بقلم: خالد الحروب*

- الإشكاليات القانونية وشكل المحكمة
-
القضية المرفوعة ضد ميلوسوفيتش
- انتقادات قانونية للأبعاد السياسية للمحاكمة
- انعكاسات مستقبلية واحتمالات تكرار السيناريو

تتميز محاكمة الرئيس اليوغسلافي السابق سلوبودان ميلوسوفيتش بجوانب إشكالية قانونية وسياسية وبنوع من التفرد التاريخي، لكونها أول محاكمة من نوعها لرئيس دولة سابق أمام محكمة دولية يتم الاحتكام فيها إلى أنظمة قضائية لا علاقة لها بدولة المتهم ولا محاكمها.

الإشكاليات القانونية وشكل المحكمة

من ناحية قانونية شكلية يقف ميلوسوفيتش أمام محكمة اسمها "المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة" والمعروفة بـ "محكمة جرائم الحرب في يوغسلافيا السابقة" وقد أنشأتها الأمم المتحدة في مايو/ أيار 1993 بقرار خاص (رقم 827)، وهدف المحكمة هو تحديد جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة والانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان ومعاقبة مرتكبيها أثناء الحرب الدامية في يوغسلافيا السابقة, ومنذ تاريخ تأسيسها أصدرت أحكاما عديدة بحق عسكريين صرب وكروات وبوسنيين أدينوا بجرائم حرب.

ومن ناحية تاريخية تعتبر هذه المحكمة هي الأولى التي يتم تشكيلها من قبل الأمم المتحدة، على غرار محكمتي نورنبرغ وطوكيو اللتين شكلهما الحلفاء بعد هزيمتة ألمانيا واليابان في الحرب العالمية الثانية عام 1945 لمحاكمة المسؤولين الألمان واليابانيين الذين ارتكبوا جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ولكن لم يسبق أن تعرض رئيس دولة للوقوف أمام مثل هذه المحاكم. كما أعقب هذه المحكمة تشكيل محكمتين أخريين الأولى لمحاكمة مجرمي الحرب في راوندا عام 1995م والثانية لمحاكمة مجرمي الحرب في سيراليون عام 2001م.

مقبرة جماعية في قاع نهر درينا في البوسنة

حق التدخل الإنساني
ومن زاوية نظرية بحتة تعتبر محاكمة ميلوسوفيتش تكريسا لأبعاد جديدة من مبدأ "حق التدخل الإنساني" الذي صارت الأمم المتحدة تتبناه أكثر فأكثر بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.

وهذا المبدأ الذي طبق في شمال العراق لحماية الأكراد، وفي البوسنة وكوسوفو ورواندا، وقبل ذلك في الصومال يعني إعطاء الأمم المتحدة, مجسدة في مجلس الأمن, صلاحية التدخل العسكري في أي منطقة من مناطق العالم, ومن دون انتظار موافقة البلد الذي سوف يتم التدخل فيه.

والهدف المعلن من التدخل هو الحد من انتهاكات حقوق الإنسان التي قد يكون المتسبب فيها نظام الحكم في البلد المعني, أو دولة مجاورة أو أطراف متحاربة داخل ذلك البلد.

والشيء الجوهري في هذا المبدأ هو تجاوز قانون سيادة الدولة وتقديم حقوق الإنسان عليها, بخلاف ما كان عليه العرف الدولي خلال العقود الماضية حتى نهاية الثمانينيات من القرن العشرين، فآنذاك لم يكن يحق للأمم المتحدة أو لأي أطراف خارجية التدخل من أجل وقف انتهاكات حقوق الإنسان في أي بلد حتى لو وصل الأمر إلى إبادة الملايين, كما حصل في المثال الكمبودي الشهير خلال حكم الخمير الحمر بزعامة بول بوت في السبعينيات من القرن الماضي.

غير أن الوجه الإنساني لقانون "حق التدخل الإنساني" تشوه باكرا بسبب ازدواجية التطبيق وعدم وضوح مسببات التدخل ومتى يتم وكيف ومن الذي يحدد أن الانتهاكات وصلت إلى حد غير مقبول. ومحاكمة ميلوسوفيتش هي فرع من هذا المبدأ ومن هنا كانت أهمية الربط بينهما.

خصوص وعموم
تعقد "محكمة جرائم الحرب في يوغسلافيا السابقة" جلساتها في لاهاي في هولندا، ولهذا فإن البعض يخلط بينها وبين "محكمة العدل الدولية" التي مقرها لاهاي أيضا.. والواقع أنه لا علاقة بينهما وهناك فرق قانوني كبير بينهما، فـ"محكمة العدل العليا" محكمة دولية دائمة وتنظر في أي قضية تعرض عليها, لكن "محكمة جرائم الحرب في يوغسلافيا السابقة" مؤقتة وصلاحيتها محدودة كما يوضح اسمها. والاختلاف الثاني هو أن "محكمة العدل الدولية" لا تستطيع النظر في أي قضية ما لم تقبل الدولتان أو الدول المتقاضية اللجوء إليها والالتزام المسبق بالقبول بنتيجة الحكم الذي تصل إليه المحكمة (كما كان واضحا في الخلاف بين قطر والبحرين الذي رفع إلى المحكمة ووافقت الدولتان على الحكم الصادر عنها).

وتركز "محكمة العدل الدولية" على التأكيد على "سيادة الدول" وأن المحكمة لا تستطيع أن تفرض حكما من قبلها ضد أي دولة لا تقبل مسبقا بعرض قضيتها على المحكمة أو تقبل بحكمها.

في المقابل فإن "محكمة جرائم الحرب في يوغسلافيا السابقة" لا تشترط قبولا مسبقا من أي دولة أو طرف ترى المحكمة ضرورة مساءلته أو محاكمته، وبهذا فهي عمليا تضع شرط "سيادة الدول" جانبا، وهو الأمر الأكثر خلافية وجدلا في البعد القانوني للمحكمة، ومن هذه الزاوية فإنها تعتبر تطورا كبيرا في القانون الدولي الذي يعتبر أن سيادة الدول هي حجر الأساس الذي تقوم عليه العلاقات الدولية، أما الآن فإن الإزاحة التي حدثت لمبدأ "سيادة الدول" كأساس للتقاضي الدولي وتقديم رأي الأمم المتحدة على سيادة دولة معينة يعتبر سابقة تاريخية. كما أنها محكمة جنائية تصدر عقوبات، ومحكمة العدل الدولية ليست كذلك.

الشكل الإداري
من ناحية الشكل الإداري فإن "محكمة جرائم الحرب في يوغسلافيا" تتكون من 14 قاضيا يتوزعون كالآتي: قاضيان من آسيا, وثلاثة من أفريقيا, وقاض من كل من أميركا الشمالية ومنطقة الكاريبي وأستراليا, وأربعة قضاة أوروبيون, وقاضيان من أميركا اللاتينية, ويترأس المحكمة القاضي الفرنسي كلود جوردا, وتقود هيئة الادعاء القانونية السويسرية كارلا ديل بونتي. ويساند هؤلاء القضاة طاقم موظفين يبلغ 730 موظفا وميزانية سنوية مقدارها 94 مليون دولار.

القضية المرفوعة ضد ميلوسوفيتش

في تاريخ 27 مايو/ أيار 1999 أصدرت "محكمة جرائم الحرب في يوغسلافيا السابقة" قرارا يتهم ميلوسوفيتش بصفته رئيس يوغسلافيا الفدرالية وأربعة آخرين من كبار قيادات حكومته وجيشه بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وانتهاك قوانين الحرب بشأن المدنيين، وهؤلاء الأربعة هم ميلان ميلتينوفيتش رئيس صربيا, ونيكولا سينوفيتش نائب رئيس الوزراء في يوغسلافيا الاتحادية, ودراغولجوب أوجدانيتش رئيس هيئة أركان جيش يوغسلافيا الاتحادية, وفالجكو ستوجلكوفيتش وزير الداخلية الصربي.

وقد تضمن قرار الاتهام إليهم إصدار أوامر إلى الجيش اليوغسلافي تقضي بقتل مدنيين ألبان في كوسوفو وتعذيب آخرين وتدمير ممتلكاتهم وتشريدهم من قراهم ومدنهم تحت قوة السلاح.

وقد أصدرت المحكمة أمرا وجهته إلى الدول الأعضاء في الأمم المتحدة وكذلك إلى قوات الناتو العاملة تحت راية المنظمة الأممية في كوسوفو وصربيا يقضي باعتقال المتهمين من أجل مثولهم أمام العدالة.

انتقادات قانونية للأبعاد السياسية للمحاكمة

رئيسة الادعاء في محكمة جرائم الحرب كارلا ديل بونتي
انتقد عدد من القانونيين الدوليين الأساس القانوني لفكرة تشكيل "محكمة جرائم الحرب في يوغسلافيا" بسبب إخلالها بسيادة الدول وشككوا في حيادها وركزوا الأنظار على ارتباطها بمصالح الدول الغربية الكبرى، ومن أبرز الأصوات المنتقدة للمحكمة وتشكيلها ومحاكمتها لميلوسوفيتش البروفيسور جيانمنغ شن, أستاذ القانون الدولي في جامعة سانت جونز في الولايات المتحدة, الذي وجه عدة رسائل إلى رئيسة هيئة الادعاء في المحكمة كارلا ديل بونتي المعروفة بقوة شخصيتها وصرامتها وكتب أكثر من مرة مبينا منتقدا "تسييس المحكمة وعدم حيادها".

  • التخلص من التحالف الصربي- الروسي
    الانتقاد الأول وهو الرئيسي وجه للحرص الأميركي والأوروبي على محاكمة ميلوسوفيتش ويرتكز على أن للمحاكمة أبعادا سياسية تكاد تساوي -إن لم تتغلب- على الأبعاد القانونية الموجودة والقوية في القضية.
    والبعد السياسي الأهم يتمثل في مواصلة الضغط على "القوميين الصرب" داخل صربيا نفسها وإضعافهم سياسيا ومعنويا بمحاكمة الرمز الأهم لهم وبالتالي تقوية خصومهم بما يقلل من فرص عودة القوميين إلى الحكم وبالتالي إزعاج أوروبا والولايات المتحدة.
    والإزعاج الأكبر الذي يريد الغرب التخلص منه, عبر التخلص من النفوذ القومي الصربي, هو احتمالات تقوية العلاقات الصربية-الروسية ووصولها إلى مستويات إستراتيجية مستقبلا. ومن هنا فإن الولايات المتحدة مهتمة بإدماج صربيا في برامج المساعدات الغربية وربطها بصندوق النقد والبنك الدوليين بشكل يضمن بقاءها في الفلك الغربي أو قريبة منه على الأقل.
  • ازدواجية في النظر للجرائم
    الانتقاد الثاني الذي يشير إليه منتقدو "محكمة جرائم الحرب في يوغسلافيا السابقة" وكذا محاكمة ميلوسوفيتش نفسها، هو الازدواجية في النظر إلى الجرائم المرتكبة بحق الإنسانية ورغبة الغرب في الظهور بمظهر الحريص على متابعة هذا النوع من الجرائم عندما تكون في أوروبا بينما يقل الاهتمام أو ينعدم عندما يتعلق الأمر بجرائم حرب خارج الفضاء الغربي مثل أفريقيا أو آسيا.
    ويشار هنا إلى أن كلفة محاكمة جرائم الحرب في يوغسلافيا برعاية الأمم المتحدة المالية, والتي بدأت إجراءاتها العملية منذ سنة 1993, تجاوزت الآن نصف مليار دولار رغم أن الأمم المتحدة فشلت في جمع مبلغ لا يتجاوز 114 مليون دولار وهي الكلفة التقديرية لإنشاء محكمة جرائم حرب خاصة بالحرب التي وقعت في سيراليون، حيث ما زال كثير من "مجرمي الحرب" طليقين ويتمتعون بحرية كاملة.
    وفي هذا السياق يقول القاضي ريتشارد غولدستون, من جنوب أفريقيا, والذي شغل أيضا منصب المدعي العام في محاكمات جرائم الحرب في يوغسلافيا السابقة "إن محاكمة ميلوسوفيتش إنما هي محاكمة سياسية أكثر منها قانونية, وإنه من المخجل أنه لم يتم جمع إلا القليل من المال لإقامة محكمة جرائم حرب في سيراليون".
    كما يدلل المنتقدون على سيطرة الازدواجية في النظر إلى جرائم الحرب من قبل المحكمة بالإشارة إلى ما يرونه "جرائم حرب", بحسب وصف البروفيسور جيانمنغ شن, ارتكبها حلف الناتو خلال أسابيع القصف الجوي ضد صربيا أثناء حرب كوسوفو.. ويقول شن إن طائرات الحلف قصفت مدنيين ومنشآت مدنية عن قصد وباعتراف قادة عسكريين غربيين وتسببت في مقتل مئات من الأبرياء وإن هذا يقع في نطاق جرائم الحرب التي من المفروض أن المحكمة تناقشها وتحاكم المسؤولين عنها, لكنها ترفض حتى مجرد الاستماع إلى هذا الرأي.
  • ترتيب أوضاع البيت الأوروبي الداخلي
    والانتقاد الثالث متعلق بالحرص الأوروبي الشديد على "ترتيب أوضاع البيت الأوروبي الداخلي" والذهاب إلى آخر الشوط في هذا المسعى, بما في ذلك محاكمة رؤساء دول ترى أوروبا أنهم أقرب إلى حقبة النازية والفاشية الأوروبية أو أقرب إلى نمط بعض زعماء العالم الثالث ممن يجب ألا يقبلوا في الفضاء الأوروبي المتحضر.
    وإذا كان مقبولا لدى أوروبا والولايات المتحدة وجود قادة من نوع ميلوسوفيتش في بقية مناطق العالم فإن هذا الأمر بات يعتبر تخطيا للخطوط الحمر في الغرب الذي يريد أن يبدو النموذج الذي ترنو إليه أنظار الآخرين.. وهنا يشير النقاد إلى وجود عدد من زعماء العالم, وقادة سياسيين وعسكريين, يمكن أن يصنفوا "مجرمين ضد الإنسانية" بسبب الممارسات التي قاموا بها سواء ضد شعوبهم أو ضد أقليات معينة لكن الغرب تعامل معهم بوصفهم رؤساء ودبلوماسيين يستحقون الاحترام، ومن هؤلاء جنرال تشيلي بينوشيه والرئيس الإندونيسي السابق سوهارتو, ورئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي أرييل شارون.
    فحالة بينوشيه تشرح تساهل الغرب إزاء المسؤولين عن جرائم ضد الإنسانية حينما تكون خارج أوروبا, وقد توضح هذا من خلال حادثة احتجاز بينوشيه في بريطانيا، فقد استطاعت منظمات حقوق الإنسان الضغط على إسبانيا للمطالبة باعتقاله خلال زيارته لبريطانيا قبل سنتين, مما أدى إلى قضائه عدة شهور تحت الإقامة الجبرية في بريطانيا بناء على طلب ادعاء إسباني لتسليمه ثم لمحاكمته عن جرائم جماعية اعتبر مسؤولا عنها. لكن مع ذلك لم تستجب لندن للطلب وأعادته للأرجنتين لدوافع سياسية بحتة, منها "احترام" تاريخ بينوشيه وعدم طعنه من الخلف، خاصة وقد لعب دورا مساعدا إلى جانب بريطانيا في حرب الفوكلاند ضد الأرجنتين عام 1982، ولم ترد لندن إخافة "حلفائها" من حكام العالم الثالث بظهورها في مظهر من يتخلى عنهم وقت الشدة, وبذلك تخسرهم في وقت مبكر.. ويذكر أن بينوشيه الذي حكم تشيلي لمدة 17 عاما تسبب في مقتل أو اختفاء أكثر من ثلاثة آلاف مدني.
    كما يقدم سوهارتو تأكيدا آخر على غلبة العناصر السياسية والتحالفية على القانونية في النظر والتعامل مع زعماء العالم الثالث الذين تدينهم منظمات حقوق الإنسان.. فخلال حكمه الطويل (33 عاما), والمؤيد من قبل الغرب, والذي انقلب على أحمد سوكارنو أحد قادة ومؤسسي حركة عدم الانحياز في الخمسينيات من القرن العشرين عام 1965/1966, تسبب سوهارتو في مقتل أكثر من 200 ألف مدني في تيمور الشرقية خلال سنوات وتمتع بغض النظر الغربي طيلة تلك الفترة بسبب وقوفه ضد النفوذ السوفياتي في شرق وجنوب شرق آسيا.
    وتنطبق نفس النظرة الازدواجية على نمط التعامل الغربي مع شارون والتغافل عن دوره في مجازر صبرا وشاتيلا وحتى عن الإدانة التي وجهتها له المحكمة الإسرائيلية العليا وحملته بناء عليها جزءا من المسؤولية عن تلك المجازر.
    على ذلك من الواضح أن الانتقادات الواردة أعلاه التي تقارن بين حالة ميلوسوفيتش والحالات الأخرى توضح غلبة الاعتبارات السياسية، وبغض النظر عن وجاهة هذه الاعتبارات أو عدم وجاهتها, فإنها تظل اعتبارات سياسية وليست قانونية في النظر والتعامل مع قضية هامة ومفصلية مثل محاكمة رئيس دولة أمام محكمة دولية، وتمثل هذه الاعتبارات الجوانب الرخوة في محاكمة ميلوسوفيتش على رغم التأكيد بأن هذا لا يقلل من قانونية استحقاقه المحاكمة والعقاب على جرائم الحرب التي قام بها.

انعكاسات مستقبلية واحتمالات تكرار السيناريو

من المؤكد أن محاكمة ميلوسوفيتش تفتح الآن ملفا واسعا وخلافيا في القانون الدولي العام وفي نمط العلاقات الدولية.. فمن ناحية إنسانية صرفة تمثل هذه المحاكمة نقطة انعطاف مهمة لصالح حقوق الإنسان في العالم, وتحذيرا قويا لكل الزعماء في العالم بأنهم لم يعودوا بمنأى عن يد المحاسبة.. لكن من ناحية عملية يثير هذا الانعطاف إشكالات كبيرة وشكوكا عميقة متعلقة بالتطبيق وانعدام الحيادية والانتقائية في التعامل مع الحالات.
ومما لا شك فيه أن إيجاد توازن دقيق بين المطالب الحقيقية والإنسانية لمحاسبة مقترفي جرائم الحرب والانتهاكات ضد الإنسانية ومصالح الدول الكبرى التي تعود إليها في نهاية المطاف صلاحية إنشاء محاكم خاصة لمحاكمة هذا الزعيم أو ذاك, عبر مجلس الأمن, تبدو صعبة جدا إن لم تكن مستحيلة.

صدام حسين
شارون وصدام في الطريق:
ولعل الاختبار الأوضح للتوجه العالمي نحو محاكمة المسؤولين عن جرائم الحرب يبرز في الدعوات إلى محاكمة أرييل شارون رئيس الوزراء الإسرائيلي بسبب مسؤوليته عن مجازر صبرا وشاتيلا وصدام حسين الرئيس العراقي بسبب مسؤوليته عن مجازر حلبجة والأنفال ضد الأكراد.

صحيح أن حملات منظمات حقوق الإنسان في الحالتين متركزة في الوقت الحاضر على الضغط على القضاء البلجيكي لإجراء محاكمات ضد الاثنين بناء على قانون خاص هناك يسمح بمحاكمة مجرمي الحرب حتى لو كانوا من دولة أخرى، وصحيح أن ذلك القانون قد طبق في حالات جرائم حرب في رواندا وبورندي وقد صدرت أحكام ضد متهمين محددين.
لكن المشاهد حاليا أن مطالبات محاكمة الزعماء تنتقل من مرحلة الطلب من القضاء البلجيكي لإجراء المحاكمات إلى مطالبة الأمم المتحدة لإجراء مثل هذه المحاكمات، وهنا ليس من المتوقع أن توافق الدول الكبرى على مجرد طرح فكرة محاكمة شارون أمام محكمة جنائية دولية بتهمة اقترافه جرائم حرب, لكنها ستتساهل جدا -إن لم تتبن- إجراء محاكمة للرئيس العراقي صدام حسين.

بداية التراجع البلجيكي

أرييل شارون
وإذا أردنا أن نستأنس بسير المحاكمة في بلجيكا ضد شارون فإن ذلك التوقع يأخذ صدقية أكثر.. ففي بلجيكا ظهرت أصوات تطالب بتعديل القانون بحيث لا يتيح إدانة أو محاكمة رؤساء الدول أو الوزراء خلال فترة خدمتهم, مما قد يقطع الطريق مسبقا على أي ضرر ولو معنوي يمكن إلحاقه بشارون.. ومع وجود الانحياز الأميركي لإسرائيل في المحافل الدولية والقانونية, وبالتالي الاستعداد الدائم لتخليص إسرائيل من أي مأزق قضائي, فإن حيادية أي قانون إنساني يكون هدفه محاكمة مجرمي الحرب في العالم تظل بعيدة إن لم تكن مستحيلة.

لكن هذا لا يعني أننا لسنا على أعتاب مرحلة جديدة سوف تشهد محاكمات قادمة لمتهمين بجرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية, سواء أكانوا مجرمين حقا أم أبرياء, لكنهم في الحالتين لا يحظون بالدعم السياسي أو التحالف الغربي المطلوب الذي يحميهم من وطأة التحول الجديد.

ــــــــــــ
* زميل زائر: مركز الدراسات الشرق أوسطية, جامعة كامبردج

المصدر : غير معروف