* بقلم/عبدالله العمادي

الاضطرابات الطلابية الأخيرة في إيران تذكرنا بتلك التي اندلعت عام 1978 أيام الحاكم السابق لإيران، الشاه محمد رضا بهلوي، الذي حاول في البداية قمع المظاهرات بالقوة، إلا أنه توصل في نهاية الأمر إلى أن الاستمرار في القمع لن يجدي، وكان أن عاد آية الله الخميني إلى إيران ظافراً، وتغير النظام الإمبراطوري ليصبح نظاما ثوريا مندفعا، يكتسح الأخضر واليابس ..


انتقد آية الله منتظري المرشد آية الله خامنئي، وجزم بأنه غير مؤهل لأن يكون "وليا للفقيه" أو حتى "مجتهدا "، واتهمه باستغلال موقع "القائد" وكأنه " شاه " آخر ولكن بثياب دينية”
اليوم تبدو الأمور والمعطيات مشابهة لتلك التي كانت سائدة أيام الشاه .. فالشعب يئس من الأوضاع السائدة، ومن عدم قدرة السلطة على الإصلاح، وذلك رغم جهود الرئيس محمد خاتمي الإصلاحية والذي يحاول منذ أن فاز بالانتخابات الرئاسية للمرة الثانية أن يخطو بإيران خطوات كبيرة وبعيدة نحو الأمام.

والملاحظة الجديرة بالاهتمام أن الثورة الحالية قد بدأت من الجامعة، أي أنها ثورة طلاب، وعادة ما تكون ثورة الطلاب شديدة التعقيد وشديدة الاندفاع ولا يمكن التخلص منها بسهولة، فالثورة على الشاه كان الشبان هم عمودها الفقري، وكذلك في إندونيسيا بعد رحيل سوهارتو وفي الصين أيضاً عام 1989.

وبهذا، فالأحداث التي بدأت في إيران قد لا تنتهي بالسهولة المتوقعة، خاصة أنها طالت شخص المرشد الديني للدولة آية الله علي خامنئي، وهو الرمز الذي كان من غير المقبول انتقاده فضلا عن التطاول عليه، ويبدو أن الطلاب الذين صاروا لسان حال الشعب الإيراني أو قطاعات كبيرة منه، غير راضين عن الوضع الذي آلت إليه البلاد، وما حدث مؤخراً ، ربما كان إثبات أن التيار جارف هذه المرة، وأنه ما عاد يفرق بين رمز وآخر.

والأحداث الأخيرة جزء من عدة مؤشرات تؤكد على وجود صراع خفي شرس بين المحافظين والإصلاحيين.

الصراع بين المعسكرين بدأ يأخذ طابعا أكثر حدة، منذ أن انتقد آية الله حسين علي منتظري المرشد الحالي آية الله خامنئي، وشكك في مؤهلاته الفقهية الدينية وفي كفاءته الذاتية على القيادة، حتى أنه جزم بأن درجة المرشد الدينية لا تؤهله لأن يكون "وليا للفقيه" أو "مجتهدا".

منتظري وهو خليفة سابق للخميني قبل أن يخلع من منصبه وتفرض عليه الإقامة الجبرية بسبب آرائه التي اعتبرت إصلاحية اتهم المرشد الحالي باستغلال موقع "القائد" وكأنه " شاه" آخر ولكن بثياب دينية، وبتبذير أموال كثيرة خلال الانتخابات الرئاسية السابقة، ليرجح كفة الرئيس السابق للبرلمان ناطق نوري الذي خاض الانتخابات في مواجهة خاتمي.

وفوق كل ذلك دعا منتظري الرئيس المنتخب، السيد خاتمي، إلى كشف الحقائق أمام الرأي العام الإيراني، والإعلان بأن المرشد يشكل عقبة أمام تحقيق طموحات الجماهير الشعبية. وخصوصا أن الولاية أصبحت فارغة المضمون، بسبب عدم قدرة المرشد الحالي لأن يكون بمستوى وكفاءة آية الله الخميني. مع العلم أن من يتولى منصب "ولاية الفقيه" يتمتع بصلاحيات واسعة، تكاد تكون مطلقة، فضلاً عن أن ولي الفقيه فوق المساءلة، وهو المرجع في كافة المسائل السياسية والاقتصادية وغيرها.


انحياز خامنئي لليمين المحافظ فتح الباب على مصراعيه لانتقاده، إلى حد أن البعض شكك في قدرة الولاية على إقامة الدولة وتحقيق النهضة.

ومن المآخذ على مرشد الجمهورية الحالي، انحيازه لجناح اليمين المحافظ خلال انتخابات الرئاسة السابقة، وهذا ما كان ينأى الخميني بنفسه عن الدخول في متاهاته .. ويؤكد المهتمون بالشؤون الإيرانية أن انحياز خامنئي قد فتح الباب على مصراعيه لانتقاده، وكثّر المطالبين بأن لا تكون الولاية سبيلا إلى احتكار السلطة أو فرض الوصاية على المجتمع. وشكك البعض في قدرة الولاية على إقامة الدولة وتحقيق النهضة.

الانتقادات الجماهيرية طالت هذه المرة شخص المرشد، وهو ما كان من المحظورات سابقا، مما يكشف عمق الصراع الذي بدأت مؤشراته الأولية تدل على أن مستقبل المؤسسة الحاكمة غير مبشر، وأن الوقت قد حان لتدارك ما قد ينتج فيما لو تركت الأمور على عواهنها.

وفعلت الضغوط الاقتصادية فعلها في الشعب الإيراني، حيث بدأ الجيل الحالي وجيل الثورة أيضا يتساءل عن الفقر الذي يعيشه رغم أن دولته نفطية غنية! وكأن لسان حال الشعب يقول : أهكذا تكون الثورة، أوهكذا أرادت الثورة أن يحدث لنا ؟!. وقد يبدو للوهلة الأولى أن منحى الصراع الدائر حاليا ديني، إلا أنه في الواقع أخذ شكلاً سياسياً أكثر منه دينياً، بين جناحي النظام الرئيسيين، اليمين المحافظ والتيار الإصلاحي. هذا الصراع ازدادت حدته عقب فوز الرئيس خاتمي الإصلاحي بالرئاسة قبل عامين، حينها اكتشف اليمين المحافظ، صاحب النفوذ في مؤسسات الحكم وهياكل الدولة، عمق الهوة التي تفصله كتيار حاكم عن الشعب أو الشارع .

وأكد المراقبون أن الرئيس خاتمي أصبح هدفا لحملات المحافظين، لاستفزازه ومن ثم دفعه للتصادم مع المؤسسة الحاكمة، ومنها الحوزات الدينية. وبالتالي زعزعته منذ البداية وإظهاره في موقف ضعيف مهزوز وإثبات أن اختياره لم يكن في محله.

فشل خاتمي في تغيير معطيات الداخل لم يشمل الخارج إذ استطاع خاتمي أن يمحو الصورة السيئة لإيران من أذهان كثير من الدول، وعلى رأسها الولايات المتحدة، حيث انطلقت مسيرة التطبيع الإيراني الأمريكي في ظل الشعار الذي رفعه السيد خاتمي "من أجل حوار حضاري أمريكي إيراني".

وعلى الرغم من هذه النجاحات على الصعيد الخارجي، فإن الوضع الداخلي المتردي دفع بالطلاب إلى التظاهر والمطالبة بالمزيد من الإصلاحات وحماية الحريات وتطوير التجربة الديمقراطية إضافة إلى منح الصحف حريات أكبر. فالثورة الطلابية بهذا الاعتبار جاءت من منطلق الإسراع بتنفيذ البرنامج الإصلاحي لخاتمي الذي يسير ببطء شديد. وكما هو معروف فقد أوصل الطلاب والنساء والمعتدلون الرئيس خاتمي إلى سدة الرئاسة، وهم ماضون على ما يبدو قدما لإنجاح مشاريع الرئيس، لا سيما تلك المتعلقة بالحريات والانفتاح السياسي والاقتصادي.


إيران بين فكي كماشة فتاكة، فك خارجي متمثل في الولايات المتحدة ووجودها العسكري الضخم في العراق والخليج، وفك داخلي متمثل في تململ الطلاب أو تململ أغلب الشارع الإيراني.

ومن الواضح أن الثورة الطلابية لن تقف وإن بدا أنها هدأت بعض الشيء، فهي أشبه ببركان يغلي يوشك على الانفجار خصوصا أن مطالبها لم تنفذ ولا توجد مؤشرات قوية تفيد بتفهم النظام لها، ويرى عدد من المراقبين أن وزارة الداخلية عازمة على مواجهة هذه الحركة بالقوة لاعتقادها أن الاستجابة لمطالبها تعني الرضوخ والإذعان، مما يشجعها على المطالبة بالمزيد والمزيد. فاليوم تطالب بالحريات الصحفية وتطوير التجربة الديمقراطية في البلاد، وغدا ستطالب بالانفتاح على العالم، بخيره وشره، ونبذ النظام الحالي، نظام "ولاية الفقيه". وهكذا حتى تصل الأمور إلى درجة معقدة شبيهة بتلك التي وقعت عام 1979 وأدت إلى انهيار النظام الشاهنشاهي.

والمراقب للوضع يجب ألا يغيب عنه أن هذه الاضطرابات في إيران، لا يمكن أن تخرج عن حركة الأحداث في منطقة الخليج والعالم العربي بشكل عام. فإيران جزء مهم من الخارطة الجديدة التي ترسم للمنطقة خلال السنوات العشر القادمة. وليس من المعقول أن يتجاهل الأميركيون حلم إخضاع إيران على الطريقة العراقية، بعد أن أحاطوا بها عسكرياً وجغرافياً، خاصة في ظل استثارة المسألة النووية الإيرانية ليس أمريكياً وحسب بل وأوروبياً.

ومن المتوقع ألا تترك الولايات المتحدة فرصة حدوث توترات داخلية في إيران دون استغلالها بشكل مباشر أو غير مباشر، فقد بات ثابتا لجميع المراقبين أن لأمريكا يداً فيما يحصل بطهران، وفيما قد يحصل في قادم الأيام، وهو ما سيضع حكام ورجالات الثورة في وضع لا يحسدون عليه.

فهم أشبه بمن يعيش بين فكي كماشة فتاكة، فك خارجي متمثل في الولايات المتحدة ووجودها العسكري الضخم في العراق والخليج، وفك داخلي متمثل في تململ الطلاب أو تململ أغلب الشارع الإيراني. والشتاء القادم حتماً لن يمر هادئاً على طهران.

__________________

* كاتب قطري

المصدر : غير معروف