* بقلم/ رفعت العوضي

-خلفية تاريخية
-الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة (غات GATT)
-منظمة التجارة العالمية
-المؤتمرات الوزارية لمنظمة التجارة العالمية
-الدول العربية ومنظمة التجارة العالمية

منظمة التجارة العالمية من أهم المنظمات الاقتصادية الدولية، بل قد تكون أهمها وذلك إذا أخذ في الاعتبار عدد الدول المنضمة إليها والمجالات التي تغطيها وكذلك النتائج التي تترتب عليها حالا ومستقبلا.

وتزداد أهمية دراسة هذه المنظمة عندما نربطها بالعولمة، هذه المنظمة في تلاؤم كامل مع النظام الاقتصادي للعولمة، وهو النظام الرأسمالي الذي يتأسس على الحرية الاقتصادية. ومن صورها حرية التبادل على المستويين الداخلي والخارجي وهذا التلاؤم مسبب بأن هذه المنظمة تستهدف هي أيضا تحرير التبادل الدولي من كل القيود التي تحد منه.

في علاقة هذه المنظمة بالعولمة يظهر بعد آخر، أنها ضمن المؤسسات الدولية التي توظف لتطبيق العولمة، وقد نستطيع القول إنها توظف لإخضاع دول العالم للعولمة.


يتكون الهيكل التنظيمي للأمم المتحدة من الجمعية العامة، مجلس الأمن، المجلس الاقتصادي والاجتماعي، مجلس الوصاية، محكمة العدل الدولية، والأمانة العامة
خلفية تاريخية
- قبل أن تطلق الرصاصة الأخيرة في الحرب العالمية الثانية كان قد تأكد انتصار دول الحلفاء على دول المحور. ولذلك بدأت الدول المنتصرة بقيادة الولايات المتحدة الأميركية تشكل خريطة العالم وفق مصالحها السياسية والاقتصادية والعسكرية وغير ذلك.

في هذا السياق التاريخي ظهرت الأمم المتحدة التي بدأت الاجتماعات التمهيدية لإنشائها في عام 1944، وبدأت العمل في 1945 وأنشئ كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير.

يتكون الهيكل التنظيمي للأمم المتحدة من هيئات رئيسية وأجهزة فرعية ووكالات متخصصة، والهيئات الرئيسية ست هي:
الجمعية العامة، مجلس الأمن، المجلس الاقتصادي والاجتماعي، مجلس الوصاية، محكمة العدل الدولية، والأمانة العامة.

2- المجلس الاقتصادي والاجتماعي باعتباره الهيئة المختصة بالعمل الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة هو الذي بدأت في إطاره أو حوله مجهودات الأمم المتحدة لتنظيم التبادل الدولي أي التجارة بين الدول.

وجاء الاجتماع الأول لهذا المجلس عام 1946م، وفيه أصدر قرار بتشكيل لجنة تحضيرية لإعداد مؤتمر دولي للتجارة، وقد عقدت هذه اللجنة عددا من الاجتماعات كان أهمها اجتماع هافانا في نوفمبر 1947م، وظل منعقدا حتى مارس 1948م، وحضره مندوبو 57 دولة، وفيه أعد ميثاق هافانا لتنظيم التجارة العالمية الذي وقعته 53 دولة وقد نص الميثاق على إنشاء منظمة جديدة باسم: منظمة التجارة الدولية, وشكلت لجنة مؤقتة من جميع الدول الموقعة على الميثاق للتمهيد لعقد اجتماع يتم فيه الاتفاق على التفصيلات الخاصة بمنظمة التجارة الدولية المقترحة.

وعقدت هذه اللجنة اجتماعين في عام 1948 ثم تأجل الاجتماع الثالث إلى أجل غير مسمى ولم ينعقد إلى الآن، وكان السبب الرئيسي لتعثر ميلاد هذه المنظمة ما أعلنته حكومة الولايات المتحدة الأميركية من أنها لن تعرض مشروع الميثاق على الكونغرس الأميركى، وذلك لاعتراض اتحادات المنتجين في الولايات المتحدة الأميركية على سياسة تخفيض التعريفة الجمركية وسياسة التوسع في الاستيراد.

3- في الوقت الذي رفضت فيه الولايات المتحدة منظمة التجارة الدولية التي اقترحها ميثاق هافانا فإنها دعت بعض الدول للتفاوض بشأن تخفيض الرسوم الجمركية وتخفيف القيود الكمية على الواردات، وذلك بهدف توسيع التجارة الدولية، والعجيب في هذا الأمر أنه في الوقت الذي كانت تجرى فيه المفاوضات بشأن منظمة التجارة الدولية فإن الدول التي دعتها الولايات المتحدة اجتمعت في جنيف عام 1947م.

الملاحظ على هذه الاجتماعات أنها جرت بشكل غير طبيعي في بدايتها، لأن التفاوض كان يتم بين كل دولتين على انفراد وحول سلعة معينة، ثم جمعت هذه الاتفاقات وعممت في اتفاق متعدد الأطراف هو الذي أطلق عليه اسم الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة General Agreement on Tariffs and trade وهذه المنظمة هي التي عرفت باسم GATT.


الغات كانت بديلا عن منظمة التجارة الدولية التى كانت تابعة للأمم المتحدة وتطورت إلى منظمة التجارة العالمية التى تبنتها الأمم المتحدة

الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة (غات GATT)
1-نشأتها
فى أكتوبر/تشرين الأول 1947 وقع على اتفاقية الغات مندوبو 23 دولة لتصبح الاتفاقية سارية المفعول إبتداء من يناير/كانون الثاني 1948م، وهكذا وضعت الاتفاقية التى تبنتها الولايات المتحدة موضع التطبيق، وكان وضع هذه الاتفاقية موضع التطبيق بمثابة إعلان بإهالة النسيان على منظمة التجارة الدولية التى اقترحها ميثاق هافانا بالرغم من أن هذا الميثاق قد تم وضعه بناء على إجراءات للمجلس الاقتصادى والاجتماعى باعتباره إحدى الهيئات الست الرئيسية التى تتكون منها الأمم المتحدة.

2- عضويتها
تطورت عضوية الغات تطورا متتابعا ومستمرا، فى 1956م وصل عدد الدول الموقعة على اتفاقية الغات 35 دولة، وارتفع فى 1963م إلى 62 دولة، وفى 1965 أصبحت الدول المنضمة إلى الاتفاقية 65 دولة، وإذا أخذنا فى الاعتبار الدول التي قبلت بارتباطات خاصة مع اتفاقية الغات وعددها 63 دولة فإن هذا يجعل عدد الدول المنضمة إلى الغات أو المرتبطة بها 78 دولة، وفى 1991 وصل عدد الدول الأعضاء 96 دولة، هذا إضافة إلى 31 دولة طلبت الانضمام.

3- أهداف الغات
المجال الذى تعمل فيه الغات هو التجارة الدولية، ولذلك فإن أهدافها توجد فى هذا المجال.
الهدف الرئيسى للغات هو تكوين نظام تجارة دولية حرة. وهذا الهدف يفسر السبب الذى من أجله احتضنت الولايات المتحدة باعتبارها زعيمة الكتلة الرأسمالية هذه الاتفاقية وتابعهتا بالتطوير والدعم المستمرين، وهذا السبب نفسه هو الذى يفسر تزعم الولايات المتحدة لتطوير اتفاقية الغات إلى منظمة التجارة العالمية.

لأجل أن تحقق الغات أهدافها فى تكوين نظام تجارة دولية حرة فإنها تبنت السياسات التجارية التالية:
أ- اتباع مبدأ عدم التمييز فى المعاملة بين دولة وأخرى فى التجارة الدولية من الدول المنظمة للاتفاقية، ويخضع التعامل بين هذه المجموعة من الدول لقاعدة معاملة الدولة الأولى بالرعاية.

ب- العمل على منع القيود الكمية فى التبادل التجاري بين الدول الأعضاء فى الاتفاقية وهذه السياسة يتم تحقيقها إلى أقصى قدر ممكن.

ج- تحل الخلافات حول التجارة الدولية بين الدول الأعضاء عن طريق التشاور.

4- جولات الغات
لا شك أن اتفاقية الغات أنشأت منظمة. هذا من حيث الواقع الفعلي، وكانت هذه المنظمة بديلا عن منظمة أخرى رعتها الأمم المتحدة من خلال المجلس الاقتصادي والاجتماعي.

هل يمكن القول بناء على هذا بأن اتفاقية الغات بالمنظمة التى أوجدتها كانت المنظمة غير الطبيعية فى مقابل أن منظمة التجارة الدولية التي اقترحها ميثاق هافانا والذي أوجده المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة هي المنظمة الطبيعية. لكن هذه المنظمة الطبيعية أهيل عليها النسيان. هذا الأمر يمثل أحد غرائب العلاقات الاقتصادية الدولية.

الغات هذا المولود الخارج على الأمم المتحدة تابعتها بالعناية والرعاية الولايات المتحدة باعتبارها زعيمة العالم الرأسمالي، وتمثلت هذه الرعاية فى عقد جولات عرفت باسم جولات الغات، وقد ترتب على هذه الجولات مولد منظمة التجارة العالمية فى 1994 التى أصبحت مرتبطة بالأمم المتحدة، يعنى ذلك أن الغات التى كانت بديلا عن منظمة التجارة الدولية التى كانت تابعة للأمم المتحدة وتطورت إلى منظمة التجارة العالمية التي تبنتها الأمم المتحدة.

جولات الغات هي:
- جولة جنيف 1947 م
- جولة نيس/فرنسا 1949 م
- جولة جنيف 1955 - 1956 م
- جولة كيندي 1964 - 1967 م
- جولة طوكيو 1973 - 1979 م
- جولة أورغواي 1986 - 1993 م

وقد تقرر فى جولة أورغواي أن تحل منظمة التجارة العالمية محل الغات، ووقع على إنشاء هذه المنظمة مندوبو 117 دولة، وتقرر أن يكون التوقيع على اتفاقية هذه المنظمة فى الدار البيضاء بالمغرب في 15 أبريل/نيسان 1994، وفى هذا التاريخ وقع على الاتفاقية ممثلو 120 دولة، وتتحكم هذه الدول فى 95% من التجارة العالمية.


اتفاقية منظمة التجارة العالمية تستهدف تحرير التجارة فى كل هذه الأنشطة الخدمية، وقد التزمت الدول الموقعة على الاتفاقية وذلك فى 1994 بمراكش أن يتحقق التحرير الكامل للخدمات المذكورة
منظمة التجارة العالمية
مثلت جولة أورغواي أهم جولات الغات لأنها الجولة التى أنشئت فيها منظمة التجارة العالمية World Trade Organization ولقد أصبح مسلما به أن هذه المنظمة سوف تحدد مستقبل التجارة الدولية، وكنتيجة لذلك فإنها سوف تحدد مستقبل اقتصاديات الدول المنضمة إليها بل وغير المنضمة إليها.

ازدادت أهمية هذه المنظمة لأنها أدخلت الخدمات وكذلك أدخلت حقوق الملكية الفكرية. يعني ذلك أن هذه المنظمة تشرف على التبادل بين الدول وتديره من جميع جوانبه وهي:

  • التجارة فى السلع
  • التجارة فى الخدمات
  • حقوق الملكية الفكرية
  • مقاييس الاستثمار المتعلقة بالتجارة Trade Related Investment Measure

ومن المفيد أن نفصل القول فى نوعين من اتفاقيات منظمة التجارة العالمية.
1- اتفاقية تحرير التجارة في الخدمات
من بين اتفاقيات المنظمة اتفاقية تحرير التجارة فى الخدمات. هذه الاتفاقية أخضعت الأنشطة الخدمية لاتفاقية دولية وذلك لأول مرة في تاريخ العلاقات الاقتصادية الدولية والأنشطة الخدمية التي تشملها هذه الاتفاقية (وبالتالي سوف يكون التبادل الدولي فيها يتمتع بالحرية الكاملة) هي الأنشطة التالية:

  • الخدمات المالية المصرفية
  • الخدمات التأمينية
  • خدمات النقل البري والبحري والجوي
  • الخدمات المهنية وتشمل الطبية والهندسية والتعليمية
  • خدمات قطاع التشييد والبناء
  • خدمات قطاع السياحة

اتفاقية منظمة التجارة العالمية تستهدف تحرير التجارة في كل هذه الأنشطة الخدمية، وقد التزمت الدول الموقعة على الاتفاقية وذلك فى 15أبريل/نيسان 1994 بمراكش أن يتحقق التحرير الكامل للخدمات المذكورة.

2- اتفاقية حقوق الملكية الفكرية
من المجالات التى أدخلتها الاتفاقية المنشئة لمنظمة التجارة العالمية ما يتعلق بحقوق الملكية الفكرية. لقد عرض موضوع حقوق الملكية الفكرية فى جولة أورغواي، والدول المتقدمة هي التي عرضت هذه الاتفاقية، وهي التي صاغت كل بنودها، وهي التي فرضتها على منظمة التجارة العالمية.

من المفيد أن نبين الوعاء التاريخي لاتفاقية حقوق الملكية الفكرية لسنوات طويلة كانت الدول المتقدمة تتهم الدول النامية بأنها لا تساهم في تمويل البحوث العلمية وبالتالي تستفيد الدول النامية من الاختراعات والابتكارات دون أن تتحمل تكلفة مقابل ذلك.

خططت الدول المتقدمة لجعل اتفاقية حقوق الملكية الفكرية الوسيلة التي تجبر بها الدول النامية لدفع تكلفة الاختراعات التي تتم بصفة رئيسية في البلاد المتقدمة، والتي تطبق وبصفة رئيسية أيضا في البلاد المتقدمة. هذا هو الوعاء التاريخي الذي أدخلت فيه الدول المتقدمة حقوق الملكية الفكرية في التنظيمات والاتفاقات المتعلقة بمنظمة التجارة العالمية.

اتسعت اتفاقية حقوق الملكية لتشمل مجالات كثيرة منها: الاختراعات وبرامج الحاسب وحقوق التأجير والمؤدين ومعهم منتجو التسجيلات الصوتية وهيئة الإذاعة والعلامات التجارية والمؤشرات الجغرافية.

واستهدفت اتفاقية حقوق الملكية الفكرية حماية حقوق المخترعين والمؤدين، وتمثلت هذه الحماية بصفة رئيسية فى ضرورة أن يعطوا هؤلاء تصريحا بالاستفادة من اختراعهم وكذلك حق هؤلاء جميعا فى الحصول على مقابل مادي لهذه الاختراعات.

في ضوء العلاقات القائمة الآن بين الدول المتقدمة والدول النامية والتى تحترم فيها المساواة ومعها العدالة وكذلك بحكمها استغلال البلاد المتقدمة للبلاد النامية في ضوء كل هذا فإنه يتوقع أن تكون اتفاقية حقوق الملكية الفكرية من الوسائل التي تمكن البلاد المتقدمة من زيادة وتعميق استغلالها للبلاد النامية.


إذا ظلت الأمور سائرة على هذا النحو فإن المنظمة سوف تتعرض لتغييرات جوهرية تعيد صياغة أهدافها ووسائلها والعلاقات التنظيمية بين الدول المشتركة فيها
المؤتمرات الوزارية لمنظمة التجارة العالمية
لقد تم توقيع اتفاقية منظمة التجارة العالمية فى 1994 ودخلت إلى حيز التنفيذ فى العام 1995، وحددت فترة عشر سنوات للتطبيق الكامل لهذه الاتفاقية، أي أنه يفترض أن تطبيقها سيتم بالكامل مع نهاية عام 2004م.

الدول التى وقعت على الاتفاقية أرادت أن تؤمن التطبيق الصحيح والكامل لهذه الاتفاقية، ومن نافلة القول أن نذكر أن الدول المتقدمة هى المستفيدة فى الدرجة الأولى من قيام المنظمة، ولذلك كانت أشد الدول حرصا على التطبيق الكامل لهذه الاتفاقية.

لتحقيق هذا الأمر فإن الاتفاقية نصت على إنشاء مؤتمر وزاري يتكون من ممثلي جميع الدول الأعضاء بالمنظمة، وقد ألزمت الاتفاقية بعقد هذا المؤتمر الوزاري مرة على الأقل كل سنتين وإدخال مصطلح على الأقل أتاح انعقاده قبل مرور سنتين.

كان المؤتمر الوزاري الأول للمنظمة هادئا إلى حد ما، ثم أخذت المؤتمرات الوزارية التالية (تشتعل)، وكان هذا الاشتعال مسببا بصفة رئيسية من النتائج التدميرية التي ألحقتها منظمة التجارة العالمية باقتصاديات كثير من الدول وخاصة الدول النامية. ولقد بلغ من خطورة هذه المؤتمرات ومن حدة الاختلافات بين المجتمعين فيها أن أصبح يستخدم مصطلح جولة وذلك بدلا من مؤتمر وزاري.

ومصطلح جولة يذكرنا أو يعود بنا إلى جولات الغات، وهذا يجعلنا نقول إنه إذا ظلت الأمور سائرة على ما فيه من نتائج سلبية لمنظمة التجارة العالمية على اقتصادات الدول النامية، وهي نتائج شديدة الخطورة، وكذلك إذا ظلت الأمور سائرة على ما هي عليه من حيث معارضة الدول النامية لهذه النتائج وعدم الاستسلام لها. نقول إنه إذا ظلت الأمور سائرة على هذا النحو فإن المنظمة سوف تتعرض لتغييرات جوهرية تعيد صياغة أهدافها ووسائلها والعلاقات التنظيمية بين الدول المشتركة فيها.

أهم المؤتمرات أو الجولات الوزارية لمنظمة التجارة العالمية هي:
1- المؤتمر الوزاري الأول في سنغافورة في ديسمبر 1996م.
هذا المؤتمر استهدف مراجعة درجة التزام الدول الأعضاء بتطبيق الاتفاقية، وكان أهم ما دعا إليه الدول الأعضاء:

- إعطاء الأولوية المطلقة للتنفيذ الجاد لاتفاقيات منظمة التجارة العالمية.
- استمرار المفاوضات بشأن بعض القضايا التى لم يتم الانتهاء منها وخاصة تحرير التجارة الدولية فى الخدمات.
- استمرار عمل لجنة التجارة والبيئة.
- رفض معايير العمل كأداة لعرقلة حركة التجارة الدولية.

2- المؤتمر الوزاري الثاني في جنيف 1998م
أهم الموضوعات التى عمل عليها المؤتمر، وكذلك أوصى بمواصلة التفاوض بشأنها هي الموضوعات الخاصة بالاستثمار والمنافسة والشفافية في المشتريات الحكومية.

3- المؤتمر الوزاري الثالث في سياتل 1999
عقد في مدينة سياتل أواخر نوفمبر 1999 ويعتبر أخطر المؤتمرات التي عقدت، وهو الذي أطلق عليه للمرة الأولى مصطلح جولة.

وأهمية هذا المؤتمر أو هذه الجولة تجيء من الأحداث التي صاحبت هذا المؤتمر. لقد شهدت مدينة سياتل كما شهدت مدن كثيرة في كثير من دول العالم مظاهرات عنيفة ضد منظمة التجارة العالمية، شارك في هذه المظاهرات مواطنون من الدول المتقدمة، والدول النامية، وما نؤكده أن كلا منهم كان يغني على ليلاه. فلم يكن ما حرك المواطنين في البلاد النامية هو نفس الأمر الذى حرك المواطنين في المتقدمة. بسبب هذه الأحداث الدامية فإن هذا المؤتمر فشل في التوصل إلى بيان ختامي كما عجز عن إصدار أي توصيات.

4- المؤتمر الوزاري الرابع في الدوحة نوفمبر 2001
الفشل الذريع الذي مني به مؤتمر سياتل كان السبب في محاولة جميع الدول وخاصة الدول المتقدمة في جعل مؤتمر الدوحة يغسل أو يزيل الآثار السلبية لمؤتمر سياتل ولأجل إنقاذ منظمة التجارة العالمية فقد أعلن عن بدء جولة جديدة من المفاوضات متعددة الأطراف بين الدول الأعضاء في المنظمة وقد شملت هذه المفاوضات موضوعات متعددة.


الدول العربية تصنف جميعها ضمن الدول النامية، وقد عملت الدول المتقدمة على تهميش دور الدول النامية في الأحداث الدولية عربا وغيرهم
الدول العربية ومنظمة التجارة العالمية
الدول العربية ومنظمة التجارة العالمية قضية من قضايا الأمة العربية، وهي قضية تحمل كل خصائص العمل العربي على المستوى الدولي، وسوف نحاول في سطور محدودة أن نعرف بهذه القضايا وبأنها تحمل خصائص العمل العربي على المستوى الدولي.

1- الإعداد لمنظمة التجارة العالمية استغرق حوالي ثلاثين عاما (1963-1993)، بل قد يكون أكثر من ذلك إذا رجعنا قبل عام 1963. يعني ذلك أن الإعداد لهذه المنظمة ولإعلان ميلادها يعتبر أطول فترة إعداد لمنظمة دولية. مع هذه الفترة الزمنية الطويلة التي تزيد عن ثلاثين عاما فإن الدول العربية كانت شبه غائبة عن اللقاءات الدولية والترتيبات الدولية التي كانت تعمل على قيام المنظمة.

لقد استخدمنا مصطلح شبه غائبة، والسبب أن الدول العربية لم تشارك كلها في الترتيبات لقيام هذه المنظمة، وحتى التي شاركت لم تشارك كمجموعة لها خطة محددة تفاوض حولها وتستقطب المؤيدين لها.

لا شك أن هناك أسبابا وليس سببا واحدا وراء هذا الأمر. التنسيق بين الدول العربية وخاصة على المستوى الدولي ضعيف ومضطرب، يعلو ويهبط ويحضر ويغيب. لا شك أن هذا سبب.

العمل العربي على المستوى الدولي له مشاكله. قد تكون إسرائيل في هذه الفترة (1963-1993) كانت نشطة لشل فاعلية الدور العربي على المستوى الدولي، لكن غير العرب لهم مشاكلهم أيضا بل ومع قوى كبرى، لكنهم تفاعلوا على المستوى الدولي. وهذا سبب ثان.

الدول العربية تصنف جميعها ضمن الدول النامية، وقد عملت الدول المتقدمة على تهميش دور الدول النامية في الأحداث الدولية عربا وغيرهم. وكانت الدول العربية كمجموعة أقوى مجموعات الدول النامية المرشحة لإبطال هذا التهميش. وهذه القوة وراءها أسباب كثيرة أحدها البترول، وليس هو السبب الوحيد للقوة.

2- أدركت الدول العربية أهمية منظمة التجارة العالمية، قد يكون متأخرا وغالبية الدول العربية الآن لها ارتباطها بهذه المنظمة، سواء عضوية كاملة أو مراقبين أو شبه مراقبين، وعندما أصبحت بعض الدول العربية فى داخل المنظمة فإن مشكلات الدول العربية معها بدأت في التزايد.

ولأجل تكييف هذه المشكلات تكييفا صحيحا فإننا نقول إن القليل منها له خصوصيته بالنسبة للبلاد العربية، إلا أن غالبية هذه المشكلات تسري على البلاد النامية والبلاد العربية، ومعها الدول النامية مع منظمة التجارة العالمية.

أهم هذه المشكلات أو القضايا:
- العلاقة بين التجارة الدولية ونقل التكنولوجيا.
- العلاقة بين التجارة الدولية والديون والتمويل.
- العلاقة بين التجارة الدولية وقضايا العمل والبيئة.
- تحرير التجارة في الخدمات.
- السلع الزراعية إنتاجا وتجارة.
- كل قضايا حقوق الملكية الفكرية.
- العلاقة بين التجارة الدولية والاستثمار.

هذه عينة من قائمة طويلة لمشكلات تواجهها الدول النامية وضمنها الدول العربية مع منظمة التجارة العالمية. عندما ننظر في هذه العينة فإننا نكتشف أن المجالات الرئيسية التي تعمل عليها المنظمة مطلوب إعادة النظر فيها.

3- لكل الدول مشكلات مع منظمة التجارة العالمية حتى الدول المتقدمة التي صنعت المنظمة. ولقد فرضت الأحداث العالمية التفاوض من جديد حول هذه القضايا.

كشفت المراقبة لقضايا الدول مع منظمة التجارة العالمية أن كل القضايا الخاصة بالدول المتقدمة بدأ التفاوض حولها أو حدد موعد للتفاوض حولها. أما القضايا الخاصة بالدول النامية وضمنها الدول العربية مع المنظمة فإن القليل منها هو الذي بدأ التفاوض حوله أما الكثير فإنه لا يزال في مرحلة الدراسة. وتعبير في مرحلة الدراسة تعبير مملوء بالغموض والضعف، بل قد يكون كناية عن رفض الاعتراف بهذه القضايا.

الجدول التالي يوضح القضايا موضع الخلاف في المنظمة سواء من دول متقدمة أو نامية ومعها المجموعة العربية. والجدول يثبت ما سبق أن ذكرناه عن قضايا الدول المتقدمة وقضايا النامية.


منظمة التجارة العالمية سوف تكون ضمن المنظمات التي تحكم التطور الاقتصادي في العالم، لذلك لا يتصور أن تظل الدول العربية بعيدة عنها والمطلوب هو التخطيط لاستفادة الدول العربية من المنظمة
الموقف من المفاوضات الحالية
أ- قضايا تهم الدول المتقدمة
بدأ التفاوض حولها: تجارة السلع الزراعية. تجارة الخدمات. تجارة السلع غير الزراعية (الرسوم على السلع الصناعية). جوانب حقوق الملكية الفكرية المرتبطة بالتجارة الدولية. الخلافات حول نظام فض المنازعات. العلاقة بين التجارة والبيئة.

سيبدأ التفاوض حولها بعد مؤتمر المكسيك 2003: العلاقة بين التجارة والاستثمار. العلاقة بين التجارة وسياسة المنافسة. الشفافية فى إجراءات المشتريات الحكومية. إجراءات تيسير التجارة.

ب- قضايا تهم الدول النامية ومنها الدول العربية
بدأ التفاوض حولها: القضايا المتعلقة بجدية التنفيذ. قواعد منظمة التجارة العالمية وخاصة ما يتعلق بإجراءات مكافحة الدعم. قواعد منظمة التجارة العالمية وخاصة ما يتعلق بإجراءات مكافحة الإغراق.

مازالت فى مرحلة الدراسة: علاقة التجارة بتسهيلات نقل التكنولوجيا. علاقة التجارة بقضايا الديون والتمويل. الوضع التفضيلي للبلدان ذات الاقتصاد الصغير. قضايا التجارة الإلكترونية. المعاملة الخاصة والمتميزة للدول النامية.

تم إعطاء وعود فقط: المعاملة الخاصة والمتميزة للدول الأقل نموا. قضايا التعاون الفني وبناء القدرات في الدول النامية.

ج- سوف تخسر الدول العربية كلها من تحرير قطاع الخدمات والمتمثل في البنوك والتأمين والنقل والسياحة والاتصالات والاستشارات والتشييد والمحاسبة.

د- تطبيق ما جاء في الاتفاقية عن المشتريات الحكومية بما فيها الجيش والشرطة والحكومة المحلية والحكومة المركزية سوف يؤدي إلى آثار سلبية على الدول العربية.

هـ- تطبيق اتفاقية حقوق الملكية الفكرية له آثاره السلبية على البلاد العربية.

و- الآثار السلبية المذكورة وغيرها من آثار سوف تصب نفسها في زيادة العجز في ميزان المدفوعات للدول العربية، وهذا له آثاره السلبية على أسعار صرف عملاتها.

5- هناك سؤال على درجة كبيرة من الأهمية بل والخطورة، هل يمكن أن ننصح الدول العربية أن تنسحب من منظمة التجارة العالمية بسبب آثارها السلبية؟ الإجابة بالقطع لا، لا ننصح بذلك ولا نقبله.

منظمة التجارة العالمية سوف تكون ضمن المنظمات التي تشكل بل وتحكم التطور الاقتصادي في العالم، لذلك لا يتصور أن تظل الدول العربية بعيدة عنها، ويكون المطلوب هو التخطيط لاستفادة الدول العربية من المنظمة، ولأجل أن تستفيد الدول العربية منها فإنه مطلوب عمل واجبات كثيرة منها:

أ- إصلاح البيت العربى من الداخل، وهذا يتطلب أن يعمل العرب كفريق واحد فى التعامل مع هذه المنظمة.
ب- الدول العربية ضمن مجموعة الدول النامية ومطلوب التنسيق مع هذه الدول.
ج- يجب أن تحدد مطالب الدول العربية مع منظمة التجارة العالمية تحديدا كاملا بناء على دراسات واقعية.
ــــــــــــــــــ
* أكاديمي مصري

المصدر : الجزيرة