواجهته، وقد يتحول إلى نقطة البداية لقوتها كإمبراطورية.
ـــــــــــــــــ
* كاتب صحفي فلسطيني

المصدر : غير معروف