*بقلم/سعد عبد المجيد

-خطة مشروع بيع المياه
-تأثيرات سلبية
-موقف حزب العدالة والتنمية

-الخلاصة

يحمل مشروع بيع ونقل مياه تركية لإسرائيل تلبية لطلب الحكومة العبرية فى طياتة واحدة من أبرز وأخطر القضايا الحسّاسة لدى الدول العربية، لقد برز المشروع على الساحة التركية في أعقاب الحرب الأميركية العراقية الأولى في العام 1991، وتبناه الرئيس التركى الراحل تورجوت أوزال (ت. عام 1993).

والحقيقة أن هذا المشروع يمثل أهمية ما للدولة العبرية لكي تتوسع وتجلب المزيد من يهود العالم لترسيخ احتلال فلسطين، لكن المشروع لا يمثل أي أهمية تجارية أو اقتصادية لتركيا، ولكنه يمثل أهمية سياسية لها وهى تحبو رويدا رويدا نحو الانضمام لعضوية الاتحاد الأوروبي ومحاولة أخذ مكان لها في أوضاع المنطقة بعد زوال دورها الحيوي بانتهاء الحرب الباردة.


يتخوف البعض في تركيا والعالم العربي من تكرار حدوث سيناريو إجبار تركيا على تنفيذ مشروع المياه لنسف علاقاتها المترددة مع العالم العربي
لقد دعا أردوغان رئيس الحكومة التركية أعضاء حزبه البرلمانيين يوم موافقة البرلمان على إرسال قوات للعراق لأن يفكروا في مصالح تركيا بمستوى عال غير ضيق، ذلك أن هناك موقفا ثابتا في العلاقات الخارجية التركية منذ انضمامها لحلف الأطلنطي عام 1952م، وهو أن الطريق إلى العالم الغربي وأسواقه ومحافله تفتح لتركيا عبر بوابة تل أبيب.

لذا يتخوف البعض في تركيا والعالم العربي من تكرار حدوث سيناريو إجبار تركيا على تنفيذ المشروع لنسف علاقاتها مع العالم العربي مثلما حدث من شرخ في تلك العلاقة مع تنفيذ تركيا اتفاقية التعاون الأمني والعسكري مع إسرائيل عام 1997م.

خطة مشروع بيع المياه
لا يعرف حتى الآن مدى كون الرئيس التركي الراحل تورجوت أوزال هو الذي طرح فكرة المشروع أم أن الصهيونية العالمية هي التي نقلت الفكرة إليه. مثلما سبق وقام هرتزل بعرض فكرة إقامة وطن قومي ليهود العالم في فلسطين على السلطان عبد الحميد الثاني (1909). والمعروف أن تورجوت أوزال بدأ يتحدث عن المشروع عام 1991 بقوله المشهور "مثلما يبيع العرب البترول يجب على تركيا أن تبيع المياه".

هذا المشروع يتلخص في إقامة محطة بمنطقة شلالات مناوجات على ساحل البحر الأبيض لجمع المياه بكمية 50 مليون طن سنويا –تمثل نسبة 3,8% من حاجة تل أبيب السنوية- قبل انحدارها نحو البحر، ثم تخزينها وضخها في أنابيب برية عبر الأراضي السورية، ثم دخول الأنبوب -تسميه بعض وسائل الإعلام التركية بأنبوب السلام- لشمال لبنان أو شمال شرق الأردن وبعدها الأراضي الفلسطينية، أو نقلها بالناقلات البحرية للساحل الإسرائيلي حال استمرار الاحتلال للأراضي السورية وعدم توقيع اتفاقية سلام بين سوريا وإسرائيل.

وتشير الصحف التركية إلى أن مدة الاتفاقية هى 20 سنة، وأن المحطة التركية قد انتهى بناؤها في مناوجات بتكلفة 160 مليون دولار وبقي تنفيذ المشروع.

تأثيرات سلبية
إلا أن هذا المشروع يحمل في طياته العديد من السلبيات سواء على المستوى الداخلي لتركيا أو على صعيد علاقاتها مع الدول العربية وكذلك على صعيد التأثير الأمني في المنطقة كلها وهو ما نوجزه في ما يلي:
1- التأثير الداخلي: الشيء الغريب والمسترعي للأنظار مع طرح هذا المشروع على المستوى الداخلي لتركيا، هو أنه يأتي متزامناً مع عجز بالمياه تعاني منه مناطق واسعة بتركيا، فمدينة ضخمة مثل إستانبول –عدد سكانها 11 مليون نسمة- لازالت تعاني من نقص المياه، ويمثل شهرا يوليو/ تموز وأغسطس/ آب فترة القلق والهلع لدى أصحاب الحدائق والبساتين والزراعات المحمية أو أصحاب المنازل والبيوت الصيفية الواقعة بضواحي المدينة.

يقول رجل الأعمال سامى قيلنش (إستانبول) "سددت في يوليو/ تموز الماضي مبلغ 22 ألف دولار لشركة قامت بحفر بئر ارتوازي بحديقة منزلي بمنطقة بيوك شكمجه على بحر مرمرة، ولكنى صدمت وأهل منزلي بعدم وجود مياه رغم الحفر لعمق 300م تحت سطح الأرض، لقد سعيت للتخلص من دفع مبلغ 37 دولار يوميا طوال يوليو/ تموز وأغسطس/ آب وأوقات شح المطر لشراء عشرة أطنان مياه أروي بها المساحة الخضراء والأشجار القائمة بحديقة المنزل، وإلا احترقت وذبلت من الجفاف".

إن مشكلة توفير المياه واقتصادياتها –كل 19 لتر مياه شرب تباع اليوم بسعر 2-3 ملايين ليرة (5,1-20,2 دولارا)- ليست مقصورة على إستانبول فحسب، بل هي عامة بتركيا. فتقول جريدة "وقت" اليومية الصادرة بتاريخ 6 أكتوبر/ تشرين الأول "إنه مع نهاية هذا العام تكون هيئة مياه الدولة قد أنفقت مبلغ 3,195,2 كاتريليونات ليرة (حوالي 613,1 مليار دولار) على عدد 33 مشروعا لتوفير المياه لحوالي 7 ملايين نسمة في عدد 8 محافظات، ولري عدد 120 ألف هكتار من الأراضي بالإضافة إلى إنتاج عدد "381 ميغاوات" من الكهرباء سنويا".

كما ذكر تقرير خبري لشبكة "سى إن إن" التركية في الثامن من الشهر الحالي أن كمال أوناقيطان وزير المالية لم ينس قريته المحرومة من المياه ووافق على مخصصات مالية لتنفيذ مشروع مياه شرب داخلها، على هذا النحو يكون الداخل بحاجة أصلا لكل نقطة مياه، فهناك تصاعد كبير في عدد السكان يقابله زيادة في الطلب على مياه الشرب والزراعة والمياه المستخدمة في الصناعات، خاصة صناعات الملابس والصباغة والمشروبات وإنتاج الطاقة.


قد لا يؤثر مشروع المياه على حاجات تركيا الحالية لكن التصاعد المستمر في تلك الحاجات قد يدفع التيارات المعارضة للضغط على الحكومة لوقف المشروع
صحيح أن بيع مياه مناوجات للخارج لا يؤثر على حاجات الداخل حاليا، لكن التصاعد المستمر في الحاجات المائية قد يدفع التيارات السياسية المحافظة والقومية للضغط على الحكومات القادمة لمنع الاستمرار في المشروع.

2- التأثير على العلاقات التركية العربية: على مدار أكثر من نصف قرن والبلاد العربية تسعى لوضع حل لمشكلة احتلال فلسطين على أيدي القوات الإسرائيلية المدعومة معنويا وماديا من أوروبا وأميركا، وليس العرب وحدهم الذين يتخوفون من توسيع رقعة الأراضي المحتلة، بل إن المسلمين بتركيا وبصفة خاصة الاتجاهات المحافظة –تمثل نسبة بين 15%-20% سياسيا- تعتبر تركيا داخل إطار خطة بناء دولة إسرائيل الكبرى من النيل للفرات.

وترى أن اتجاه تزويد قوات الاحتلال بالمياه اللازمة يمثل جسرا حيويا يمد المحتل بما يؤهله للاستمرار في الاحتلال وتنفيذ خطته في ابتلاع الأرض والجغرافيا من النيل للفرات. وبما أن نهر الفرات ينبع من تركيا فإن أراضيها ضمن إطار خطة الأوهام التلمودية. إن شح المياه لدى المحتل الإسرائيلي يعني توقفه عن جذب المزيد من اليهود للإقامة والتوطن في أرض فلسطين، فضلا عن أن توفير المياه له تساعد على تأمين خطته في التوسع وتأمين استمرار الدولة.

في ظل هذا يعد المشروع حال تنفيذه تهديدا واقعيا لفرصة تطوير العلاقات العربية التركية، ويقف حجر عثرة أمام توفير فرصة إدخال هذه العلاقة في نفق العلاقات بعيدة المدى والثابتة. وإذا كان القطاع الأكبر من الشعب التركي لا يدري حقيقة مشروع بناء دولة إسرائيل الكبرى فإن الحكومات التركية الملتزمة بالمنهج العلماني المعادي للإسلام، لا ولن تبالي بعلاقاتها مع العالم العربي، ذلك أن إجمالي حجم التبادل التجاري بين تركيا والعالم العربي –حوالي 6-7 مليارات دولار- لا يساوي حجم التبادل التجاري مع ألمانيا أو أميركا الذي يصل إلى مليار دولار سنويا. من ثم يعد تنفيذ المشروع ضربة للعلاقات التركية العربية المتميزة بالضعف.

3- التأثير الأمني: مما لا شك فيه أن تنفيذ مشروع المياه التركية للدولة العبرية بمثابة قنبلة موقوتة جديدة بمنطقة الشرق الأوسط يمكن أن تنفجر في أي لحظة، طالما استمر احتلال القوات الإسرائيلية لفلسطين (1948)، وكذا الاستمرار في احتلال مرتفعات الجولان السورية (1967) والاعتداءات اليومية على لبنان.

وإذا وضعنا في الاعتبار أن كلا من سوريا والعراق لديهما برامج تنموية زراعية لمواجهة الزيادة السكانية (عدد سكانهما حوالي 50 مليون نسمة) ومعالجة قضية الأمن الغذائي وتوفيره دون التعرض لضغوط خارجية عند النقص فيه. يمكن فهم هذا البعد الأمني حال اقتراب المشروع من نهري دجلة والفرات. وإذا كان موقف العراق لن يكون واضحا من مشروع المياه في الوقت الحالي بعد وقوعه تحت الاحتلال الأنغلوساكسونى والاضطرابات الأمنية التي تمثل اليوم أولوية لدى الشعب والقيادات السياسية القائمة فإن هذه المسألة الأمنية البعيدة المدى لن تمرّ من سوريا بسهولة دون أن تبرز اعتراضها عليها كما حدث وقت حكم الرئيس الراحل حافظ الأسد.

4- التأثير على المياه العربية: لا يعتقد بأي حال أن يؤثر المشروع على المياه العربية في المنظور الحالي مع بيع تركيا 50 مليون طن سنويا لتل أبيب، خاصة أن مياه شلالات مناوجات ليست مرتبطة بنهري دجلة والفرات التي تذهب للبحر الأبيض بصفة مستمرة. كما أن سوريا تحصل على نصيب 500 متر أخرى يوميا من نهر دجلة.

أما العراق فليس لديه مشكلة حاليا لتدفق مياه نهري دجلة والفرات بشكل طبيعي إليه، علاوة على توفر مصادر أخرى مائية تقع داخل الحدود العراقية، مثل نهر الزاب. لكن المخاوف تكمن في إمكانية تطوير المشروع مستقبلا لمد تل أبيب بالكميات التي تلحق الضرر بالمياه السورية والعراقية المتدفقة من الأراضي التركية. كأن تواجه تركيا المزيد من المصاعب الداخلية لتوفير حاجاتها المائية، خاصة مشروعات استصلاح الأراضي الضخمة والمسماة بمشروع جنوب الأناضول في وقت ارتباطها باتفاق يجبرها على التوريد لتل أبيب، فتلجأ لمياه نهري دجلة والفرات، وعندئذ فقط تتعرض المياه العربية للضرر.


لعل التكاليف المرتفعة لنقل المياه عبر البحر بناقلات أو بالسحب عبر بالونات ضخمة، كانت المانعة لتنفيذ المشروع حتى اليوم
ودون إغفال وجود صعوبة فنية كبيرة في زيادة الكميات المنقولة لإسرائيل عبر النقل البحري الذي تضعف تكاليفه الجانب الاقتصادي لهذه المياه وتصبح باهظة على خزانة المحتل. ولعل التكاليف المرتفعة لنقل المياه عبر البحر بناقلات أو بالسحب عبر بالونات ضخمة كانت المانعة لتنفيذ الطرفين للمشروع حتى اليوم.

فتل أبيب تريد شراء الطن بسعر 60-75 سنتا فقط، وهو مؤشر يبين ترددها أمام الشراء وتنفيذ المشروع، وعدم قبولها مقترح تركيا بأن يكون سعر الطن 90-100 سنت. وبفرض أن يكون مجمل شراء هذه الكمية بين 60-80 مليون دولار يضاف إليها مبلغ مساو للنقل والتخزين. فإن مبلغ 150-180 مليون دولار سنويا يبدو مرتفعا وتكلفة غير اقتصادية بالنسبة للمشترى.

موقف حزب العدالة والتنمية
أيا كان تصنيف وضع حكومة حزب العدالة والتنمية من النواحي الفكرية والعقيدية والسياسية فإن الشيء الذي لا يمكن إغفاله هو أن تركيا دولة ذات دستور علماني لا يضع وزنا للدين. كما أن أي حكومة تركية مجبرة على الاستمرار في تنفيذ وتطبيق نصوص الاتفاقيات والمعاهدات الدولية أو الثنائية. لقد أجبرت حكومة حزب الرفاه (المحظور) ذات الميل الإسلامي بزعامة أربكان عام 96 –1997 على تطبيق اتفاقية التعاون الأمني والعسكري الموقعة عام 1995 على أيدي حكومة حزب الطريق القويم (اليمين العلماني برئاسة تانسو تشيلر).

وبما أن توقيع اتفاقية المياه قد تم في وقت حكومة الائتلاف السابقة بزعامة بولنت أجاويد. فإن حكومة العدالة لن يكون بوسعها التراجع عنها، لكن الشيء المتاح لها هو التأجيل إذا كانت الاتفاقية تسمح. ولم تصدر تصريحات مؤكدة حتى اليوم من أعضاء حكومة حزب العدالة ( تيار الوسط المحافظ) حول وجود قرار نهائي يؤدي إلى بدء تنفيذ الاتفاقية فقد تم تأجيل الزيارة التي كان مقررا أن يقوم بها حلمي جوار وزير الطاقة والمصادر الطبيعية التركي لتل أبيب في سبتمبر/ أيلول الماضي دون إبداء الأسباب.

لكن الشيء المؤكد أيضا أن حكومة حزب العدالة والتنمية لن تخطو خطوة تنفيذية في هذا المشروع دون التشاور وأخذ الموافقة المعنوية من دول الجوار خاصة سوريا والعراق، وللتأكيد لهما على أن المياه المباعة ليس لها علاقة بمياه نهري دجلة والفرات.

الخلاصة
إن إصرار تركيا على إدخال قوات عسكرية إلى العراق تلبية للطلب الأميركي ليس له أي علاقة مباشرة بمشروع اتفاقية بيع المياه لتل أبيب، بل يتعلق مباشرة بالقضية الكردية ومخاوف تركيا من إقامة دولة كردية مستقلة بشمال العراق تلتحم مستقبلا مع الأكراد بمناطق شرق تركيا بما يعادل حوالي ثلث الأراضي التركية الحالية، وتركيا لا تخفي هذه المخاوف وأكد عليها طيب أردوغان وعبد الله غول وزير الخارجية وكذا محمد آغار رئيس حزب الطريق القويم المعارض الذي قدم أصواته الثلاثة للحكومة لتمرير مذكرة إرسال القوات من المجلس.


إذا خيرت تركيا بين دولة مستقلة للأكراد وبيع المياه لتل أبيب فلن تبالي بعلاقاتها مع العالم العربي

أما التيار القومي الممثل في حزب الحركة القومية المعارض من خارج المجلس فيؤيد خطة الوجود العسكري بالعراق، ومحسن يازجي أوغلو رئيس حزب الاتحاد الكبير –قومي معتدل- وافق أيضا، والحزب الجمهوري الشعبي بزعامة دنيز بايكال يعارض الفكرة بسبب تأثير الجناح اليساري داخله والمعادى لأميركا الرأسمالية.

لكن المؤكد أن الحزب الجمهوري لا يقبل إقامة دولة كردية مستقلة على حدود تركيا. وبما أن حزب السعادة المعارض بزعامة أربكان هو الحزب الوحيد الرافض لدور تركيا العسكري بالعراق أو لمشروع المياه ، بينما يمرّ بمرحلة ضعف لتواجده خارج المجلس وانتقال جزء كبير من أصواته لحزب العدالة الحاكم فلا تأثير له حاليا.

إذن مشروع المياه لتل أبيب لا علاقة له بالعراق، ولكن إذا خيرت تركيا بين دولة مستقلة للأكراد وبيع المياه لتلّ أبيب فلن تبالي بعلاقاتها مع العالم العربي، خاصة أن البعض منه على علاقة بالدولة الإسرائيلية، ربما تكون هناك فقط علاقة مستقبلية بين العراق والمشروع كأن يتم مد أنبوب المياه البري عبر الأراضي العراقية ثم الأردن وبعدها للأراضي الفلسطينية تفاديا للطريق السوري على أن هذا الطريق الطويل غير آمن ويتوقف على استقرار المنطقة ووضع حل عادل ودائم وتوفير أجواء السلام بانسحاب تل أبيب من الأراضي العربية المحتلة.
ــــــــــــــــــ
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة