بقلم/ عبد النور بن عنتر

-تأثير توسيع الاتحاد.. انتقام أوروبا من التاريخ؟
-النفوذ الأميركي في أوروبا الموسعة
-أوروبا وتركيا.. تجاذب الديني والثقافي والسياسي والأمني
-التوسع مستقبلا.. كوبنهاغن ترسم ملامح الاتحاد الجغرافية
-حدود أوروبا.. إلى أين؟

يعد توسيع الاتحاد الأوروبي شرقا بموجب قرارات قمة كوبنهاغن (12-13 ديسمبر/ كانون الأول 2002) حدثا تاريخيا في مسار البناء الأوروبي، لكن ما مغزى هذا التوسيع؟ وما أهدافه؟ وهل اكتمل البناء الأوروبي أم أن حدود أوروبا لا زالت غامضة؟ وما انعكاساته أوروبيا وعالميا؟ وهل يشكل الاتحاد "ناديا مسيحيا" أم أن المقاربة السياسية-الأمنية هي التي تحدد اتجاهات توسيعه في الراهن والمستقبل؟.

تأثير توسيع الاتحاد.. انتقام أوروبا من التاريخ؟


سقوط جدار برلين ثم انضمام بعض الدول الشرقية إلى الحلف الأطلسي أنهى تماما تقسيم القارة، لكن العملية كانت هندسة أميركية أساسا وتندرج في إطار إستراتيجية واشنطن الشاملة، أما هذا التوسيع فهو عملية أوروبية حصرا وعليه فهي إزالة آخر مخلفات يالطا والحرب الباردة على الطريقة الأوروبية
يعتبر هذا التوسيع الخامس (بعد 1973 و1981 و1986 و1995) الأكبر والأهم في تاريخ أوروبا ويعد انتقاما أوروبيا من التاريخ، وبالخصوص من الحرب الباردة التي أسدلت بستارها الحديدي مقسمة القارة إلى معسكرين متعاديين، إنه انتقام من نظام يالطا.

طبعاً سقوط جدار برلين ثم انضمام بعض الدول الشرقية إلى الحلف الأطلسي أنهى تماما تقسيم القارة، لكن العملية كانت هندسة أميركية أساسا وتندرج في إطار إستراتيجية واشنطن الشاملة. أما هذا التوسيع فهو عملية أوروبية حصرا وعليه فهي إزالة آخر مخلفات يالطا والحرب الباردة على الطريقة الأوروبية، الاندماج السياسي والاقتصادي. ويبدو الاعتزاز الأوروبي بهذا الإنجاز التاريخي واضحا، فها هي جريدة "لاترييون" الفرنسية الاقتصادية المتخصصة تعنون عمودها المخصص لهذا الحدث التاريخي بـ"السقوط الحقيقي لجدار برلين".

انضمام الأعضاء العشرة الجدد (بولندا والتشيك والمجر وسلوفاكيا وسلوفينيا وليتوانيا ولاتفيا وإستونيا وقبرص ومالطا) كلف الاتحاد 40.7 مليار يورو للفترة بين العامين 2004 و2006. رغم عددهم فإن هؤلاء الأعضاء لا يضيفون إلا نسبة قليلة جداً لثراء الاتحاد، أي ما يعادل 5% من الناتج الداخلي الخام للاتحاد بأعضائه الـ15. وسيتسبب انضمامهم في انخفاض في الناتج الداخلي الخام للفرد (الأوروبي) بنسبة 16%. لكن الاتحاد سيزيد حجم ترابه بقدر الربع ويربح 75 مليون نسمة تضاف إلى سكانه البالغ عددهم 378 مليون نسمة. وبالتالي فمع تعداد سكاني يقدر بـ453 مليون نسمة سيصبح الاتحاد الأوروبي (المكون من 25 دولة) الكتلة السكانية الثالثة في العالم بعد الصين والهند. فبفضل هذا التوسع سيرتفع عدد سكانه بنسبة 20%، وعدد أعضائه بنسبة 66% وعدد لغاته الرسمية بنسبة 80% (لتصل إلى 23 لغة). رغم أهمية الكلفة المالية للانضمام فإن الأمر لن تكون له انعكاسات جذرية على مستوى المبادلات الاقتصادية، ذلك أن مبادلات أوروبا الوسطى مثلاً تتم جلها مع الاتحاد، وهي بالتالي مندمجة فيه، كما أن أول فائض تجاري للاتحاد يحققه مع أوروبا الوسطى. وعليه فمن غير الوارد أن يؤثر هذا التوسيع كثيرا على نسبة التجارة البينية الأوربية التي تفوق 60% من مجمل التجارة الخارجية للاتحاد.

لكن العقبات الاقتصادية تكمن أساساَ في إلحاق اقتصاديات الأعضاء الجدد باقتصاديات الأعضاء الحاليين من حيث الأداء. فالأولى ليست بعد في المستوى المطلوب، ويجب انتظار عقدين أو أكثر حتى يرقى مستواها الاقتصادي إلى مصاف الأعضاء الحاليين. كما أن معظم الأعضاء الجدد ليس بوسعهم الانضمام إلى منطقة اليورو في العام 2007.

شعار عملة الاتحاد اليورو

بصفة عامة فإن التوسيع عملية رابحة للاتحاد الأوروبي، فهو يزيد وزنه ثقلا وصوته أهمية في المنظمات الدولية لاسيما الاقتصادية كونه أصبح القوة الاقتصادية الأولى في العالم، فهو يقوي من الموقف التفاوضي الأوروبي في المفاوضات التجارية العالمية، ويزيد من القوة النارية الاقتصادية للاتحاد في حال نشوب حروب اقتصادية. وبما أن المال والقوة الاقتصادية هما شريان الحرب والسلام فإن الوزن السياسي للاتحاد سيدعم بهذا التوسع، خاصة بعد أن يندمج فيه الأعضاء الجدد تماما.

لكن قد يكون لهذا التوسع انعكاسات سلبية على بعض الدول المجاورة والشريكة للاتحاد مثل الدول العربية، فالتوسع شرقا سيزيد من شح الأموال الأوروبية وبالتالي يقود إلى خفض المساعدات الممنوحة للدول المتوسطية، كما أن تأهيل أوروبا الشرقية قد يركز الاستثمارات الأوروبية شرقا على حساب الجنوب المتوسطي. بعض الدول العربية المصدرة للمنتجات الزراعية نحو أوروبا قد تواجه صعوبات في منافسة منتجات الأعضاء الجدد مثل بولندا، خاصة أن الاتحاد الأوروبي يمارس الحمائية الزراعية. وقد تفقد هذه الدول ما تبقى لها من مزايا في السوق الأوروبية، كما ستكون أكثر عرضة للضغوطات الاقتصادية الأوروبية (كما حدث في الماضي مع المغرب– حروب الطماطم، أو موريتانيا– الحظر الذي فرض على أسماكها).

في الأخير تجدر الإشارة إلى أن معاهدة الانضمام ستوقع في 16 أبريل/ نيسان 2003 في أثينا، ثم يصادق، عليها (قبل يناير/ كانون الثاني 2004) البرلمان الأوروبي والبرلمانات الوطنية للدول الأعضاء في الاتحاد (الـ15) والدول الـ10. في حال رفض برلمان عضو جديد المصادقة على المعاهدة فإن عملية التوسيع ستتواصل من دونه، أما إذا رفض برلمان عضو حالي فإن العملية ستتوقف. وإجراءات المصادقة تتم في بعض الحالات عبر الاستفتاء مما قد يقود إلى نتائج غير متوقعة. إن سارت الأمور كما هو مبرمج لها تلتحق الدول الـ10 رسميا بالاتحاد الأوروبي في 1 مايو/ أيار 2004.

لكن كيف يرى الاتحاد الأوروبي تأثير التوسيع عالميا، أو كيف يتصور الدور الأوربي بعد التوسيع؟ ملامح الدور الأوروبي وتوجهات الاتحاد عالميا رصدتها المفوضية الأوروبية في تقرير أصدرته حول المستقبل المؤسساتي للاتحاد الأوروبي بعنوان "من أجل الاتحاد الأوروبي: سلام، حرية، تضامن" في 4 ديسمبر/ كانون الأول 2002. تعتبر المفوضية أن "البناء المؤسس على التصالح التاريخي بين الأمم والشعوب الأوروبية، دعم السلام والأمن غرب أوروبا. وهو يصدر من الآن هذا الاستقرار. التوسيع يشكل بالتأكيد العمل السياسي.. الأكثر حسما بالنسبة لأمن القارة. أما الجوار المباشر للاتحاد في الجنوب والشرق فيمثل عمليا الفضاء المفضل لسياسة خارجية مشتركة. وللاتحاد الأوروبي دور خاص يلعبه حيال العولمة.

بعد التوسيع سيكون الاتحاد القوة الاقتصادية الأولى في العالم، قدرته على التأثير على الحاكمية الاقتصادية العالمية ستدعم، مما يحتم عليه الأخذ بعين الاعتبار أكثر من أي وقت مضى "بمصالح بقية العالم في خيارات سياسته الاقتصادية.. أوروبا فاعل دولي نافذ يمكنها أن تسهم في الحاكمية واستقرار النظام الدولي". وعلى الاتحاد أيضا أن يبذل المزيد من أجل التنمية المستديمة ومكافحة بعض المخاطر الجديدة المهددة للتوازنات الاقتصادية والاجتماعية في العالم. وعليه أن "يدافع على إستراتيجية تنمية مستديمة مبنية على تنظيم متعدد الأطراف ومتعدد الأقطاب للاقتصاد العالمي يتعارض وكل مقاربة هيمنية أو أحادية". ولإعطاء البعد الدولي للاتحاد انسجاما ومصداقية توصي المفوضية بدمج وظيفتي الممثل الأعلى للسياسة الخارجية والمفوض المكلف بالعلاقات الخارجية.

النفوذ الأميركي في أوروبا الموسعة

توسيع الاتحاد إلى 10 أعضاء جدد يزيد من تعقيد عمل المؤسسات الأوروبية، ودون إصلاح جذري لها فإن عملها سيشل لاسيما في مجال اتخاذ القرارات الاتحادية، ورغم أن اتفاقية نيس الأوروبية قد وضعت أول لبنات الإصلاح بتعديل قاعدة التصويت وتبني التصويت بالأغلبية المؤهلة بدل الإجماع لكن دون أن تعممه، وينتظر أن تبت الهيئة الأوروبية المكلفة تحضير دستور للاتحاد الأوروبي في مسألة التصويت، واستباقا لتوصياتها التي ستعرض على الدول الأعضاء في يونيو/ حزيران 2003، بادرت المفوضية الأوروبية إلى تقديم مجموعة من الوصايا حول إصلاح مؤسسات الاتحاد، في تقريرها المذكور أعلاه توصي المفوضية بتبني قاعدة الأغلبية المؤهلة في التصويت وبتعميمها. وترى أنه في اتحاد من 25 عضوا أو أكثر فإن اعتراض من عضو واحد على عمل الاتحاد قد يقود بسرعة إلى شلله. ولذا توصي بـ"التخلي عن الإجماع" حتى في "القضايا الجبائية والاجتماعية" مقترحة اللجوء في "بعض الحالات الحساسة لأغلبيات مدعمة، مما يسمح بتسهيل التخلي عن الإجماع". كما توصي بالسماح لدول منطقة اليورو بأن تقرر بينها في قضايا تخص عملتها، خاصة وأنه في العام 2004 سيكون عدد الدول خارج منطقة اليورو أكبر من عدد الدول المنخرطة فيها.

وترى المفوضية "أن التصويت بالأغلبية المؤهلة يجب أن يستجيب لمستلزمات البساطة والشرعية الديمقراطية". وتوصي "بإعادة النظر في نظام القرارات المعقد المنبثق عن معاهدة نيس والاستبدال به أغلبية مزدوجة بسيطة". وترى أن القرارات "تكون مقررة إن هي حصلت على أغلبية الدول الأعضاء الممثلة لأغلبية سكان الاتحاد"، وتوصي بتعميم هذه القاعدة. لكنها تقول إنه يمكن أن يقرر المجلس الأوروبي في بعض الحالات الخاصة بأغلبية أعلى من الأغلبية المؤهلة، أي بـ"الأغلبية المدعمة"، بمعنى أن القرار يجب أن يحظى في هذه الحالات الخاصة "بتصويت إيجابي لثلاثة أرباع الحكومات الممثلة لثلثي مجمل سكان الاتحاد".

عموماً الحديث عن القرار السياسي الأوروبي لا يكتمل دون التطرق إلى العلاقة مع أميركا ودورها في السياسية الأوروبية. طبعا تساند أميركا البناء الأوروبي لكنها غير مرتاحة لاستقلال القرار السياسي الأوروبي وتلعب بطريقة أو بأخرى دورا في السياسة الأوروبية عبر الحلف الأطلسي أو بواسطة بريطانيا التي تقوم بدور بالنيابة في أوروبا حيث تعرقل المبادرات الأوروبية لبناء هوية أوروبية للدفاع مستقلة عن الحلف. لكن لأميركا حلفاء غير بريطانيا مثل إيطاليا وإسبانيا. وليس من الصدف أن الدول التي دافعت عن انضمام تركيا في كوبنهاغن هي بريطانيا وإيطاليا وإسبانيا، في محاولة لتمرير الضغوط الأميركية على أنها مطلب أوروبي. ومن المنتظر أن يقوى النفوذ الأميركي داخل الاتحاد مع هذا التوسيع، ذلك أن بعض الأعضاء الجدد مثل التشيك والمجر معروفة بولائها للأطلسي وبتأكيدها على الرابطة الأوروبية-الأطلسية في نفس مقام أوروبا إن لم نقل أكثر. (انضمت المجر للحلف في العام 1999 وتقيم علاقات وطيدة مع واشنطن. ويبدو أن قاعدتها الجوية تاسزار -التي يوجد فيها أفراد من القوات الأميركية- قد تتحول إلى مركز لتدريب معارضين عراقيين بطلب من واشنطن). ستحاول أميركا الاستفادة من هذا التوسيع للضغط أكثر على دول الاتحاد فرادى وتصفية حساباتها مع ألمانيا شرودر التي تسعى لتهميشها بسبب موقفها إزاء الملف العراقي.

وستسعى للاستفادة من توسيع الاتحاد لخدمة مصالحها. فقد ضغطت على الأوروبيين في كوبنهاغن لقبول تركيا، لأن هذا يعزز دور تركيا في الائتلاف المناهض للإرهاب ويستغل ورقة لإقناع أنقرة بالانضمام إلى المعسكر المناوئ للعراق. كما أن انضمامها للاتحاد يعني تخفيض المساعدات الأميركية لأنقرة. وقد أثار الضغط الأميركي هذا استياء الأوروبيين كما أشرنا. من وجهة النظر الأميركية غير المعلنة فإنه كلما توسع الاتحاد الأوروبي جغرافيا تميع وعيه السياسي واستعصت وحدته السياسية. تتوافق هذه النظرة في بعض الجوانب مع التصور البريطاني الذي يرى في الاتحاد كيانا اقتصاديا دون مصالح سياسية مشتركة. بعض الأعضاء الجدد يشاركونها هذه النظرة لأنهم يحبذون بقاء القضايا الأمنية تحت راية "الرابطة الأورو-أطلسية" بقيادة أميركا.

أوروبا وتركيا.. تجاذب الديني والثقافي والسياسي والأمني

تقول وثيقة كوبنهاغن (نعني بها اللائحة الختامية التي أصدرتها الرئاسة الدانماركية للاتحاد) إن الاتحاد يعرب عن تقديره للتقدم الذي أحرزته تركيا في الإيفاء بمعايير كوبنهاغن (مؤسسات مستقرة تضمن الديمقراطية، سيادة القانون، حقوق الإنسان، احترام الأقليات وحمايتها) وإنه يشجعها على ردم النقائص الباقية في ما يتعلق بالمعايير السياسية وعلى مواصلة الإصلاحات. وتقول إنه إذا قرر المجلس الأوروبي، في ديسمبر/ كانون الأول 2004 أن تركيا تستجيب لمعايير كوبنهاغن السياسية، سيفتح الاتحاد سريعا مفاوضات الانضمام معها. ولطمأنة تركيا بأن لأوروبا نية جدية في ضمها، تقول الوثيقة نفسها إن "الاتحاد سيرفع بشكل معتبر من مساعدته المالية الخاصة بما قبل الانضمام لتركيا. وأنه بدءا من العام 2004 ستمول هذه المساعدة من خط ميزانية "نفقات ما قبل الانضمام". أما التطمين الآخر لأنقرة فجاء في فقرة أخرى من وثيقة كوبنهاغن لا تخص تركيا حصرا ولا صراحة، حيث ورد أن الاتحاد والدول المنضمة اتفقت على بيان مشترك "أوروبا واحدة" سيضم كملحق إلى النص الختامي لمعاهدة الانضمام، والمتعلق بالطبيعة "المشتمِلة والتي لارجعة فيها لعملية التوسيع". يفهم من هذا أن دول الاتحاد الـ15 تريد غلق الباب أمام أي اعتراض في المستقبل لأحد الأعضاء الـ10 الجدد على توسيع الاتحاد. هذا التطمين موجه طبعا للدول المعنية في المدى القصير، وهي رومانيا وبلغاريا وتركيا.

ما مبررات الموقف الأوروبي هذا حيال تركيا؟ العام 2004 حافل بمواعيد أوروبية حاسمة، مثل المصادقة على معاهدة انضمام الـ10، والاستفتاء على الاتفاق الدستوري، والانتخابات البرلمانية الأوروبية، وعليه فهم يتخوفون من رد فعل سلبي للناخبين الأوروبيين إن درجت تركيا في جدول الأعمال المكتظ هذا، خاصة أن المزاج العام الأوروبي حيال الإسلام والمسلمين زاد تطرفاً منذ 11 سبتمبر/ أيلول. لكن بغض النظر عن هذه العوامل الموضوعية والذاتية التي تؤثر على مسار الاتحاد، يبقى أن مشكلة القيادات الأوروبية هي أنها قدمت وعودا لتركيا عام 1999 لإسكاتها ربحا للوقت ودون أن تخبر الرأي العام الأوروبي، وجاءت أحداث 11 سبتمبر/ أيلول لتصعب من مهمتها التي كانت أصلا عسيرة. فالرأي العام الأوروبي يعارض انضمام تركيا لأوروبا كما هو شأن الرأي العام الفرنسي، وذلك على أساس معيار ديني في أغلب الأحيان. ثم إن للموقف الأوروبي محددات أخرى ناجمة عن نشاط جماعات الضغط المعارضة لدخول تركيا الاتحاد مثل اللوبي الأرميني في الغرب لاسيما في فرنسا أين تمكن من انتزاع اعتراف فرنسي بـ"إبادة الأرمن". وهذه العوامل مجتمعة تجعلنا نقول إن الفرضية القائلة بأن تقييم ترشيح تركيا من خلال معايير كوبنهاغن في ديسمبر/ كانون الأول 2004 هو محاولة لربح الوقت لتفادي الخوض في صلب الموضوع ولو لبعض الوقت صحيحة إلى حد ما.

أما في ما يخص قبرص فالموقف الأوروبي هو قبول عضوية قبرص اليونانية دون اشتراط توحيد شطري الجزيرة، لكن الاتحاد يقرر أنه يفضل انضمامها كدولة واحدة. ويشجع مواصلة المفاوضات بين شطري الجزيرة من أجل تسوية شاملة على أساس الخطة الأممية قبل فبراير/ شباط 2003. وتقول وثيقة كوبنهاغن إن الاتحاد على استعداد لاتخاذ التعديلات اللازمة في حال توحيد الجزيرة لتصبح عضوا في الاتحاد. وتضيف أنه في ظل غياب تسوية شاملة، قرر الاتحاد تعليق تطبيق المكتسب (انضمام قبرص الجنوبية) على القسم الشمالي للجزيرة إلى "أن يقرر المجلس.. بالإجماع خلاف ذلك". وهذه الجملة بالغة الأهمية لأنها تعني أن الاتحاد لا يستبعد تماما عضوية قبرص التركية دون توحيد الجزيرة.

كيف يمكن تفسير سلوك التوسيع الأوروبي الانتقائي خصوصا حيال تركيا؟ في رأينا تتجاذب الاتحاد الأوروبي مقاربتين، الأولى سياسية-أمنية والثانية دينية-ثقافية. المقاربة الأولى تقول إن الاستقرار السياسي في البلد المرشح وفي تخومه الجغرافية ضروري لعضويته، فأوروبا تعتبر أن توسعها يهدف في ما يهدف إلى تصدير الاستقرار والرخاء إلى الأعضاء الجدد. وهذا يعني أنها لا تريد أن تستورد أزمات وعدم استقرار هؤلاء. وهذه المقاربة السياسية-الأمنية تظهر جليا من خلال الحالة التركية، فانضمامها إلى الاتحاد يجعل حدود هذا الأخير تصل إلى العراق وسوريا وإيران وجمهوريات آسيا السوفياتية سابقا. هذه الآفاق الجغرافية تخيف أوروبا لأنها تضعها في اتصال جغرافي مباشر مع هذه المناطق المتوترة. فماذا سيكون موقف الاتحاد لو أن تركيا العضو دخلت في صراع مع العراق أو سوريا حول المياه؟ أو ردت بعنف مسلح على تمرد كردي داخل أراضيها؟ ثم إن الاتحاد أثبت إلى حد الآن عجزه السياسي في إدارة الأزمات وفض المنازعات، فحتى النزاع الإسباني-المغربي الأخير حول جزيرة ليلى استدعى تدخلاً أميركيا. وحسب هذه المقاربة السياسية-الأمنية تشكل تركيا بؤرة توتر داخليا وإقليميا. داخليا من حيث نظامها السياسي الذي يحمي فيه الجيش النظام العلماني بينما جوهر معايير كوبنهاغن هي الديمقراطية والعلمانية المدنية، كما تعاني من توتر بسبب المسألة الكردية. أما إقليميا فتركيا في نزاعات مع جيرانها حول المياه وحتى الحدود البحرية (ترسيم حدود بحر إيجه) والقضية القبرصية، كما أن لها مطامع في تخومها الناطقة بالتركية، مما يجعلها في صراع نفوذ مع روسيا وإيران. هاجس الهجرة يلقي أيضاً بثقله على القرارات الأوروبية ويتخوف الاتحاد من انكشاف الحدود التركية أمام تدفق الهجرة.

هذه المقاربة السياسية-الأمنية تخص أيضا المجر. هذا البلد الذي يشهد نموا للتيارات الشعبوية والقومية تبنى (بأغلبية برلمانية ساحقة) قانونا في يونيو/ حزيران 2002 ينص على مساعدة الأقليات المجرية المقدرة بـ3.5 ملايين نسمة في الدول المجاورة (رومانيا وسلوفينيا وسلوفاكيا...) بمنحها "بطاقة مجري"، وهي عبارة عن بطاقة جنسية إن هم أثبتوا أصولهم المجرية. تخفي هذه القضية مسألة المطالب الترابية، ذلك أن المجر اقتطع منها ثلثي ترابها بموجب معاهدة تريانو عام 1920. نددت رومانيا وسلوفاكيا بشدة بهذا الموقف، وبما أن هذا القانون يتناقض ومبادئ الاتحاد الأوروبي القائمة على حسن الجوار وقدسية الحدود، التزمت المجر بإلغائه قبل انضمامها.

أما المقاربة الدينية-الثقافية فهي متضمنة، لأن إعلانها يتناقض والمبادئ العلمانية الأوروبية. تقول هذه المقاربة إن الفكرة الدينية أساسية في البناء الأوروبي على أساس أن الديمقراطيين المسيحيين هم المؤسسون للمشروع الأوروبي، وأن الكنيسة الكاثوليكية لعبت دورا في دعمه. وعليه فهي تشكل بطريقة أو بأخرى "ناديا مسيحيا"، أو على الأقل ناديا للأمم ذات الثقافة المسيحية. ويبدو أن أصحاب التحليل التاريخي خصوصا يعارضون انضمام تركيا. ومن هنا فبعض الأوروبيين يريدون الإبقاء على "النقاء الحضاري" للاتحاد. ومن حظ تركيا التعيس أن المقاربتين تنطبقان عليها، فهي بلد غير مستقر داخليا وإقليميا كما قلنا، وهي أيضا بلد مسلم. من الواضح أن العامل الإسلامي في تركيا يلعب ضدها، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول.(أقول الإسلامي وليس الإسلاماوي نسبة للحركات الإسلامية، لأن طلب تركيا الانضمام يعود إلى العام 1963، ولأن الظاهرة الإسلامية حديثة وتستغل كحجة إضافية لحجب الحجة الحقيقية التي هي جزئيا دينية). من ناحيته، يبدو الموقف التركي متناقضا، فمن جهة تعتمد تركيا على بعدها الأوروبي (تاريخها العثماني)، ومن ناحية أخرى تتنكر بطريقة أو بأخرى للإرث العثماني لرفض الخوض في قضايا مثل مجزرة الأرمن. الملاحظ أن الطرفين يستخدمان الحجة الدينية كل على طريقته. بعض أعضاء الاتحاد يترددون حيال انضمام تركيا بسبب إسلامها رغم نموذجها العلماني ورغم توجههم العلماني. أما تركيا فتعتبر أن الحجة الدينية ليست عليها بل لها، لأن انضمامها سيدل على أن الاتحاد الأوروبي ليس "ناديا مسيحيا" يمنع على البلدان لإسلامية دخوله. للإشارة إلى أنه رغم هذه المقاربة الدينية-الثقافية فإن الفاتيكان مثلا لا يبدي معارضته لانضمام تركيا، رغم أنه طالب على ما يبدو بالأخذ في عين الاعتبار بالبعد المسيحي في الدستور الأوربي المقبل.

الفيتو التركي والأطلسي
وقع الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي اتفاقاً شراكة إستراتيجية يستخدم بموجبه الأوروبيون وسائل الحلف الأطلسي في عمليات عسكرية أوروبية مشتركة. هذا الاتفاق كان ضرورياً للتشكيل الفعلي في العام 2003 للقوة الأوروبية للتدخل السريع وقوامها 60 ألف رجل. تسنى توقيعه بعد رفع الفيتو التركي (الذي دام سنتين) داخل الحلف ثلاثة أيام بعد قمة كوبنهاغن. تركيا استخدمته ورقة ضغط على الاتحاد لتسريع انضمامها، حيث اعترضت عليه متذرعة بإمكانية استخدام هذه القوة الأوروبية (المزودة بوسائل الحلف) ضد قبرص الشمالية أو لتهديدها. يبدو من الوهلة الأولى أن تطور الموقف التركي يعبر عن حسن نيتها حيال الاتحاد. لكن الحقيقة قد تكون غير ذلك، فمن المرجح أن يكون هذا التغير محاولة من تركيا لاستدراك الأمور ولعب الورقة الأوروبية للتأكيد على قناعتها ببناء الدفاع الأوروبي المنصوص عليه في معاهدات الاتحاد، خاصة أن الأوروبيين استاؤوا من ممارستها الضغط عليهم عبر واشنطن ليقبلوا بموعد محدد لبدء مفاوضات الانضمام. فقد يكون موقفها هذا محاولة لإثبات ولائها لأوروبا أكثر من ولائها للرابطة الأطلسية. الاتحاد رحب بهذا التغير واستجاب لمطلبها حيث ورد في وثيقة كوبنهاغن أن قبرص ومالطا (عندما تنضمان للاتحاد) لن تشاركا في العمليات العسكرية للاتحاد التي تتم بمساعدة وسائل الحلف الأطلسي.

التوسع مستقبلا.. "كوبنهاغن" ترسم ملامح الاتحاد الجغرافية

سيوسع الاتحاد إلى رومانيا وبلغاريا في العام 2007 كما ورد في معاهدة نيس الأوروبية وفي وثيقة كوبنهاغن. وقد أكد الاتحاد في هذه الوثيقة أن مفاوضات انضمام رومانيا وبلغاريا "تدخل في نفس إطار عملية التوسيع المشتمل والذي لا رجعة فيه". وهذه عبارة ذات أهمية سياسية، فهي تعني أن انضمامها مسألة وقت فقط ريثما تحققان الشروط المطلوبة كما أنها تعني منع الأعضاء الـ10 الجدد من عرقلة انضمامهما. المسألة ليست نظرية، فهنغاريا قد تعرقل انضمام رومانيا بحجة الدفاع عن الأقلية الهنغارية في رومانيا.

بعد توسيع 2004 (الدول العشر) وتوسيع 2007 (رومانيا وبلغاريا) وربما توسيع 2008 (تركيا) قد يصل عدد الأعضاء في الاتحاد إلى 28 دولة في نهاية العقد الأول من القرن الواحد والعشرين. لكن قد يشرع الاتحاد في توسيع آخر مجددا في العقد القادم لضم دول البلقان الأوروبية. تتحدث قمتا كوبنهاغن لعامي 1993 و2002 عن "الأفق الأوروبي" لـ"بلدان البلقان الغربية المنخرطة في عملية الاستقرار والشراكة" دون أن تشير إلى انضمامها. وتعتبر وثيقة كوبنهاغن أن توسيع 2004 سيوثق العلاقات مع روسيا وأن الاتحاد يصبو أيضا إلى تطوير علاقاته مع أوكرانيا ومولدافيا وروسيا البيضاء وبلدان جنوب المتوسط، سعيا لتشجيع الإصلاحات الديمقراطية والاقتصادية وتنمية وتجارة مستديمتين، والتفكير في طرح "مبادرات جديدة لهذا الغرض".

هكذا ترسم هذه الوثيقة الملامح الجغرافية العامة للاتحاد الأوروبي حيث تبقي باب انضمام دول البلقان مفتوحا بينما تستبعد الدول الأوروبية الأخرى وروسيا. الحقيقة أن روسيا عملاق سياسي وعسكري ليس بوسع الاتحاد الأوروبي ابتلاعه، كما أن انضمامها يعني هدم التحالف الأوروبي-الأميركي بطريقة أو بأخرى. وبالتالي فاحتمال انضمام روسيا للاتحاد غير وارد حتى على المدى البعيد. فأوروبا تريد أن تكون قوة اقتصادية تتكلم بصوت واحد عالميا، وبالتالي فالانضباط داخل الاتحاد لا يمكنه أن يحتمل قوة مهيمنة ذات حسابات إستراتيجية وسياسية تفوق حجم أوروبا الإستراتيجي. ثم إن المقاربة السياسية-الأمنية تنطبق على روسيا لأنها مثلها مثل جوارها الجغرافي الآسيوي غير مستقرة وبعيدة عن المعايير الديمقراطية الأوروبية. لكن كل هذا لا يمنع من أن لروسيا قدما في أوروبا، فجزء منها أوروبي، بل إن لها قدما داخل الاتحاد من خلال جيب كالينينغراد المحاصر بالتراب البولندي. للإشارة إلى أن 40% من مبادلات روسيا تتم مع الاتحاد الأوروبي.

حدود أوروبا.. إلى أين؟

أثارت مسألة انضمام تركيا نقاشاً حول حدود الاتحاد الأوروبي خاصة مع التوسيع الجديد. الحديث عن حدود الاتحاد تثير مسألة الهوية الأوروبية، وما هو (البلد) الأوروبي وما هو غير الأوروبي. نصوص ووثائق الاتحاد لا تفيد في الإجابة على هذه التساؤلات لأنها تتحدث عن البلدان الأوروبية ذات المبادئ المؤسسة: مؤسسات دولتية مستقرة والديمقراطية ودول القانون واقتصاد السوق واحترام حقوق الإنسان والأقليات... لكن هذه المعايير "معايير كوبنهاغن" سياسية أساسا وتفتقر لأي بعد جغرافي. وعليه فيبقى التساؤل مطروحا: لماذا تنضم جمهوريات البلطيق رومانيا وبلغاريا وربما تركيا بينما تستبعد دول البلقان (على الأقل في المدى المتوسط) روسيا البيضاء وأوكرانيا؟.


أول من فجر النقاش حول حدود أوروبا هو ديستان (الرئيس الفرنسي الأسبق)، الذي يترأس الهيئة الأوروبية المكلفة تحضير دستور الاتحاد لما أثار القضية التركية حيث اعتبر أن "تركيا بلد قريب من أوروبا.. لكن ليس بلداً أوروبيا

أول من فجر النقاش حول حدود أوروبا هو فاليري جيسكارديستان (الرئيس الفرنسي الأسبق)، الذي يترأس الهيئة الأوروبية المكلفة تحضير دستور الاتحاد لما أثار القضية التركية حيث اعتبر أن "تركيا بلد قريب من أوروبا.. لكن ليس بلداً أوروبيا". واعتبر ضمنيا أن ترشيحها فرض من قبل المناهضين لأوروبا مثل بريطاينا، التي لا ترى في الاتحاد إلا منطقة كبرى للتبادل الحر الاقتصادي. وفي رأيه فإن فتح الباب لتركيا يعني فتحه لمرشحين خارج أوروبا، وهذا يعني "نهاية أوروبا".

الموقف الرسمي الفرنسي يبدو مخالفا لموقف جيسكار، إذ اعتبر وزير الخارجية الفرنسي دومينيك دو فيلبان في 2 ديسمبر/ كانون الأول 2002 أنه بعد سقوط جدار برلين على الأوروبيين أن يحددوا بحرية الحدود (في نقد ضمني للضغط الأميركي). ويقترح أن تضم حدود أوروبا البلقان وتركيا، ويشكل هذا دائرة أولى هي الاتحاد الأوروبي، تليها دائرة ثانية تضم "البلدان الشريكة" والتي هي الدول المجاورة لأوروبا الموسعة، لاسيما البلدان المتوسطية وروسيا التي ستقام معها علاقات خاصة، أما الدائرة الثالثة فتضم البلدان الشريكة في أفريقيا وأميركا اللاتينية وآسيا.

في مقال نشر في جريدة "لوموند" بداية ديسمبر/ كانون الأول 2002 تساءل هيوبر فيدرين، وزير الخارجية الفرنسي السابق "هل أوروبا جغرافية أم سياسية؟"، ويقول إنه آن الأوان لتحديد حدودها وهويتها. ويرى أن البلد الوحيد الذي رفض طلب انضمامه لأسباب جغرافية هو المغرب، لكن مسألة الهوية الأوروبية تطرح بقوة مع تركيا. في رأيه، الأوروبيون أخطؤوا عام 1963 لأنهم لم يفهموا الأتراك بأن بلدهم الذي يقع بنسبة 95% في آسيا ليس له وجهة للانضمام لأوروبا، ولذا تراهم بعد 40 سنة يثيرون حججا "ثقافية أو دينية، لتأخير ساعة الحقيقة". ويقول إن أوروبا لا يمكنها أن تقترح الانضمام إلى ما لا نهاية بل عليها اقتراح حلول ووسائل أخرى. ويعتبر أن "الاتحاد بحاجة لأن يعثر على هوية واضحة، بالتأكيد سياسية لكن ترابية [جغرافية] أيضا". ويرى أنه على سلطات الاتحاد أن تفكر في اقتراح "شراكة جوار إستراتيجية، سياسية واقتصادية" على روسيا وأوكرانيا وتركيا، وكل بلد مغاربي، ولما لا يوما ما إسرائيل وفلسطين. ويقول إنه بسبب "غموض" و"نفاق" ما قيل للأتراك، اقترح في العام 2000 لما كان وزيرا للخارجية أن تعرض مثل هذه الشراكة على تركيا. واليوم يقول فات الأوان بسبب الوعود التي قدمت لها والإصلاحات التي شرعت فيها، لكن لنقرر بعد انضمامها للاتحاد أن "التوسيع اكتمل" وأن نضع حول أوروبا الموسعة "شراكات الجوار" هذه. وفي رأيه فإن توسيع أوروبا (10+ بلغاريا ورومانيا وتركيا) قد يتوقف عند ضم 9 دول أوروبية أخرى ممكنة لم يذكرها بالاسم. قد يتعلق الأمر بدول البلقان (صربيا والجبل الأسود ومقدونيا وألبانيا والبوسنة وكرواتيا) وسويسرا.

كل هذا جعل المفوضية الأوروبية تفكر في حدود أوروبا، حيث اعترف رئيسها رومانو برودي بأنه يجب "الشروع في نقاش حقيقي حول حدود أوروبا وعلاقاتنا مع جيراننا المقبلين ويجب ألا نقبل أن تفرض علينا الحدود من الخارج" ( في إشارة للضغوطات الأميركية بخصوص انضمام تركيا). على أي حال يتعين على الأوروبيين التفكير مليا في رسم حدود الاتحاد بوضوح، لأن تمسكهم بتعريف "أيديولوجي" من خلال المعايير السياسية (الواردة في معايير كوبنهاغن) والقائلة بوجود مؤسسات مستقرة تضمن الديمقراطية وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان واحترام وحماية الأقليات، دون أي معيار جغرافي يعني أن أي بلد يستوفي هذه الشروط قد يطلب الانضمام للاتحاد الأوروبي.

_______________
*كاتب ومحلل سياسي جزائري مقيم في فرنسا

المصدر : غير معروف