مناطق السنة والشيعة في العراق

بقلم/ صالح السيد باقر*

-المرجعية الشيعية.. التقليد والأخماس
-الخوئي.. المنزلة الدينية والميراث العلمي والمالي
-الخوئي.. والمعارضة العراقية
-لماذا اغتيل الخوئي؟

عبد المجيد الخوئي
لا نكشف سراً إذا قلنا إن المرحوم/ عبد المجيد الخوئي حديث عهد على ساحة المعارضة العراقية، فقبل هجرته من العراق إلى بريطانيا في نهاية عام 1993 لم تنشر وسائل إعلام المعارضة العراقية أي خبر عن خطوة أو مشروع قام به ضد النظام العراقي، وقد يكون السبب في ذلك ما تقتضيه طبيعة العمل المعارض في النظام القمعي.

ولا يمكن معرفة ثقل المرحوم في الوسط الشيعي أو بين المعارضة العراقية دون أن نلقي لمحة سريعة على نظام المرجعية لدى الطائفة الشيعية، لما له من علاقة وثيقة بظروف ظهور الرجل واختفائه من الساحة.

المرجعية الشيعية.. التقليد والأخماس


مع اغتيال السيد عبد المجيد الخوئي أصبح الطريق معبداُ أمام الحلبي لتولي زمام الأمور وقيادة العراق بد انتهاء فترة الحاكم العسكري هذا إذا لم يصبح مصيره كمصير الخوئي
يتعين على كل شيعي أن يتبع أحد كبار علماء الدين الذين بلغوا مرحلة الاجتهاد، ولا يستطيع أي عالم أن يبلغ هذه المرحلة إلا بعد دراسة معمقة في علوم الشريعة بما فيها علون القرآن الكريم والأحاديث الشريفة، إذا كان هذا العالم نابغاً فقد يطوي المراحل الدراسية خلال عشرين عاماً، وبذلك يصبح مؤهلا لإصدار الفتاوى، ولا شك أنه لن يتمكن من إصدار الفتاوى من دون أن يكون لديه أتباع، ويسمى الشيعة عملية الاتباع هذه بالتقليد.

وكلما كان عالم الدين أكثر نبوغاً وورعاً ونزاهة فإن أتباعه أو مقلديه يزدادون، وعندما يتوفى تنتقل المرجعية إلى أنبغ تلامذته.

ولم يشذ السيد أبو القاسم الخوئي والد عبد المجيد عن هذه القاعدة فبعد وفاة المرجع الكبير أبو الحسن الأصفهاني في الثلاثينات تربع الخوئي على عرض المرجعية وبقي ملازماً لها حتى وفاته عام 1993.

وكما هو واضح فإن باب الاجتهاد مفتوح عند الشيعة، فليس باستطاعة أي مرجع أن يحتكر المرجعية لنفسه ولا يسمح للآخرين بالظهور وإعلان مرجعيتهم، لذلك ومع ظهور مرجعية الإمام الخميني في السبعينات وتكلل نهضته ضد الحكم الملكي في إيران بالنجاح، تبلور مفهوم جديد يرتكز على جذور قديمة، في الوسط الشيعي إزاء المرجعية، يتمثل بضرورة أن يتولى المرجع الديني قيادة مقلديه سياسياً بالإضافة إلى تبيينه للأحكام الشرعية.. بمعنى آخر أن لا تنحصر فتاوى المرجع في القضايا الأخلاقية والبيع والشراء والطهارة والخمس والزكاة والزواج والطلاق والصلاة والصوم والحج، وإنمام تشمل أيضاً الموقف من الحكومات وأعوانها وقضايا الحرب والسلم والضرائب وغير ذلك من شؤون الدولة العصرية.

لذلك كان الانقسام في تقييم الشيعة لمراجعهم واضحاً فمنهم من كان يقلد المرجع الذي يتدخل في الشؤون السياسية ومنهم من كان يتبع المرجع المحافظ إذا صح التعبير وكان دعاة تسييس المرجعية يتهمون الخوئي بأنه لا يتدخل في السياسة.

هذا جانب من عملية التقليد أما الجانب الآخر منها فهو أ،ه يتعين على كل شيعي أن يدفع كل عام خمس ما يضاف على ثروته خلال العام للمرجع، ويقوم المرجع بدوره بصرفها على الفقراء وتمويل مشاريعه الثقافية والدينية والخيرية، لذلك لما زاد أتباع المرجع زادت الأموال التي يحصل عليها عبر وكلائه الذين ينتشرون في كافة دول العالم.

الخوئي.. المنزلة الدينية والميراث العلمي والمالي


غير خاف على أحد أنه كانت للمرحوم علاقات وثيقة بالبريطانيين ولعل الهدف من دخوله السريع إلى العراق والنجف بالتحديد كان كسب ولاء الشارع العراقي وخاصة الديني المتمثل في الحوزة العلمية في النجف للعب دور بارز في مستقبل العراق
بهذه اللمحة السريعة يتبلور للقاري الكريم ما الذي ورثه المرحوم عبد المجيد الخوئي من والده فهو ورث شهرته التي امتدت لأكثر من ستين عام وكذلك ورث قانونيا لاشرعيا الأموال التي تركها والده.

ولكن الشهرة والأموال وحدها لا تكفي لكي ينقاد الشيعة له ويقلدوه فكما أسلفنا يتعين على المرجع أن يبلغ مرحلة الاجتهاد لكي يتم تقليده.. لذلك انتقلت مرجعية والده إلى تلميذه المرجع الحالي آية الله السيد على السيستاني.

هذا ما يتعلق بالشهرة أما ما يتعلق بالأموال من الناحية القانونية فإن عبد المجيد الخوئي يرث أموال أبيه.. ولكن من الناحية الشرعية فإن الأموال التي أعطيت لوالده لم تكن ليتملكها وإنما لينفقها على مصالح الشيعة وبما أن عبد المجيد لم يبلغ مرحلة الاجتهاد فلا يحق له التصرف فيها.. ولهذا وقع خلاف بينه وبين السيستاني بشأن الأموال، ولم يحل هذا الخلاف حتى اغتياله.

وكان لدى المقربين من السيستاني موقف سيء من عبد المجيد.. فقبل يوم واحد من اغتياله صرح أحدهم لموقع باز تاب الإيراني أن الخوئي يزرع الشقاق بين علماء الشيعة ويتصرف وكأنه موظف في إدارة بريطانية.. ويمنع انتفاضة الشعب ضد القوات الأميركية.

ولم يرسم تصرف الخوئي بالأموال وحده علامة استفهام كبيرة لدى الشيعة وإنما أضيف إليه هجرته إلى لندن وإقامته علاقات وثيقة مع المسؤولين البريطانيين.. ومن هنا يمكن القول إن الرجل لم يكن يتمتع بثقل كبير وسط عموم الشيعة.

الخوئي.. والمعارضة العراقية

أما موقف المعارضة العراقية من الخوئي، فمن البديهي أنه لاخيار أمام هذه المعارضة غير الترحيب بالرجل في انضمامة إلى صفوفها وقد كان لكل تيار معارض موقف إزاءه.


  • مع ظهور مرجعية الإمام الخميني في السبعينات وتكلل نهضته ضد الحكم الملكي في إيران بالنجاح، تبلور مفهوم جديد يرتكز على جذور قديمة، في الوسط الشيعي إزاء المرجعية، يتمثل بضرورة أن يتولى المرجع الديني قيادة مقلديه سياسياً بالإضافة إلى تبيينه للأحكام الشرعية
    فيما يتعلق بأحزاب المعارضة الشيعية فإن أغلبها تأسس في رحم نظرية المرجعية السياسية التي كان لديها موقف سلبي من المرجعية المحافظة التي لا تحبذ اشتغال علماء الشيعة ومراجعهم بالسياسة، إذ كان والد المرحوم أحد رموزها لذلك فمن الطبيعي أن لا يكون هناك انسجام كامل بينها وبين عبد المجيد الخوئي.
  • أما التيار القومي والوطني في المعارضة العراقية فمما لا شك فيه أن هذا التيار يعارض توجه الرجل الديني في تحركه السياسي، لأن هذا التيار يدعو إلى فصل الدين عن السياسة.

كل هذا لا يعني أن ساحة المعارضة تتسع لأشخاص أو تيارات معينة ولا يسمح لغيرهم دخولها وانما مفتوحة للجميع، ولهذا فقد أسس الخوئي في مطلع العام الحالي المجلس الشيعي لينطلق من خلاله في معارضة حكومة صدام حسين، وبفضل نشاطه في مؤتمر المعارضة العراقية الذي عقد في لندن تم انتخابه في اللجنة التي انبعثت عن المؤتمر وضمت 65 عضواً.

ومع أنه لم يشارك في مؤتمر أربيل ألا أن شخصيته ونشاطه الدؤوب فرضا على المؤتمر ترشيحه للجنة تعيين الإدارة المدنية للمدن العراقية.

لماذا اغتيل الخوئي؟

تثار العديد من التساؤلات بشأن عميلة اغتيال الخوئي وتتعرض الرواية التي تتهم اتباع المرجع الديني الراحل محمد صادق الصدر بأنهم وراء تنفيذ عملية الاغتيال لعملية تشكيك في متنها، إذ يبدو أن الراوي لم يتمكن من حبك الرواية بشكل صحيح وترك بعض الثغرات فيها ومن أبرز هذه الثغرات:

  • أن الذين قاموا بعملية الاغتيال قصدوا حيدر الكليدار وليس الخوئي.
  • أما الثغرة الثانية فهي أن مرافق الخوئي هو الذي بادر المنفذين بإطلاق النار، فردوا عليه وعلى الخوئي بوابل من الرصاص.

ولو تخطت أذهاننا إطار الرواية والتي ليس من المستبعد أن يكون أحد أهدافها إيجاد التناحر بين التيارات الشيعية وإبعاد الشبهة والشكوك عن المنفذين الحقيقيين لعملية الاغتيال والذين أوعزوا لهم بذلك، لأمكن توجيه أصابع الاتهام إلى المتنافسين الأساسيين على الحكم القادم في العراق.

فغير خاف على أحد أنه كانت للرجل علاقات وثيقة بالبريطانيين.. ولعل الهدف من دخوله السريع إلى العراق والنجف بالتحديد كان كسب ولاء الشارع العراقي وخاصة الديني المتمثل في الحوزة العلمية في النجف للعب دور بارز في مستقبل العراق، ولو كان الرجل قد بقي على قيد الحياة ونجح فيما يصبوا إليه لكان ذلك يعني تهميش الدكتور أحمد الجلبي الذي يراهن عليه الأميركيون.

ومع اغتيال السيد عبد المجيد الخوئي أصبح الطريق معبداُ أمام الجلبي لتولي زمام الأمور وقيادة العراق بد انتهاء فترة الحاكم العسكري هذا إذا لم يصبح مصيره كمصير الخوئي.

_______________
*خبير في الشؤون الإيرانية والعراقية

المصدر : غير معروف