بقلم: غراهام فولر

ظلت روسيا، خصوصا وهي في شكلها السابق، الاتحاد السوفياتي، تلعب دورا حيويا في إستراتيجية كثير من دول العالم الثالث. فعلى الرغم من أن عددا قليلا جدا من الدول أو الحكام كان يرى في الاتحاد السوفياتي نموذجا مرغوبا فيه للنظام السياسي أو الاقتصادي، فإنه لعب دورا مهما جدا على الساحة الدولية أثناء الحرب الباردة، فقد كان الاتحاد السوفياتي القطب الثاني والمعسكر الثاني في عالم ثنائي القطبية، أو هكذا كان على المستوى الدبلوماسي والعسكري.

"
صفقة السلاح التشيكي الشهيرة التي وقعها جمال عبد الناصر عام 1955 اعتبرت أول صدمة كبيرة للغرب لأنها أنهت الاحتكار الغربي لمصادر تسليح العالم العربي والإسلامي
"
ويعني ذلك أن غالبية الدول الصغيرة في العالم وعلى الرغم من أنها كانت واقعة بين فكي دولتين عظميين، فإنها كانت قادرة على الاستفادة من حالة العداء بين القطبين ومن ثم نجحت في تعزيز مكانتها وموقفها التفاوضي. فإذا مارست إحدى القوتين العظميين ضغوطا على دولة صغيرة، كانت هذه الأخيرة تستطيع أن تهدد بالانتقال إلى القوة الأخرى المنافسة ومن ثم تكسب قدرة تفاوضية. كما كان باستطاعة الدول الصغيرة تعزيز قدراتها العسكرية، إذ كانت كل من القوتين الكبيرتين تخشى من أن تقوم القوة الأخرى بتسليح الدول الصغيرة ولذلك كانت تسارع لتعرض على تلك الدول صفقات تسليحية خاصة. وكانت صفقة السلاح التشيكي الشهيرة التي وقعها جمال عبد الناصر عام 1955 أول صدمة كبيرة للغرب عندما حل المعسكر السوفياتي محل الغرب كمصدر سلاح رئيسي لدولة مثل مصر التي تعتبر مهمة من الناحية الإستراتيجية، وكسرت تلك الصفقة الاحتكار الذي كان يفرضه العالم الغربي على تسليح الدول الإسلامية كما كسرت سيطرة الغرب على تدفق الأسلحة للعالم الإسلامي.

لقد بينت الحرب الباردة أن وجود الاتحاد السوفياتي كان مهما بالنسبة لغالبية الدول العربية لأن قوة السوفيات الدبلوماسية والعسكرية كانت تحدث توازنا مفيدا. لكن ذلك كله بالطبع انتهى في عام 1991 مع انهيار الاتحاد السوفياتي. وعندما كان الاتحاد السوفياتي ينهار سارع غالبية دول العالم الثالث إلى الاعتراف بالتغير الذي حدث على الساحة الدولية وأقرت بخسارتها بسبب تواري روسيا إلى الظل. وبقيت الدول الصغيرة أمام خيار واحد فقط هو التعامل مع الغرب وخصوصا الولايات المتحدة.

كما اتضح بسرعة أن روسيا ليست في الواقع "قوة عظمى" بالمعنى الكامل للكلمة، وإنما هي أقرب إلى دولة نامية ذات قدرات عسكرية متطورة. لقد كانت روسيا، بمعنى آخر، تفتقر إلى القوة الاقتصادية والسياسية والثقافية التي يمكن أن تجعلها قوة عظمى حقيقية في العالم، وباستثناء الأسلحة فهي لا تنتج أي منتجات دولية أخرى يريدها العالم كالأزياء أو الأغذية أو الملابس أو الموسيقى. لقد كانت بلدا لا يطيق أحد العيش فيه بسبب الغذاء السيئ وظروف الحياة السيئة والكبت السياسي الكبير. والناس لا تذهب إلى روسيا لقضاء العطلات أو للتعليم إلا إذا لم تتوفر بدائل في الغرب. إلا أن روسيا حافظت على صورة "القوة العظمى" بفضل امتلاكها القدرة على تدمير الغرب بواسطة قوتها النووية. إن قوة روسيا الاقتصادية اليوم لا تزيد عن مستوى قوة سنغافورة. (وإذا كانت هناك "قوة عظمى" ثانية حقيقية في العالم فهي الاتحاد الأوروبي الذي يملك كل عناصر القوة العظمى تقريبا، الاقتصادية والسياسية والثقافية، باستثناء ضعفه العسكري النسبي مقارنة مع الولايات المتحدة الأميركية).

تعاني روسيا أزمة هوية منذ سقوط الاتحاد السوفياتي، فكيف تستعيد موقعها كقوة ذات تأثير كبير في العالم حتى مع عدم امتلاكها لأي شيء سوى القوة العسكرية الكبيرة؟ إن أحد الأجوبة على هذا السؤال هو أن روسيا تصر على أن تكون "مختلفة"، وتبرير الروس لهذا الأمر هو أنه إذا أرادت روسيا أن تكون قوة عظمى فإن سياساتها يجب أن تكون مختلفة عن سياسات الولايات المتحدة، فأهمية روسيا لا تظهر إلا إذا كانت لها سياسات مستقلة، كما يقولون. إن هذا التفكير خطير بالطبع لأنه يشجع على التزام الاختلاف دون اعتبار للكيفية، أي أنه اختلاف لمجرد الاختلاف. وقد ميزت سياسات "الاختلاف" هذه حكم كل من غورباتشوف ويلتسين. وقد سعت روسيا للحفاظ على علاقاتها الطيبة مع زبائنها القدامى من الدول أمثال ليبيا والعراق وسوريا، كما حاولت إقامة علاقات جديدة مع دول عربية أخرى في الخليج.

لكن فلاديمير بوتين قد يكون زعيما من نوع مختلف، فهو يعيد التفكير تدريجيا بالأسلوب الذي كان يتبعه سلفه يلتسين. وفي السنوات الأولى من حكمه أبدى اهتماما في إقامة توازن بين الصين وواشنطن لكي يبرز موقع روسيا المتميز. لكن بوتين يمثل جيلا أكثر شبابا وهو أقل تأثرا بالطريقة السوفياتية للتفكير، وجاء من عالم الاستخبارات العملي (الكي جي بي) وليس من عالم الأيديولوجيا، وهو يتكلم لغة أجنبية واحدة على الأقل وهي الألمانية مما يعتبر نافذة حيوية يطل من خلالها على العالم الخارجي.

"
قام بوتين بعد هجمات 11 سبتمبر/ أيلول على مركز التجارة العالمي وبعد إعلان جورج بوش الحرب على الإرهاب، بإجراء تغيير جذري في سياساته، وسارع إلى التقارب مع واشنطن ربما ليستخدم "الحرب على الإرهاب" مبررا للقيام بحربه على الشيشان الذين يسعون للاستقلال
"

وبعد هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001 على مركز التجارة العالمي وإعلان جورج بوش الحرب على الإرهاب، قام بوتين بإجراء تغيير جذري في سياساته، فقد كان من أوائل زعماء العالم الذين اتصلوا ببوش ليعرض عليه التعاون. وربما كان السبب في تصرف بوتين هذا أنه كان يعرف أنه لن يستطيع وقف الحرب الأميركية على الإرهاب، وأنه كان يعرف أنه لو قاوم أو عارض تلك الحرب فإن ذلك سيزيد من تدهور العلاقة بين روسيا من ناحية والولايات المتحدة والغرب من ناحية أخرى. ولذلك اعتقد بوتين أن باستطاعته استخدام "الحرب على الإرهاب" مبررا للقيام بحربه على الشيشان الذين يسعون إلى الاستقلال عن طريق إظهار أن الشيشان هم أيضا إرهابيون. كما اعتقد أن باستطاعته انتزاع بعض المكاسب والتنازلات من جانب الولايات المتحدة والغرب إذا ما عرض التعاون معهم. وبهذا العمل أظهر بوتين نفسه رجل دولة ذكيا، وغير موقفه من الضعف إلى القوة.

وفي سلسلة من الإجراءات المفاجئة، وافق بوتين على "السماح" للولايات المتحدة باستعمال القواعد الجوية في آسيا الوسطى للهجوم على أفغانستان. إن هذه القواعد لم تكن في روسيا وإنما في جمهوريات أوزبكستان وقرقيزيا وطاجيكستان المستقلة. وفي الواقع لم يكن باستطاعة روسيا منع هذه الدول من السماح بدخول القوات الأميركية لأراضيها، لكنها كانت تستطيع خلق كثير من المشاكل لهذه الدول لو كانت روسيا تعترض على ذلك. ولذلك فإن بوتين استطاع أن يحول الضرورة إلى فضيلة أو منفعة. فقد تعاون مع الولايات المتحدة في مجال تبادل المعلومات الاستخبارية حول أفغانستان والنشاطات الإرهابية. (والواقع أن روسيا قلقة جدا من نشاطات الإسلاميين، ليس في الشيشان فقط، وإنما أيضا في مناطق أخرى شمال القوقاز بل وفي منطقة تترستان المهمة في وسط روسيا - وهذه لها قصة سنأتي عليها في مناسبة أخرى). لقد تخلت روسيا الآن عن أي توازن بين الصين والولايات المتحدة وأبدت مرونة في موضوع شبكة الدفاع الصاروخي الأميركية الجديدة. كما وافق بوتين على التعاون في مشروع خط الأنابيب بين باكو في أذربيجان وميناء جيهان التركي وهو المشروع الذي ظلت موسكو لسنوات طويلة تعتبره مشروعا منافسا. لكن الاختلاف الكبير الوحيد حتى الآن هو أن بوتين قال إنه لا يوافق على هجوم أميركي على العراق لكنه موقف لا يختلف كثيرا عن الموقف الألماني أو الفرنسي من هذه القضية. كما أنه يصر على مساعدة إيران بتقديم التكنولوجيا لبناء مفاعلها النووي وهو ما لا يرضي الولايات المتحدة.

ومكافأة له على مواقفه، يتمتع بوتين الآن بعلاقات شخصية طيبة مع بوش وسيتمتع عما قريب بعلاقات اقتصادية أكبر مع الولايات المتحدة. كما أنه يكسب تعاونا أكثر من جانب صندوق النقد الدولي إضافة إلى اكتسابه موقع مراقب قوي في حلف الناتو. إن روسيا التي تجاهلها بوش في الأشهر الثمانية الأولى من فترة رئاسته تتمتع اليوم بعلاقات خاصة مع واشنطن.

ما الذي حدث؟ هل تخلت روسيا عن إستراتيجيتها التي التزمت بها على مدى السنوات الثمانين الماضية؟ هل قرر بوتين أن إقامة علاقات حميمية مع الغرب هي الضمانة الوحيدة لروسيا قوية في المستقبل؟ هل قرر أن إقامة علاقات قوية مع الصين لن يكون لها أبدا نفس أهمية العلاقات مع الغرب على الرغم من إيجابيتها؟ هل تخلت روسيا عن انتهاج سياسة خارجية "مختلفة" لمجرد إثبات استقلالها؟ إن الإجابة على هذه الأسئلة مازالت غير واضحة والزمن وحده كفيل بأن يجيب عليها.

إنني أعتقد أن هذا التعاون الروسي القوي مع الولايات المتحدة والغرب سيكون مؤقتا وأن بعض التوترات والخلافات ستنشأ خلال العام القادم عندما تبدأ الحرب على الإرهاب في البرود. لكن بوتين ربما أراد إحداث تغيير مهم في سياسته لجعل روسيا جزءا من العالم الغربي الأوسع وليس مجرد دولة "مختلفة". هناك في روسيا من يختلف مع هذه الإستراتيجية، لكن هؤلاء المعارضين قد يكونون في غالبيتهم من الشيوعيين القدامى وربما يكون بعضهم داخل الجيش. سيكون جميلا لو رأينا تغيرا في النهج السياسي الأساسي. وقد يريد بوتين اتباع الإستراتيجية الأوروبية وهي إستراتيجية يمكنها ضبط السياسة الأميركية بشكل أفضل لو كانت روسيا جزءا منها وليس جسما منفصلا عنها.

للمشاركة بالرأي والتعليق

المصدر : غير معروف