* بقلم/ علي إسماعيل نصار

-الشيعية السياسية والشيعية العراقية
-المجلس الأعلى وتدبير المناوشات
-لعبة الشرعية الدينية والسياسية

عاد المرجع الإسلامي الشيعي السيد علي السيستاني إلى الظهور الشخصي والسياسي بعد طول احتجاب. وقد التقى زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني السيد جلال الطالباني، "وبحث معه -حسب الطالباني- في ظاهرة السيد مقتدى الصدر".

وبعد أيام قليلة على هذا اللقاء أصدر السيد السيستاني "ردودا" على بعض المستفسرين من الجمهور الشيعي تحظر مشاركتهم في أعمال المقاومة المتصاعدة ضد جنود الاحتلال الأميركي البريطاني، كما نشر بيانا يدعو لأن يكون الدستور العراقي "تعدديا، ويضمن احترام الأقلية رأي الأكثرية"، بالإضافة إلى مطالبته المنظمة الدولية "بدور مركزي" في مساعدة الشعب العراقي على "حكم نفسه".

والنشاط السياسي المفاجئ للسيد السيستاني، حمل مصادر شيعية عراقية على التساؤل عن الأسباب التي جعلت المرجع الشيعي الأعلى في النجف يفتح أبوابه في هذا الوقت بالذات، بعد إغلاقها قبل نحو مائة يوم بذريعة حماية أمنه الشخصي.

وبحسب المصادر الشيعية المذكورة، فإن تلك الأسباب لا بد أن تكمن في عموم الأوضاع السياسية العراقية، لكنها تتعلق خصوصا في حالة التشرذم السياسي والتنظيمي التي تأسر قوى "الشيعية السياسية" في العراق.

وبالطبع، فإن الظهور السياسي للسيد السيستاني يطرح سؤالا عن القوى السياسية وعن الإستراتيجية السياسية التي يمكن أن تفيد من هذا الظهور، لا سيما وأن المرجع السيد السيستاني رمز أساسي من رموز الحوزة الصامتة التقليدية.


اتسمت الشيعية السياسية بطلب السلطة بينما اتسمت الشيعية العراقية بالدأب في مواجهة الاحتلال الأجنبي وعدم الغلو في التشيع مع إدراكها وقوع العراق تحت حكم طائفي مذهبي غير معلن
الشيعية السياسية والشيعية العراقية
في إطار مجلس الحكم الانتقالي العراقي، الذي هو بحسب قرارات مجلس الأمن الدولي، إحدى أدوات الاحتلال الأميركي البريطاني نفسه، تتعدد قوى "الشيعية السياسية" التي تمارس "الحكم" الآن في العراق. وضمن هذا التعدد تبرز ثلاث قوى أساسية، هي أولا، "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق" الذي يقوده آل الحكيم. ثانيا، "حزب المؤتمر الوطني" الذي يقوده آل الجلبي. ثالثا، جناح "حزب الدعوة" بقيادة إبراهيم الجعفري.

ورغم حالة التشرذم السياسي والتنظيمي، وما يبدو أنه عدم تدخل من مرجعية السيد علي السيستاني، فإن قوى "الشيعية السياسية" تبدو حتى الآن، وكأنها قد اختطت إستراتيجية سياسية ثلاثية الأبعاد:

  • الأول: محاصرة التنظيمات والشخصيات الشيعية التي ترفض مجلس الحكم والاحتلال معا.
  • الثاني: المنهجية الطائفية في صوغ الحكم وممارسته.
  • الثالث: "أمركة" أو "تدويل" الأزمة العراقية.

أما العروة الوثقى التي تجمع أطراف الشيعية السياسية ضمن هذه الأبعاد الثلاثة، فهي "جنة" السلطة الدينية والسياسية.

وفي تاريخ العراق الحديث، حيث لم تكف الشيعية السياسية عن إبداء ضيقها (أو بالأحرى ضيق أفقها) التاريخي من الهيمنة السنية على السلطة السياسية، لاحظ أحد المفكرين العراقيين أن طلب السلطة بأي وجه كان الملمح الثابت الذي يكاد يختزل كافة ملامح الشيعية السياسية، ويسبغ عليها طابعا كوزموبوليتيا ساخرا.

وبالمقابل، فإن "الشيعية العراقية" التي أرسى لبناتها الأولى المرجعان العظيمان الشيخ مهدي الخالصي الكبير، ونجله الشيخ محمد الخالصي (1888-1963)، قد اتسمت بالدأب والصبر في مواجهة الاحتلال الأجنبي، ورفضت الغلو في التشيع مع إدراكها وقوع العراق تحت حكم طائفي مذهبي غير معلن. وفي تكوينها الفقهي والسياسي حرصت مرجعيات الشيعية العراقية على تأكيد الانتماء العربي والإسلامي، واستيعاب متغيرات الوضع الدولي.


حزب آل الحكيم يسدي خدمة جليلة الفائدة لقوات الاحتلال في العراق تتمثل بإضعاف "تيار مقتدى الصدر" وكافة التنظيمات السياسية الشيعية التي تنزع إلى التحرر والاستقلال الوطني
المجلس الأعلى وتدبير المناوشات
ومع استبعاد جناح إبراهيم الجعفري، عن الإسهام في مهمة محاصرة التنظيمات والشخصيات الإسلامية الشيعية التي تعارض مجلس الحكم وسلطة الاحتلال، وذلك أولا بسبب طبيعة التكوين العقائدي في "أجنحة" حزب الدعوة. وثانيا، نتيجة الموقف "الغامض" للجعفري نفسه وأركان قيادته من الاحتلال، فإن هذه المهمة تكون قد ألقيت بالفعل على عاتق حزب المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق التابع لآل الحكيم، لا سيما وأن حزب أحمد الجلبي لا يصلح لهذه المهمة، باعتباره من قائمة "الأحزاب العلمانية" التي تدرع ترس الاحتلال.

وترى مصادر شيعية عليمة أن "تاريخ" قيادة "المجلس الأعلى" يثبت أهليتها لتنفيذ ما أنيط بها. فقد دأب السيد محمد باقر الحكيم على "اضطهاد" عناصر وقيادات "حزب الدعوة" الذين لجؤوا إلى إيران بعد انتصار الثورة الإسلامية. وتشهد وثائق شيعية عراقية، نشرت مؤخرا، على السيد باقر الحكيم وهو يكرر بشأن حزب الدعوة، أنه "ينبغي القضاء عليه قبل صدام حسين".

وخلال إقامته الطويلة في إيران، عمد السيد باقر الحكيم إلى "تطهير" ما سمي بـ"فيلق بدر" وهو تشكيل عسكري يتبع لقيادته، من كافة "أنصار حزب الدعوة"، وكذلك من الكوادر والعناصر التي كانت منحت ولاءها إلى السيد الشهيد محمد صادق الصدر.

وعندما وصل إلى العراق أخيرا، نتيجة مساومة أميركية إيرانية لا تزال تكتمل، بدأ حزب آل الحكيم بتدبير المناوشات السياسية وإطلاق الشائعات الإعلامية والنفسية ضد أقوى التيارات السياسية الشيعية التي ترفض مجلس الحكم وسلطة الاحتلال، وهو التيار الذي يقوده السيد مقتدى الصدر.

وبسبب وقوع الوطن تحت الاحتلال، فإن أمر العلاقة بين حزب السيد باقر الحكيم والتيارات السياسية الشيعية التي ترفض خطه السياسي، لم يعد مرتبطا بالتنافس السياسي المحلي المشروع، وإنما يرتبط بماهية الموقف الوطني المشروع.

فالمهمة التي يسديها حزب آل الحكيم باعتباره أهم قوى الشيعية السياسية، تبدو جليلة الفائدة لقوات الاحتلال في العراق، إذ ترمي إلى إضعاف "تيار مقتدى الصدر"، وكافة التنظيمات والكتل السياسية الشيعية التي تخالف إستراتيجية الشيعية السياسية وتنزع إلى التحرر والاستقلال الوطني.

وضمن هذا السياق، يبدو لافتا ما ذكرته مصادر شيعية عليمة، عن أطراف "شيعية كويتية وعراقية"، تتواطأ مع المحتلين من أجل "خلق فتنة" داخل الصف الشيعي العراقي.

وثمة شائعات مصدرها هذه الأطراف، وتفيد بقيام مؤيدي مقتدى الصدر بـ"اختطاف" أحد المشايخ من مكتب السيد علي السيستاني، وسعيهم في "ملاحقة" محمد حسين الحكيم بن السيد محمد سعيد الحكيم. وهذه الشائعات ربما تترك آثارا، وكانت منتشرة قبل وقت غير قصير من وقوع ما قيل أنه محاولة اغتيال تعرض لها هذا الأخير.

ويضاعف من "بؤس الإستراتيجية" المذكورة، أن مناصرة المحتلين الأميركان والإنجليز، قد حملت قوى الشيعية السياسية على استجداء الشرعية السياسية لا من سبيل ترسيخ الوحدة الوطنية العراقية، وإنما من خلال توسل العصبيات الطائفية المذهبية، والعداء للروابط القومية العربية، حتى باتت تنزلق في منهجية طائفية مذهبية مهلكة.

والمنهجية الطائفية المذهبية، برأي مفكر عراقي بارز تستهدف "انغلاق" أتباع مذهب إسلامي ما "على أنفسهم، والسعي لاستئثارهم بالسلطة والحكم، بصرف النظر عن نوع هذا الحكم جاهليا كان أو إسلاميا، واتهام الآخرين من أصحاب المذاهب الإسلامية الأخرى بالكفر والضلال".

إن "النجاح" الذي تحرزه إستراتيجية الشيعية السياسية لا يحجب احتمال الغرق وأصحابها في المأزق السياسي والتاريخي لقوى الاحتلال، وذلك بسبب طبيعة أهداف الاحتلال الأميركي البريطاني نفسه، وهي أهداف نيوكولونيالية بحتة، باتت تصطدم بمقاومة وطنية عراقية سياسية وعسكرية متعاظمة ومتسعة. فقد سقط الصنم الديكتاتوري إلى غير رجعة، وبفضل هذه المقاومة لن يمضي وقت طويل، حتى ينجز درس آخر عن إخفاق الأمركة في إثبات نفسها، ناهيك عن جدواها.

فالظلاميون الأميركان يضطرون بعد خمسة شهور على سقوط بغداد إلى تحريك المشروع الرديف وهو "التدويل"، الذي لا يعني نهاية غزوتهم العدوانية إلى أرض الرافدين الطاهرة، وإنما خلق "واجهة" دولية تسبغ الشرعية الدولية والإقليمية والعربية على الغزو وتطيل أمد الاحتلال، بل وتعينه على تنفيذ أهدافه، كما تمنح قواته السلامة السياسية والعسكرية المطلوبة.

وترى مصادر شيعية عراقية، أن "الحضور السياسي للمرجع الشيعي الأعلى في النجف" السيد علي السيستاني، لا بد وأن يجعله في مواجهة أحد التيارين السياسيين الرئيسيين اللذين يرتسمان فوق "الخارطة السياسية الشيعية في العراق" أي تيار "الشيعية السياسية" المتواطئ مع الاحتلال أو الراضخ له، مقابل تيار "الشيعية العراقية" الرافض أو المقاوم للاحتلال.


كرس المرجع الشيعي محسن الحكيم والد السيد محمد باقر الحكيم تقليد "الاستقواء بسلطة الخارج" مجسدة بحكومة شاه إيران ضد سلطة الداخل السنية، وضد العلماء والطلاب الشيعة الذين حاولوا الخروج الفقهي والسياسي على خط الحوزة التقليدية
لعبة الشرعية الدينية والسياسية
ومعلوم أن الظروف والعوامل المختلفة التي مكنت مرجعيات "الحوزة الصامتة" من أن تبسط "ظلها" الفقهي والسياسي لدى عموم الشيعة في العراق وخارجه، قد بدأت بالزوال قبل استسلام النظام العراقي السابق بأمد بعيد، وذلك بفضل بسالة "الفقهاء الجدد" العراقيين من أمثال السيدين الشهيدين محمد باقر الصدر ومحمد صادق الصدر، ونتيجة انتصار الثورة الإسلامية في إيران، والدور الاجتماعي السياسي الثوري لـ"الفقهاء الجدد" الشيعة في لبنان.

كذلك، فإن الفراغ المرجعي الذي بدأ يبرز في حوزة النجف الأشرف منذ بدء الاحتلال، سوف يعجل في صيرورة ونهوض مرجعيات "الحوزة الناطقة" في العراق. خصوصا بعدما تأكد أن دعوة السيد مقتدى الصدر إلى آية الله كاظم الحائري للعودة إلى العراق، كانت صرخة في واد، وأن الحائري لا يتمتع بالصفات القيادية السياسية والتنظيمية المطلوبة.

لذلك، تقدر المصادر الشيعية العراقية، أن يكون الحضور السياسي المفاجئ للسيد علي السيستاني، جزءا من "لعبة" سياسية تديرها أوساط معينة في حاشية المرجع السيد السيستاني، بالاتفاق مع حزب آل الحكيم، بغية تعزيز الشرعية الدينية والشعبية لقوى "الشيعية السياسية" المتواطئة مع الاحتلال. بحسبان أن الانتماء إلى "حوزة الفقه التقليدي" ومواجهة "حوزة الفقه التجديدي" يؤلفان قاسما مشتركا بين السيد السيستاني والسيد باقر الحكيم، رغم التنافس على زعامة المرجعية الذي يمكن أن يقع بينهما.

فالسيد السيستاني برأي المصادر المذكورة، قد "أصبح الضالة المنشودة للسيد باقر الحكيم مع بروز ظاهرة مقتدى الصدر، وذلك لظن الحكيم بأن مرجعية السيد السيستاني يمكن أن تدعم سياسة حزب آل الحكيم" القائمة على التواطؤ مع الاحتلال. علما بأن السيد السيستاني وهو من أصل أفغاني-بلوشي، سيكون وفريقه الطرف الأضعف في هذه "اللعبة السياسية" التي يديرها آل الحكيم.

وما يرجح هذا التقدير عن حاجة حزب المجلس الأعلى إلى مزيد من الشرعية الدينية والسياسية لتغطية نهجه الفقهي-السياسي، عجز الظلاميون الأميركان عن إنجاز خطوات جديدة في مشروعهم النيوكولونيالي "تتعدى إزالة النظام الديكتاتوري السابق، وتدمير الدولة العراقية، وإفشاء الفوضى والاضطراب في المجتمع العراقي".

وتحذر المصادر الشيعية العراقية من مغبة أن يكون "المرجع الشيعي الأعلى" السيد السيستاني بنشاطه السياسي المفاجئ الذي باشره، يكرر مع السيد مقتدى الصدر وسائر تيارات الشيعية العراقية الراهنة، تجربة بعض المراجع في العشرينات من القرن الميلادي الماضي.

فمن المعلوم إذاك، أن المرجعين الشيعيين الكبيرين الأصفهاني والنائيني، اللذين كانا إيرانيي الجنسية، ومقيمين في النجف الأشرف، قد آثرا أن يحافظا على "امتيازاتهما" المادية والمعنوية ويمتنعا عن أي نشاط سياسي معاد للكولونيالية البريطانية في العراق، وبذلك أضعفا، إن لم يكن قد أحبطا، الدور الجهادي الوطني والقومي للشيخ مهدي الخالصي الكبير، وولده محمد، وهما عربيان عراقيان تم نفيهما إلى إيران. وهذا الحدث الخطير وصفه مفكر عراقي مرموق، بأنه أصل في نشوء "أزمة القيادة الإسلامية الشيعية في العراق الحديث".

وفي نصوص عراقية نشرت حديثا، يتضح أن السيد باقر الحكيم وأشقاءه الذين يقودون حزب "المجلس الأعلى"، لا يجسدون مفهوم "الوطنية العراقية" البتة، ليس بسبب مشاركتهم في الحرب العراقية-الإيرانية ضد الجيش العراقي، وحيازتهم الجنسية الإيرانية، وإنما بسبب تكوينهم الفقهي السياسي، وذهنية البيئة العائلية.

فالمرجع الشيعي الكبير السيد محسن الحكيم، وهو والد السيد محمد باقر الحكيم وإخوانه قادة حزب المجلس الأعلى، هو الذي كرس تقليد "الاستقواء بسلطة الخارج" مجسدة حينئذ، بدولة وحكومة شاه إيران، ضد سلطة الداخل السنية، وضد العلماء والطلاب الشيعة الذين حاولوا الخروج الفقهي والسياسي على خط "الحوزة التقليدية"، بما في ذلك السيد الشهيد محمد باقر الصدر، والسيد آية الله الخميني، وقد عاد أنجاله اليوم إلى تطبيق هذا التقليد.

وبما أن الشاه الإيراني قد صار مجرد "وصمة عار" أخرى في تاريخ الظالمين والمجرمين، فلا بأس من الاستقواء بالشاهنشاه الأميركي جورج بوش الابن ولي الظالمين والظلاميين في عالم اليوم.
ــــــــــــــــــ
* كاتب لبناني

* ملاحظة:
كتب هذا المقال قبل اغتيال السيد محمد باقر الحكيم في مدينة النجف الأشرف

المصدر : الجزيرة