بقلم/ إبراهيم غرايبة

-غازي الياور
-قبيلة شمر: التاريخ والجغرافيا
-الأرستقراطية بديلا للمجتمع المدني والطبقة الوسطى

هل يكون اختيار غازي الياور رئيسا للعراق استعادة لدور الأرستقراطية العربية في الحكم والإدارة بعدما عصف بها العسكر، أم أن العسكر والاحتلال كانا في سلوكهما بمثابة عملية تدمير للطبقة الوسطى ولكل محاولات وبرامج التحديث التي جرت حتى عاد العراق، وربما تعود دول عربية أخرى إلى نقطة البداية حين كانت الأرستقراطية العربية هي التي تقود عمليات الإصلاح والتنوير؟ وبالمناسبة فقد جرت في بعض دول أوروبا الشرقية بعد انهيار الشيوعية حالة مشابهة لما يجري في العراق اليوم.

غازي الياور


يمثل الياور إجماعا شيعيا سنيا وعربيا كرديا وقبولا وامتدادا عربيا, كما أنه نموذج الأرستقراطية العربية وقدم حالة معتدلة ومقبولة لدى العراقيين جميعا في أزمة الفلوجة
يبدو غازي الياور في الزمان العراقي القائم والمكان أيضا حالة لعلها الأفضل للعراق برأي أغلبية مجلس الحكم على اختلاف أعراقه وطوائفه واتجاهاته السياسية والفكرية، فهو (غازي الياور) يمثل إجماعا شيعيا سنيا وعربيا كرديا، وقبولا وامتدادا عربيا أيضا، وبخاصة في الأردن ودول الخليج وسوريا، فقبيلة "شمر" تمتد في جميع دول الهلال الخصيب، وينتمي أبناؤها إلى الطائفتين السنية والشيعة، وكانت إقامة قادتها تاريخيا في الموصل مناسبة لعلاقات عربية كردية ممتدة ومتأصلة.

وغازي الياور بشخصه أيضا يمثل حالة نادرة فهو مهندس تخرج من جامعة جورج تاون، وبرغم أنه كان ووالده وعمه الشيخ محسن الياور زعيم قبائل شمر يعارضون الغزو العراقي للكويت فإنهم أيضا لم يشاركوا المعارضة العراقية (سابقا) في نشاطها الخارجي، وظلوا يمثلون حالة وسطا أكثر قبولا في الوسط العراقي والعربي.

ويقدم الياور بشخصه وسلوكه نموذجا يقرب الناس إليه ويجعله موضع تأييد، فهو نموذج الأرستقراطية العربية التي يحبها الناس، المثقف المنفتح والمؤهل تأهيلا علميا عاليا، والزعيم المتواضع الذي يفتح بيته للناس جميعا، ويعبر عن مواقف الشجاعة والكرم التي يحبها العرب.

يعود نسب غازي الياور إلى الحسن بن علي بي أبي طالب، وينتمي إلى سلسلة متصلة من القادة والزعماء من ذرية الشريف قتادة بن بركات الذي تولى إمارة مكة عام 1201م، وظلت الإمارة في ذريته حتى عام 1925، وكان جده الشيخ محمد بن بركات الجربا قد هاجر من مكة في أوائل القرن السادس عشر الميلادي بعد نزاعات كبيرة بين الأشراف، فلجأ مع مجموعة من عائلته ومؤيديه إلى بلدة الجربا في منطقة معان جنوب الأردن، وتسمى بالجربا نسبة إلى المكان، وليخفي نسبه الشريف، ويعتزل الفتنة والنزاع، ثم أوكلت قبائل شمر زعامتها لابنه سالم الذي أسس لمرحلة مهمة في تاريخ قبائلها، فقد وحد جميع قبائل شمر، وسيطر على نجد، وظلت قيادة شمر في ذريته حتى اليوم.

وقد ولد غازي الياور عام 1958، وتخرج مهندسا من جامعة جورج تاون، وأسس في السعودية شركة ناجحة في الاتصالات، وقد غادر العراق مع عائلته عام 1990 بسبب الغزو العراقي للكويت، وعاد إليه عام 2003 ليكون عضوا في مجلس الحكم.

وكان الياور قد انتقد الاحتلال الأميركي للعراق مرات عدة، وطالب بإخلاء القصر الجمهوري في بغداد باعتباره رمزا لسيادة العراق، وطالب الرئيس الأميركي بوش في اتصال هاتفي جرى بينهما بمنح الشعب العراقي حقه في التمتع بالسيادة الكاملة على أرضه.

فهو وإن كان عضوا في مجلس الحكم الانتقالي الذي ترعاه الولايات المتحدة، فإنه قدم حالة معتدلة ومقبولة لدى العراقيين جميعا، وكان على سبيل المثال في أزمة الفلوجة يحظى بقبول ومصداقية في المفاوضات التي جرت بين القوات الأميركية والمقاومة.

قبيلة شمر: التاريخ والجغرافيا
استوطنت قبائل شمر شمال الجزيرة العربية، وهي من قبائل اليمن، وتنتسب إلى الملك قصي بن شمر أحد ملوك اليمن التبابعة، فهم من القبائل القحطانية، ويعود معظمهم إلى قبيلة طيء المشهورة، والتي كانت تقيم في جبلي أجا وسلمى في نجد، ثم اشتهروا باسم شمر، وصار الجبلان يعرفان بجبلي شمر، وهم آخر من خرج من اليمن من قبائل العرب في حوالي القرن الحادي عشر الميلادي، ثم سميت معظم القبائل القحطانية بشمر بعد انتصارها على القبائل وتوحيدها وتجميعها تحت قيادتها.

وقد بدأت هجرة قبائل شمر إلى العراق في القرن السادس عشر الميلادي، ولكن قيادتها المركزية هاجرت من نجد إلى العراق عام 1791 عندما رحل الشيخ مطلق بن مقرن الجربا بعد هزيمة شمر أمام قبائل عنزة الوهابية، وأسس الشيخ مطلق في العراق بدعم من الدولة العثمانية وبالتعاون مع والي عكا القائد أحمد باشا الجزار إمارة قبلية رعوية وزراعية مستقرة تحمي طرق الحج والقوافل التجارية وتشارك في الحملات العسكرية.

وكانت إمارة قبائل شمر شبة دولة ذات حكم ذاتي ترسل مندوبين إلى الدولة العثمانية في إسطمبول، وتتعامل معها الدول الأخرى، وازدهرت هذه القبائل في القرن التاسع عشر، وتواصلت هجرتها واستيطانها للمناطق الزراعية والرعوية على ضفاف دجلة والفرات، وسيطرت على المناطق والقبائل في المنطقة.


استوطنت قبائل شمر شمال الجزيرة العربية، وهي من قبائل اليمن، وتنتسب إلى الملك قصي بن شمر أحد ملوك اليمن التبابعة، ويعود معظمهم إلى قبيلة طيء المشهورة
وكان لشمر في القرن التاسع عشر دور كبير في محاربة خصوم الدولة العثمانية من القبائل ومن العجم الإيرانيين، حتى إن الشيخ صفوق بن فارس بن مطلق الجربا لقب بسلطان البر، وملك الصحراء، وقد كافأته الدولة العثمانية بعد سلسلة انتصاراته على الإيرانيين بالاعتراف به رسميا شيخا لمشايخ قبائل شمر، وأنعمت عليه بلقب وزير، وإدارة الأقاليم الممتدة على ساحل الفرات وجباية الضرائب منها لصالح قبيلة شمر.

ولكن الشيخ صفوق دخل في نزاع مع الدولة العثمانية بسبب تطلعاته الاستقلالية ومساعيه للاستقلال بالعراق عن الدولة العثمانية، فقتل في مؤامرة غادرة لم تخطر على تفكيره البدوي، فقد دعي إلى وليمة، وكان في انتظاره هناك كمين من الجنود الأتراك بقيادة ضابط أرمني متمرس فقتلوه على الفور عام 1847.

وخلفه ابنه فرحان الذي كان ذا تطلعات مدنية ويسعى في مصالحة ومداراة الدولة العثمانية، ولكن أخاه عبد الكريم رفض هذا الأسلوب، ودخل في سلسلة معارك جريئة مع الدولة العثمانية انتهت باستدراجه بالطريقة نفسها التي استدرج بها أبوه الشيخ صفوق، فقد دعاه الشيخ ناصر السعدون إلى بيته، وهناك كان ينتطره جنود أتراك ألقوا القبض عليه وأعدموه عام 1871.

وبدأت قبائل شمر تضعف وينحسر تأثيرها منذ منتصف القرن التاسع عشر بفعل سلسلة من المعارك والاغتيالات القاسية التي بدأت تنفذها الدولة العثمانية في سبيل إقامة إدارة مركزية مباشرة في العراق والشام بدلا من أسلوب الحكم الذاتي الذي كان متبعا من قبل.

ولكن القبيلة استعادت مرة أخرى تأثيرها ونفوذها مع قيام الدولة العراقية الحديثة، وبخاصة عندما بادر الشيخ عجيل الياور بن عبد العزيز بن فرحان الجربا إلى توحيد قبائل شمر وإعادة تنظيمها مرة أخرى.

كان عجيل الياور (جد غازي الياور) من أعظم رؤساء البادية العراقية في الملك والثراء، ومطلعا على القضايا العامة، وعلى اتصال مع الملك فيصل الأول ملك العراق، وقد دعي إلى حفل تتويج الملك جورج السادس في لندن عام 1935 مع الملوك والرؤساء من جميع أنحاء العالم، وزار في رحلته إلى بريطانيا كثيرا من مدن أوروبا، وجلب من أوروبا التراكتورات والمعدات الزراعية الحديثة إلى العراق، وقد توفي عام 1941.

الأرستقراطية بديلا للمجتمع المدني والطبقة الوسطى
وجد العراق نفسه فجأة بلا دولة ولا حكومة، وكان يفتقد أيضا مؤسسات المجتمع الأهلي من جمعيات وأحزاب وتنظيمات ومؤسسات غير حكومية، وحدث فراغ كبير مفزع، وربما لو كان في العراق جمعيات وروابط ومؤسسات غير حكومية لأمكن تلافي جزء كبير من الكوارث التي وقعت بعد الاحتلال وانهيار الحكومة والجيش وسائر مؤسسات الدولة.

وكانت العشائر العراقية المؤسسة الوحيدة المتبقية من المجتمعات الأهلية وخط الدفاع الذي لجأ إليه العراقيون لتنظيم وحماية أنفسهم، وقدمت بدائل لتوفير الأمن والنظام والتماسك الداخلي والاجتماعي والسياسي.

وقد أثبتت العشيرة العربية أنها أكثر المؤسسات الأهلية العربية قدرة على المبادرة والتكيف والاستجابة للمتغيرات والاحتياجات السياسية والاجتماعية، وظهرت كتنظيمات قوية وحداثوية تتفوق على الأحزاب، ويمكن ملاحظة ذلك في الأردن والكويت في مواقف وشواهد كثيرة مثل الانتخابات البلدية والنيابية إضافة بالطبع إلى المناسبات الاجتماعية والمشكلات والنزاعات.


ربما لا تكون الأرستقراطية العربية هي الحل الأفضل والمثالي، ولكنها حتى تقوم طبقة وسطى ومجتمعات مدنية حقيقية ربما تكون أفضل من يحقق الحداثة والانسجام مع العولمة القائمة
ولم تكن العشائر جامدة كما يبدى الانطباع الأولي إلا في المواقف التي حدث فيها تجاهل لها وإهمال متراكم جعلها تتوقف في مرحلة ماضية ولم تتجاوزها، ففي الترشيح للانتخابات على سبيل المثال قدمت العشائر من أبنائها المتعلمين والسياسيين الذين يمكن أن يجتذبوا أصواتا أخرى من غير قواعدهم الأساسية، فقد رشحت إسلاميين ويساريين برغم الطابع التقليدي السائد، وكان معظم مرشحيها من حملة أعلى الشهادات وذوي الخبرات المهنية والسياسية الطويلة.

ولم يعد ثمة زعامة تقليدية تحتكر القرار والترشيح، وقد فشل في دوائر تبدو عشائرية بدوية في الأردن وزراء ومسؤولون كبار وقادة محليون ونجح بدلا منهم أطباء وأساتذة جامعيون لم يتولوا من قبل منصبا حكوميا رفيعا، ولا يمتلكون ثروة طائلة، وحتى غير طائلة، ولا يعبرون عن زعامة عشائرية.

والجمود الملاحظ في بعض العادات والتقاليد ليس طابعا ثابتا في العشائر، فلو أخذت الثقافة السائدة بالاعتبار وجرى تطويرها ومشاركة أصحابها في مواجهة المشكلات والقضايا والتفكير فيها لأمكن بناء ثقافة وطنية ومحلية ذات فاعلية وأثر تقدمي ربما يتفوق على الجهود الليبرالية الرسمية، ويمكن ملاحظة ذلك على سبيل المثال في تعليم البنات وعملهن.

فما يلاحظ اليوم من انتشار التعليم الجامعي في الأرياف والبوادي والعمل بعيدا عن الأهل والسفر للتعليم والعمل في أوساط محافظة جدا هو في حقيقته حراك ثقافي طبيعي توصلت إليه المجتمعات المحلية بمشاركة وتفاهم مع المؤسسات الرسمية ولم يكن بفعل جهود تحديثية قسرية أو معزولة وفوقية، وإلا فلماذا لم تنجح محاولات وأفكار تحديثية أخرى؟

إن إعادة بناء المجتمعات وتنظيمها وفق الاحتياجات الأساسية هو مطلب تقتضيه التوجهات العالمية نحو الخصخصة وتقليل دور الحكومات والدول في تقديم الخدمات وتوفير احتياجات الناس، وقد أكدت عليها المؤسسات الدولية مثل البنك الدولي، وربما لا تكون الأرستقراطية العربية هي الحل الأفضل والمثالي، ولكنها حتى تقوم طبقة وسطى ومجتمعات مدنية حقيقية ربما تكون أفضل من يستوعب وينجح هذه التوجهات اليوم، أو بكلمة أخرى هي أفضل من يحقق الحداثة والانسجام مع العولمة القائمة.
ــــــــــــــــــ
كاتب أردني

المصدر : غير معروف