بقلم/عبد السلام رزاق

-من السلفية الوطنية إلى السلفية الجهادية
-إعدامات وأحكام بالمؤبد.. ولكن!؟
-سيناريو للمستقبل

يكاد يجمع العارفون بخبايا التركيبة المذهبية والسياسية للمغرب أن هذا البلد شكل
ولعقود طويلة حالة استثناء خاصة على المستوى الأمني, وأن حالات التشنج المذهبي الذي عرفته بعض الدول العربية والإسلامية في السنوات الأخيرة أبعد من أن يجد له صدى في بلد عاش أهله على وحدة المذهب المالكي والإجماع حول الملكية الدستورية.

وعلى هذا الأساس فإنه لا أحد كان يتصور أن يأتي يوم على المغرب يجد فيه نفسه هدفا لعمليات انتحارية كتلك التي هزت خمسة مواقع في مدينة الدار البيضاء في ليلة 16 مايو/ أيار الماضي. ولعل فجائية الحدث وخسائره المادية والرمزية هي ما فسرت وبصورة واضحة حالات الاستنكار الجماعي التي عمت الشوارع المغربية بعيد التفجيرات.

ومهما يكن من أمر فإن العمليات الانتحارية غير المسبوقة وما خلفته من ردود فعل قوية أكدت بالفعل أن المغرب دخل مرحلة الفصل والتمييز بين مغربين:

  • مغرب القبول بالتناقضات السياسية والاجتماعية والتعايش معها وفق منطق جبري موغل في القدرية.
  • مغرب آخر تشرب في وقت وجيز جرعات عميقة من رفض سياسة القبول الدائمة, والدخول في طرح وتنفيذ البدائل، وإن بدت أكثر سوداوية وكاريكاتورية وفي أحايين كثيرة لا تستند على خلفية واضحة.

والمؤكد أن هول الحدث ونتائجه نزل كالصاعقة على المعنيين بالتحول السياسي والاجتماعي للبلد وأربكت أوراقهم كثيرا، ففي الوقت الذي ذهب فيه بعض إلى الجزم بأن هؤلاء الشباب قد خضعوا فعلا لعملية غسل ذهني امتد لسنوات طويلة بعيدا عن عيون الأجهزة الأمنية ورقابتها الصارمة, وأن ما ما قاموا به من أعمال لم يكن لوجه الله خالصا, بل شكل خطوة أولى في مسلسل مواجهة محمومة بين الاختيارات السياسية للدولة والنشطاء الإسلاميين المنتمين لحركة السلفية الجهادية، فإنه من منظور مغاير ذهب بعض آخر إلى أن تلك الأحداث المأساوية مجرد صرخة مجتمعية ضد عقود من التهميش طالت تلك الفئات المحرومة وأنها طريقة استثنائية للاحتجاج ضد التوزيع غير العادل للثروة.

وفي ما يمتلك كل طرح من الطرحين درجات معينة من التماسك المنهجي في قراءة الواقع الاجتماعي والسياسي لقضية التفجيرات فإن الوجود الفعلي والتنظيمي ومدى تأثير تيار السلفية الجهادية في المشهد السياسي المغربي ما يزال مثار نقاش مغلف بالكثير من الخلافات السياسية والقناعات المذهبية.


لم تكن السلفية المغربية في بداية ظهورها سوى تيار إصلاحي يفعَّل سياسيا ودينيا داخل التجربة المغربية، لكن مسار الأحداث بعد تفجيرات الدار البيضاء يؤكد ضلوع أياد خارجية في تشكيل هذا التيار الجهادي

من السلفية الوطنية إلى السلفية الجهادية
طوال عقد السبعينيات من القرن الماضي ظل أقطاب التيارات الإسلامية في المغرب شخصيات معروفة لدى الدوائر الأمنية وخطواتهم العملية محسوبة ومتحكم فيها، بل إن بعضها ما كانت لتنفي حالة الخدمة المزدوجة التي كانت تربطها مع أجهزة الدولة خاصة جماعة التبليغ.

وطوال تلك المدة من نشاط الحركات الإسلامية لم يسمع قط عن تيار أخذ تسمية السلفية الجهادية، إلا أنه مباشرة بعد التفجيرات أعلنت وزارة العدل المغربية المعني المباشر بملفات التفجيرات أن المتورطين في العمليات الانتحارية والمشاركين في الإعداد لها ينتمون إلى تيارات سياسية إسلامية معروفة لها حضور في الساحة من قبل وهي:

  • تيار السلفية الجهادية بـ699 ناشطا.
  • الهجرة والتكفير بـ119 ناشطا.
  • تنظيم القاعدة بـ11 ناشطا.
  • جماعة الصراط المستقيم بـ17 ناشطا.
  • الشيعة بستة نشطاء.

كل هذه التوصيفات والأرقام بدت للمراقبين السياسيين بعيدة كل البعد عن الواقع, وسعت الجهات الأمنية في الدولة إلى وضع جميع تلك التيارات في خانة واحدة ووحيدة هي السلفية الجهادية, وذلك طلبا لاختصار الطريق وطي الملف بصورة سريعة.

لم تكن السلفية المغربية في بداية ظهورها في الساحة السياسية المغربية منذ بداية
القرن الماضي سوى تيار إصلاحي يفعل سياسي وديني من داخل أتون التجربة
المغربية الخالصة لمقاومة المستعمر الفرنسي, وما مسيرة كل من محمد بن العربي العلوي والمختار السوسي وعبد الله كنون إلا نماذج مصغرة لتأكيد حالة التعالق العضوي بين التيار السلفي والحركة الوطنية المغربية.

لكن يبدو أن السلفية الجهادية بالمغرب ورغم صعوبة قبولها كتيار قائم بذاته، فإن المسار الحقيقي للأحداث يقود إلى الاقتناع بأن وجود هكذا تيار لا يعدو أن يكون أطروحة سياسية وإعلامية تمت صناعتها داخليا بعيد التفجيرات, دون أن يعني نفي أياد خارجية في كل ما حدث، وأن الذين صنعوها استفادوا من المقاربات
المقترحة في هذا الباب والمرتبطة بأحداث ما بعد 11 سبتمبر/ أيلول وتداعيات الحرب الأميركية ضد أفغانستان والعراق, واستمرار التمركز الأجنبي في أكثر من موقع في البلاد العربية والإسلامية.

وكانت التحقيقات الأمنية المغربية قد ذهبت أكثر من ذلك وكشفت علنا أن تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن كان وراء الحادثين، وأن أبو مصعب الزرقاوي هو العقل المدبر لما وقع في الدار البيضاء. لكن يبدو أن هذا الطرح لا يستقيم كثيرا أمام الاعترافات التي أدلى بها الانتحاريون الذين عدلوا عن فكرة التفجير في آخر لحظة، فجميعهم رفض أمام المحكمة وبصورة قطعية معرفتهم بتيار السلفية الجهادية، وأكدوا انتماءهم إلى "أهل السنة والجماعة" الذي يعني في عرف أقطاب الفكر الإسلامي عامة المسلمين, وأن ما قاموا به يندرج في باب الأمر بالمعروف النهي عن المنكر وإصلاح المجتمع وتحصينه أمام الحملات التغريبية.

كل هذه التصورات بدت للأجهزة الأمنية المغربية أفكارا دخيلة, وأن نشرها سيشكل
تهديدا لخصوصيات المذهب المالكي الذي أسهم على مدى 14 قرنا في تقوية المجتمع المغربي, وتجنيب المغاربة الدخول في طائفية لا مكانة لها في بلد اعتاد تبني سياسة الوسطية والاعتدال. لكن في مقابل كل ذلك فإن صيغ المواجهة التي اعتمدت للتصدي لتلك الأطروحات كشفت مرة أخرى أن التركيبة المذهبية المغربية والقوى السياسية التي تؤطرها تقوم على رفض أي مذهبية جديدة من شأنها أن تهدد حالة الانسجام الحاصلة، ومن ثم فإن الدعوات التي روج لها حول التكوين المذهبي والسياسي الذي خضع له بعض الذين حوكموا وتجربتهم في أفغانستان، تؤكد وقوع المغرب تحت تأثير تيار مذهبي جديد نهل أصحابه من اختيارات تنظيم القاعدة عبر تطعيم أطروحته الجهادية بجرعات من الوهابية السعودية، وهذا ما فسر حالة الاستنفار القصوى التي ووجه بها نشطاء السلفية الجهادية بالمغرب، والهدف طبعا كان هو الحفاظ على وحدة المذهب المالكي في المغرب وقطع الطريق أمام أي اكتساح متوقع لمذهبية جدية.

لقد كان لقراءة ردة فعل القصر الملكي وتأكيد الخطاب الملكي في 29 مايو/ أيار بعيد التفجيرات بأن المغرب "لا يمكنه أن يتساهل بعد اليوم مع أعداء الديمقراطية, وأن بناء المجتمع الديمقراطي الحداثي خيار لا رجعة فيه" تأثيرا خاصا على السير العام لمستقبل الأحداث، فهذه الإشارة التي تحتمل الكثير من الدلالات خولت لبعض التيارات السياسية الدخول في مواجهة محمومة مع جميع التوجهات الإسلامية أيا كانت ألوانها, بل من تلك التيارات من ذهب أصحابها إلى تحميل المسؤولية المعنوية لحزب العدالة والتنمية, وهو ما نال كثيرا من حالة الانتعاش التي سجلها الحزب الإسلامي الوحيد المعترف به في الساحة السياسية, الذي تمكن بالرغم من خضوعه لقوانين اللعبة الداخلية من النجاح في انتزاع تعاطف الفئات الشعبية التي كانت تمنح أصواتها الانتخابية في السابق للأحزاب الاشتراكية.

إن تزامن التفجيرات مع تنامي الطروحات الإسلامية في المغرب خاصة حزب العدالة والتنمية أسهمت في تأجيج لهيب المواجهة بين الأجهزة الأمنية، مدعومة ببعض الطروحات اليسارية من جهة والإسلاميين من جهة ثانية، وذلك في إطار تصفية حسابات سياسية لها علاقة مباشرة بالتفجيرات من جهة، والسباق نحو الهيمنة على أكبر قاعدة انتخابية في إطار الصراع السياسي القائم من جهة ثانية.


الأحكام القضائية بحق المتهمين في تفجيرات الدار البيضاء تؤكد أن القضية فيها الكثير من اللبس والغموض، وفك ذلك رهين بقراءة واستيعاب هذه الأحكام على ضوء فهم موضوعي للعلاقة بين اختيار بناء المجتمع الديمقراطي الحداثي في المغرب وإسلامية الدولية المغربية

إعدامات وأحكام بالمؤبد.. ولكن!؟
لم يعرف المغرب في تاريخه السياسي الحديث أحكاما قضائية كتلك الذي شهدها خلال الصيف الماضي عقب التفجيرات, إلا أن طريقة تدبيرها وصيغ الحلول المقترحة برأي العديد من المحللين جانبت الصواب في أكثر من موقع، فإصدار أحكام بالإعدام في حق 14 متهما والمؤبد في حق 12 آخرين ما كانت لتغير من واقع الأمور, لأن تنامي الطروحات الإسلامية ماض في التوسع والانتشار بحكم منطق التحليل الملموس للواقع الملموس، كما أن غياب حلول موضوعية وشاملة قادرة على إعادة تدبير الحقل الديني في البلاد بعيدا عن الرؤية الاستعراضية أو احتكار مقاربة دون غيرها وإقصاء كل اجتهاد لا يمكنه إلا أن يؤدي إلى حالات انتحارية جديدة لا قدر الله.

صحيح جدا أن الأحكام الصادرة بحق بعض أفراد مجموعة يوسف فكري الإرهابية والانتحاريين الذين عدلوا عن فكرة التفجير في آخر لحظة بدت أمرا عاديا، لكن ذلك لا يقود إلى الاقتناع بصدقية الأحكام الأخرى, خاصة تلك التي تمت في حق من نعتوا بمنظري السلفية الجهادية، فالحكم بسجن حسن الكتاني 20 سنة وعبد والوهاب الرفيقي 30 سنة ووالده أحمد الرفيقي 10 سنوات ومحمد الفيزازي 30 سنة -مع أنهم جميعا كانوا خطباء في مساجد مغربية وكان يتم إيفادهم إلى الخارج بترخيص رسمي من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية لنشر التعاليم الإسلامية في أوروبا وآسيا- يؤكد أن القضية فيها الكثير من اللبس والغموض وأن هناك سوء فهم للإشارات الصادرة عن القصر، وأن فك حالة الغموض المعلنة رهين بقراءة واستيعاب هذه الأحكام على ضوء فهم موضوعي للعلاقة الموجودة بين اختيار بناء المجتمع الديمقراطي الحداثي في المغرب وإسلامية الدولية المغربية.

والواضح أن القراءات المتغلغلة في النسيج الاجتماعي والسياسي المغربي تكشف أنه لا تعارض مطلقا بين الاختيار الديمقراطي الحداثي الذي ارتضاه المغرب في عهده الجديد والتف حوله كل المغاربة وإسلامية الدولة المغربية التي ينص عليها الدستور المغربي، وكل محاولة للفصل بين الاختيارين هي دعوة لتغليب النوازع السياسية الضيقة والمصالح الفئوية على الاختيارات العليا للبلاد.

سيناريو للمستقبل
انتهى مسلسل محاكمات النشطاء الإسلاميين المحسوبين على السلفية الجهادية في المغرب حسب ما أرادته الأجهزة الأمنية المغربية, وكانت سياسة العقاب ورمي المتهمين في غياهب السجون هي الحل الناجع برأي هذه الأجهزة، ولكن ذلك برأي الكثيرين لن يغير كثيرا في واقع الحال، لأن التاريخ المغربي نفسه قدم وما يزال يقدم مزيدا من الدروس السياسية التي أبرزت أن العنف لا يمكن إيقافه بعنف مضاد، فالدولة بإصدارها للأحكام القاسية ظنت أن الملف قد طوي كليا، وأن من كانوا مصدرا للفتنة وزرع الشقاق في المجتمع المغربي سينساهم التاريخ, لكن يبدو أن للتاريخ منطقه الخاص الذي يسير وفق نظم غير معلومة.


سياسة العقاب ورمي المتهمين في السجون كانت هي الحل الناجع برأي أجهزة الأمن المغربية، لكن برأي الكثيرين لن تغير هذه السياسة كثيرا لأن التاريخ المغربي قدم دروسا سياسية أبرزت أن العنف لا يمكن إيقافه بعنف مضاد

ففي بداية عهد الملك الراحل الحسن الثاني عرف المغرب مواجهات قوية بين الاختيارات السياسية للقصر والأحزاب اليسارية آنذاك التي كانت تحمل شعارات أكثر راديكالية مما هو موجود اليوم، سيما وأن العديد منهم كان يستهدف المؤسسة الملكية بصورة مباشرة. وكان من نتائج تلك المواجهات اعتقالات بالجملة طالت قادة تلك الأحزاب ومناضليها، فمنهم من أعدم في السجون السرية، ومنهم من تمت تصفيته في الخارج, ومنهم من حوكم غيابيا بالإعدام مرتين وثلاثا, لكن وبعد عقود من الريبة انتهى الأمر بأن عين عبد الرحمن اليوسفي -الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي معارض الأمس اللدود الذي حوكم بالإعدام غيابيا أكثر من مرة- وزيرا أول لتنقلب عداوة الماضي إلى ميثاق جديد بين الملك وخصوم الأمس, لكن المسكوت عنه في لحظات المواجهة هو أن النظام المغربي آنذاك استخدم الإسلاميين لكسر شوكة اليسار, وفي تلك اللحظات بالذات تم الترخيص لتنظيمات من قبيل جماعة التبليغ, ودعم الشبيبة الإسلامية التي كانت تنعت آنذاك بالتيار الأكثر تطرفا في المغرب ودعوة للدموية.

وبعد اصطدامات بين الإسلاميين واليسار كان الشارع العام وحتى الجامعات مسرحا لها آلت نتيجة المواجهة إلى المؤسسة الملكية التي حافظت على شرط وجودها وبسطت نفوذها على الفريقين معا. والآن يكاد التاريخ يعيد نفسه بنفس الطريقة لكن مع نوع من تبادل الأدوار، ففي الوقت الذي يرفع فيها اليوم شعار المجتمع الديمقراطي الحداثي وهو شعار محط إجماع جميع المغاربة، فإن المقصود منه هو التصدي والاستباق لأي اكتساح إسلامي متوقع, وأن العنصر المعتمد لتحقيق هذه الرغبة هو الأحزاب اليسارية. وهذا ما يفسر حالة المواجهة الآنية بين الإسلاميين والحداثيين, وعليه فإن منطق الأشياء يقود إلى التأكيد على أن المؤسسة الملكية في مغرب اليوم تكاد تعيد ترتيب أوراقها بنفس الشاكلة التي اشتغلت بها في السابق، لكن مع تغيير طفيف في مواقع الشخوص.

وربما تكون نتيجة اليوم أشبه بنتيجة الأمس, فمن يدري ربما يعيد التاريخ مكره مرة
أخرى ونجد أحد معتقلي السلفية الجهادية اليوم وزيرا أول في حكومة جديدة في العقود المقبلة.
______________________
* كاتب مغربي

المصدر : الجزيرة