بقلم: علي نصار


من المؤكد أن نزول بنات وأبناء الأمة العربية إلى شوارع العواصم والحواضر للمطالبة برد على التحدي الصهيوني ومن أجل إدانة التأييد الأميركي للعدوان على شعب فلسطين، برهن أن خيار الصلح مع الدولة اليهودية وخطب ود الولايات المتحدة بأي ثمن لا يحظى بالتأييد الشعبي، وأن هذا الخيار لم يحل التناقض المزمن في المجتمع العربي بين الأغلبية التي تطفح بمشاعر الكرامة والتحرر وبين الحكومات التي تحبذ الخضوع لإملاءات النظام الدولي.

كانت التحركات الشعبية العربية في مواجهة النظام الدولي الحديث تستهدف دائما أن تحل هذا التناقض. وحسب رواية عبد الرحمن الجبرتي فإن التجار وعامة فقراء القاهرة (يوم 17 يوليو/ تموز 1798) قد نظموا حركة مقاومة شعبية ضد قوات نابليون بونابرت لأن أحدا من العساكر المملوكية لم يكن له "همة أن يبعث جاسوسا أو طليعة تناوش [المعتدين] قبل دخولهم" أحياء المدينة.

ولم يكن الحال مختلفا مع النظام الكولونيالي الدولي الذي نشأ بعد مؤتمر فيينا عام 1815، إذ أدرك الشعب العربي باكرا سمات الظلم والغلبة واللصوصية التي تطبع تكوين ذاك النظام. وبعد الاحتلال العسكري الإنجليزي لمصر في عام 1873 وتسارع انهيار السلطنة العثمانية في نهاية القرن التاسع عشر وإزاء فشل الحركة القومية في تحقيق الوحدة والاستقلال بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، عاد "الشارع العربي" ليأخذ زمام السياسة بيديه من أجل حل التناقض بين إرادة المحكومين وسياسة الحاكمين.

وقد بلغ الاستنفار الشعبي ذروته مع تصاعد حركات المقاومة الشعبية العربية ضد الاحتلال الكولونيالي الأوروبي. ومنذ مطلع القرن العشرين حتى نهاية الحرب العالمية الثانية (1945) وقعت ثورات وانتفاضات شعبية في مصر (ثورة الوفد) وسوريا (حركة يوسف العظمة الثورة السورية الكبرى) والعراق (ثورة رشيد الكيلاني) والسودان (الثورة المهدية) وليبيا (ثورة عمر المختار) والمغرب (ثورة الريف) وفلسطين (ثورة عام 1936) وبقية الأقطار العربية. وهذه الثورات والانتفاضات كانت ترمي إلى التخلص من أوزار المرحلة العثمانية التي حاول النظام الكولونيالي الدولي تقييد المجتمع العربي بها: طبقات سياسية فاسدة، وواقع جيوبولتيكي قزم وهش، ودول تخضع للاحتلال العسكري الأجنبي.

لكن اضطراد تحولات النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية وإصرار الرأي العام العربي على رفض القبول بمخلفات الاحتلال الكولونيالي فوق الأرض العربية، خاصة إقامة الكيان الصهيوني في فلسطين، ولد ضغوطا سياسية أسفرت عن انهيار النظام العربي الذي نشأ في كنف الكولونيالية. وعلى أنقاض هذا النظام ظهرت حكومات وطنية كانت تجسد إرادة المحكومين في طلب الاستقلال السياسي والاقتصادي وتحرير فلسطين من الاستيطان الصهيوني وإقامة الوحدة العربية.

وعلى مدى الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي حظيت هذه الحكومات بتأييد شعبي كبير، وكان أبرزها حكومة الرئيس جمال عبد الناصر في القاهرة. وتجارب هذه الحكومات التي أغنت الاجتماع السياسي العربي بما حققت من نجاح وإخفاق برهنت دون لبس أن السياسة هي عمل عمراني architectonique يرتكز على إقامة العدل في الداخل والسلم في الخارج.

وقعود أصحاب الدولة عن صد العدوان الخارجي يقوض أحد ركني السياسة. ولذلك نرى كيف أن التحركات الشعبية العربية من السلف ضد نابليون (1798) إلى الخلف ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون وحليفه الرئيس الأميركي جورج بوش (2002)، مازالت تتغذى من التناقض ذاته الذي استولده النظام الدولي وسياسات أصحاب الدولة في الوطن العربي.


إن عودة الحركة الشعبية العربية إلى الخروج في طلب نصرة القضية الفلسطينية ورفع قبضتها بوجه المعتدين هي حدث قومي جديد ومجدد في الحياة السياسية العربية، لكنه يطرح سؤالا عن العوامل التي أبقت على هذه الحركة خامدة هشة لم تظهر إرادتها ولم تعل همتها خصوصا في أعوام العقد الأخير
إن عودة الحركة الشعبية العربية إلى الخروج في طلب نصرة القضية الفلسطينية ورفع قبضتها بوجه المعتدين هي حدث قومي جديد ومجدد في الحياة السياسية العربية، لكنه يطرح سؤالا عن العوامل التي أبقت على هذه الحركة خامدة هشة لم تظهر إرادتها ولم تعل همتها خصوصا في أعوام العقد الأخير، حتى إن بعض دوائر القرار في أوروبا صارت "تسخر" من التحذير "المألوف" بأن ما يجري في فلسطين والعراق ينتهك حرمات الشعب العربي ويؤذيه.

لقد سمعت شهادتين من معاصرين لسنوات المد القومي في الخمسينيات والستينيات مفادهما أن ما شاهداه من تظاهرات وحشود شعبية مناصرة للفلسطينيين في شهر أبريل/ نيسان الماضي لهو أكبر وأوسع مما كان عليه الحال في السنوات المذكورة.

لكن وجود هذه الميزة الكمية لا يخفي "اصطدام" الحركة الشعبية العربية الراهنة بعدد من العوائق النوعية، وأهمها :
- أولا، طبيعة المرحلة السياسية منذ التوقيع على اتفاقيات كامب ديفد (1979) وتحول النظام العربي من إستراتيجية الصراع مع الكيان الصهيوني إلى "إستراتيجية السلام".
- ثانيا، تراجع دور نخب المجتمع المدني العربي في هذا الصراع بعد كامب ديفد، ثم تدهوره بعد نهاية الحرب الباردة.

ولا يرتبط تقييم التحركات الشعبية في شهر أبريل/نيسان 2002 بدرجة التفاؤل أو التشاؤم السياسي بقدر ما يرتبط بطبيعة المنظور السياسي الذي "أرشد" هذه التحركات في كل العواصم والحواضر العربية. فاتفاقيات كامب ديفد وكافة أخواتها (17 مايو/أيار، أوسلو، وادي عربة) التي نجمت عن تحولات النظام الدولي والعربي بعد حرب يونيو/حزيران 1967، قد أعادت تغذية التناقض القديم في المجتمع العربي وكرست انفصال سياسة الحاكمين عن إرادة المحكومين.

وبدلا من أن تكون التسوية السياسية للصراع العربي الصهيوني خيارا من بين خيارات أخرى مثل المقاطعة والمقاومة والصمود، أصبحت علة وجود النظام الرسمي العربي وصارت السقف السياسي لمرحلة طويلة يريد النظام الدولي تأبيدها وجعلها المستقبل العربي الوحيد.

ويلاحظ أنه طيلة فترة الهجوم الصهيوني على مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني، نفذت معظم الحكومات العربية كثيرا من المناورات السياسية والدبلوماسية والإعلامية والنفسية من أجل "احتواء" أو "تنفيس" أو "توجيه" أو "قمع" تحركات "الشارع العربي" الغاضب والمحتج والناقم والقلق، ولكن ليس الثائر ولا العاصي ولا المنتفض على النفاق السياسي للحكومات المتواطئة أو العاجزة أو الصامتة.


بدلا من أن تكون التسوية السياسية للصراع العربي الصهيوني خيارا من بين خيارات أخرى مثل المقاطعة والمقاومة والصمود، أصبحت علة وجود النظام الرسمي العربي وصارت السقف السياسي لمرحلة طويلة يريد النظام الدولي تأبيدها وجعلها المستقبل العربي الوحيد
وقد كان للمناورات -وهي ردة فعل الحكومات العربية- هدف واضح كلي وهو حماية "مسيرة التسوية والصلح" مع الكيان الصهيوني وعدم السماح بخرق سقف المرحلة الراهنة التي بدأت بالتوقيع على اتفاقيات كامب ديفد عام 1979. وقد أثبتت التطورات أن ثمة من الوسائل والإمكانيات بيد هذه الحكومات ما يمكنها -حتى الآن- من بلوغ هذا الهدف.

لكن التحركات الشعبية الأخيرة كشفت أيضا أن بنية قوى المجتمع المدني العربي السياسية والتنظيمية والفكرية تشكو من حدة "أعراض" مرحلة أو "خيار" التسوية السياسية للصراع العربي الصهيوني"، إذ إن أهداف "الشارع العربي" بمواجهة العدوان الصهيوني على مناطق سلطة الحكم الذاتي لم تكن واضحة تماما: دعم السلطة أم دعم الانتفاضة؟ التأييد الشامل للمقاومة الفلسطينية المشروعة ضد الاحتلال الصهيوني بما فيها العمليات الاستشهادية باعتبارها وسيلة من وسائل هذه المقاومة أم التأييد الجزئي لأعمال هذه المقاومة والمطالبة بإبقائها ضمن قيود النظام الدولي والعربي؟ إسقاط أم "إنقاذ مسيرة السلام"؟

إن ضعف تسييس التحركات الشعبية العربية لا يتجلى في غموض الأهداف وحسب، وإنما في معرفة الأهداف التي تحفز هذا "الشارع" اليوم.

فلم يتم الاحتجاج على دخول شارون إلى المسجد الأقصى بينما نلتزم الصمت عن الاحتلال الصهيوني لفلسطين من البحر إلى النهر؟ وماذا عن أكناف بيت المقدس في كل الشام؟ وماذا عن الصراع العربي الصهيوني نفسه؟ إنها "أوهام السلام"..!

إن عودة التحركات الشعبية العربية إلى احتضان القضية الفلسطينية حدث يمكن ضمن شروط أو ظروف محددة أن يكتسب خصائص المنعطفات التاريخية التي يمكن أن تغير مجرى تطورات الصراع العربي الصهيوني بعد كامب ديفد بقدر ما يصير هدف تلك التحركات تعزيز خيار الانتفاضة الشعبية وخيار المقاومة المسلحة بما في ذلك العمليات الاستشهادية وخيار الصمود الإستراتيجي بمواجهة العدو الصهيوني وحليفه الأميركي. وبدقة تامة، فلا بد أن يكون هدف التحركات الشعبية تمرين "الشارع العربي" على القيام بخطوات وطنية مختلفة تخدم هدفا إستراتيجيا قوميا ثابتا يتمثل في إعادة "وجود إسرائيل" إلى مربع الصفر حيث يبقى كيان العدو " قلعة" استيطانية مسلحة، ولكنه يخضع لحصار عربي إستراتيجي.

رغم أية عوائق موضوعية أو ذاتية لا يمكن الانتقاص من أهمية تأثير التحركات الشعبية لنصرة القضية الفلسطينية في عملية تجديد الحركة القومية، من سبيل إغناء مفهوم العروبة الجديدة بحقائق التنوع الاجتماعي الديني واللغوي وشبه القومي في المجتمعات العربية، وكذلك إغنائه بحقائق التنوع السياسي لاسيما بعد تصاعد دور الدين في التعبئة الشعبية لمواجهة العدو الصهيوني وحلفائه بفعل التجديد السياسي الذي قدمته حركات المقاومة الإسلامية في لبنان وفلسطين، وهو تجديد زاد من وضوح القسمات القومية في الإسلامية العربية -خاصة الإسلامية السنية- ويبين انتشار مفهوم وفكرة المقاطعة للمنتجات الأميركية والصهيونية في بعض الأوساط الطلابية والشعبية العربية.


التحركات الشعبية الأخيرة كشفت أيضا أن بنية قوى المجتمع المدني العربي السياسية والتنظيمية والفكرية تشكو من حدة "أعراض" مرحلة أو "خيار" التسوية السياسية للصراع العربي الصهيوني
ويمكن بفضل قليل من الدراسة والتدقيق وإعمال الخيال أن نكتشف أن بحوزة النخب والجمهور في الوطن العربي قاطبة من الوسائل والإمكانيات المادية والروحية ما يمكن ويساعد على إظهار إرادة المحكومين في رد العدوان الصهيوني.

فالمشكلة لا تكمن في الإمكانيات المادية وحسب، وإنما أساسا في الموقف السياسي للكثرة من القوى والأحزاب السياسية وأطراف المجتمع المدني العربي.

التحركات الشعبية الأخيرة تطرح على هذه القوى سؤالا قوميا كبيرا مفاده: هل هي مستعدة للكف عن التستر بالوهن العربي والتخلي عن "خطاب التسوية" الذي دمر الصحة السياسية لـ "الشارع العربي" وخاصة في عقد التسعينيات؟ فمن دون التخلي عن هذا الخطاب تكبر الخشية من أن تخمد التحركات الشعبية العربية ويعود "الشارع" إلى صمته وسكوته بعدما تصمت وتسكت مدافع ومحركات دبابات الجيش الصهيوني في فلسطين المحتلة.

إن "انطلاق مسيرة السلام" (في عام 1979) قد عرض الرأي العام العربي إلى ضغوط مختلفة أسهمت فيها أطراف تلك "المسيرة" الرسمية والشعبية. وكان تضييع الهدف الإستراتيجي والتكتيكي القومي عن ناظري "رجل الشارع" من أسوأ نتائجها. فعن طريق التأكيد للرأي العام العربي على عبثية الصراع العربي الصهيوني أو صفرية جدوى تحمل أعباء هذا الصراع، ومن سبيل نزع الشرعية عن الموقف العربي عن طريق القبول باتفاقات تساوي بين الضحية والقاتل وبين مظلومية العرب وظلم الصهاينة، انتشرت أوهام "السلام" في "الشارع العربي" وتعاظم الإحباط السياسي الشعبي من جدوى مقاومة المشروع الصهيوني. والتحركات الشعبية العربية تنطوي على فرصة -متاحة للنظام العربي وللمجتمع المدني العربي منفردين أو معا- لضبط هذا المسار ورفض إملاءات النظام الدولي.

ومن المفيد عرض بعض الملاحظات المنهجية والسياسية التي نوقشت في "حلقة نقاش" نظمت في بيروت قبل أسابيع قليلة عن كيفية تطوير التحرك الشعبي من أجل احتضان ودعم مقاومة الشعب الفلسطيني:

- تطوير برامج وطنية في كل دولة عربية على حدة لدعم القضية الفلسطينية ومؤازرة مقاومة الشعب الفلسطيني، لأن "الشارع العربي" يشكل مفهوما مجردا نتعرف عليه عبر حركة "الشوارع العربية". وهذا يعني أن ثمة مهام وطنية تختلف من حيث نوعيتها السياسية بين بلد عربي وآخر، وذلك بحسبان أن أطراف النظام العربي الرئيسية والفرعية منقسمة تجاه طبيعة التسوية مع الكيان الصهيوني.

- التركيز على كتلة الشباب العربي التي برز حضورها في التحركات الشعبية الأخيرة، لأن تجربة العمل الاجتماعي في التسعينيات قد بينت أن وجود علاقة بين اشتداد هيمنة الولايات المتحدة الأميركية على النظام الدولي الراهن وتكاثر المساعي لاحتواء النخب العربية الشابة ضمن أطر اجتماعية ونقابية وثقافية وإعلامية تتمول من مصادر لا تعارض تلك الهيمنة. وما يزيد من الهشاشة السياسية والتنظيمية والفكرية للشباب العربي سياسات القمع الرسمي ووقوع كثير من منظمات المجتمع المدني العربي طيلة التسعينيات تحت أعباء الانكشاف على التمويل والتوجيه الخارجي.

- إن كتلة الشباب -حسب دراسات منشورة- تتأثر بالثقافة الشفهية من الأسرة والمحيط القريب، وهي قليلة القراءة والمطالعة والتثقيف، مما يقلل ثباتها في التحركات من أجل فلسطين. وهذا الواقع يتطلب تحصين موقفها وموقف أغلبية المجتمع العربي وزيادة مناعته بشأن القضية الفلسطينية، الأمر الذي يسمح لقوى المجتمع المدني بما فيها المنظمات غير الحكومية أن تسهم في ذلك وأن تعيد الاعتبار لدورها الوطني والقومي سواء بتواصلها مع الجمهور العربي المتأجج أو بتحركاتها مع المنظمات غير الحكومية في مختلف الدول خارج الوطن العربي.

- إن إعادة النظر في الإستراتيجيات الخاصة والمشتركة هو مطلب موضوعي موجه إلى كافة الأطراف العربية الحاضنة للقضية الفلسطينية على أساس دعم خط الانتفاضة ودعم خط المقاومة ودعم الصمود القومي. ومن المهم تشجيع الحوار بين هذه الأطراف لتشكيل روابط مشتركة تتبادل الخبرات وتسد الثغرات وقد تتبادل الإمكانيات من دون اعتبار للانقسام العلماني الأصولي الذي تغذيه بعض الأطراف الخارجية والداخلية وتعتاش منه بعض الأطراف الداخلية.

- إنضاج خطاب قومي جديد يستجيب لمتطلبات اللحظة السياسية مثلما يتفق مع ضرورات المرحلة التاريخية، وذلك بهدف تعزيز وعي الجمهور العربي بمفاهيم الصراع والمواجهة مع العدو الصهيوني. ومن اللازم وضع دراسات دقيقة عن أحوال الشباب والجمهور لمعرفة الاتجاهات السياسية وفعالية العمل وحجم النتائج المتوقعة.

المصدر : غير معروف