بقلم/ منير شفيق

على الرغم من أن تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003 جعل هدفه "نحو إقامة مجتمع المعرفة" إلا أن من الصعب أن تحظى بتعريف جامع مانع -بداية- للمعرفة. فمن يدقق في المصطلح وتعريفه في التقرير يجد تعريفات له، بصورة هلامية، وبلا تماسك. ومن ثم تجد أيضا مشكلة في تحديد "مجتمع المعرفة" الذي يريده أن يكون الغاية. والأهم، تلمس ارتباكا في قراءته للعلاقة بين المعرفة والبنية الاقتصادية والاجتماعية. ثم يتحول الارتباك إلى هوة بين "مجتمع المعرفة" الذي يريد إقامته والمجتمع المعطى المعني بتحويله إلى "مجتمع معرفة". كيف؟


كل مجتمع لا يستطيع أن يتدبر وجوده في الحصول على الطعام والتعامل مع الطبيعة والبيئة وتنظيم العلاقات الاجتماعية وما شابه إلا بتوفر مستوى ما من المعارف واعتمادها مبادئ ناظمة لحياته، مع بقاء الباب مفتوحا لتطويرها
في الصفحة(36) من التقرير يعرف: "تتكون المعرفة من البيانات والمعلومات والإرشادات والأفكار، أو مجمل البنى الرمزية التي يحملها الإنسان أو يمتلكها المجتمع في سياق دلالي وتاريخي محدد وتوجه السلوك البشري فرديا ومؤسسيا في مجالات النشاط الإنساني كافة".

ويؤكد أن المعرفة "تشمل الحقائق والقصص والصور وموجهات السلوك البشري". وتشتمل على "التاريخ والثقافة والتوجهات الإستراتيجية والأشكال التنظيمية". وهذا يتضمن العلوم والتقنيات والعلوم الإنسانية والدين والأدب والفن والأيديولوجيا، وما شئت أن تضيف من حولك.

وهذا يعني أن كل مجتمع هو مجتمع معرفة بناء على هذا التعريف الفضفاض الذي يشمل كل نشاط يقوم به العقل الإنساني سواء أكان صحيحا أم خاطئا، موضوعيا أم وهميا، علميا أم خياليا، واقعيا أم أسطوريا.

وبالمناسبة في الصفحة (113) يعرف الثقافة بما لا يزيد أو يقل عن هذا التعريف، ولكنه يتقدم في الصفحة (114) بتعريف مخصص قائلا "المعرفة تقوم على مطالب العلم والواقع العياني والحقائق المشخصة". فهذا التعريف يفرق بين المعرفة وكل من الثقافة والأيديولوجيا مخرجا منها ما لا يدخل في إطار "العلم والواقع العياني والحقائق المشخصة". ثم يزيد التشويش في تناوله للموضوع حين يتحدث عن المعرفة بمصطلح "المعرفة الحقة" (ص 70) و"المعرفة الراشدة" ( ص 126) ثم "المعرفة الكثيفة" ثم مجتمع "المعرفة العالمي" أي النمط السائد لدى الدول المتقدمة عالميا. وحتى استشهداه بإدوارد سعيد مثلا يقدم تعريفا آخر: معرفة الحقائق وكيفية الربط بينها وارتباطها بحقائق أخرى (الإطار 1-1 ص 35).

وخذ مثلا آخر على الغموض في استخدام المصطلح، "المعرفة أقل درجة على سلم السمو الإنساني من الحكمة التي تشترط التزاما بالقيم الأخلاقية العليا للإنسانية مثل الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية" (ص 36). إذ كيف تكون الحكمة والتزامها بالقيم الأخلاقية الإنسانية مشمولة بتعريف المعرفة آنف الذكر، ثم يصبح عندنا المعرفة أدنى من الحكمة؟.

فلو أنه حصر المعرفة بالعلوم على اختلافها وبمعرفة الحقائق والسنن الحاكمة لحركة الطبيعة والمجتمعات والعلائق بين المجالات بما يميزها عن الأيديولوجيا والأدب والفن ومختلف أشكال النشاطات الإنسانية الأخرى، حتى لو كانت هذه الأخيرة تحتوي على معرفة إلا أنها ليست معرفة بالتعريف الذي يقيد المعرفة بما يدخل ضمن إطار العلوم والحقائق والسنن.

ومن هنا يمكن أن يميز بين معرفة أكثر تطورا، بمعنى آخر ما توصلت إليه العلوم والتكنولوجيا والدراسات الإنسانية والقانونية والتاريخية (لاحظ الدراسات، وهذا يشمل النقد الأدبي من دون أن يشمل الأدب). لأن من غير المقبول اعتبار الجوانب السياسية والأخلاقية والقيمية والأيديولوجية السائدة في المجتمعات المتقدمة صناعيا وعلميا وتقانيا متقدمة أيضا على بقية شعوب العالم في تلك الجوانب بما في ذلك الدين والآداب والفنون والسلوك والقيم الأخلاقية.

هذا التشويش في التعريف انتقل بلا مقدمات تمييزية أو تفضيلية داخل تعاريفه لمصطلح المعرفة إلى الحديث عن "مجتمع المعرفة" حاصرا تعريف "مجتمع المعرفة" المقصود بالقول: "يطلق مجتمع المعرفة على الطور الراهن والأحدث من مسيرة التقدم البشري" (ص 39) وبهذا لا يعود تأكيده بأن "مجتمع المعرفة" يعني "اعتماد المعرفة مبدأ ناظما لجماع الحياة البشرية" (ص 40) لأن التعريف الأخير ينطبق على كل مجتمع إلا إذا كان هنالك تعريف قد حدد بدقة ما هو المقصود بالمعرفة بعيدا كل البعد عن التعريف في صفحة (36). فكل إنسان إنسان وكل مجتمع ومنذ فجر التاريخ لا يستطيع أن يستخدم اللغة أو أن يتدبر وجوده وحياته في الحصول على الطعام والتعامل مع الطبيعة والبيئة وتنظيم العلاقات الاجتماعية وما شابه إلا بتوفر مستوى ما من المعارف واعتمادها مبادئ ناظمة لحياته، مع بقاء الباب مفتوحا لتطويرها. ولهذا لا يستطيع التقرير، كما فعل، أن يعتبر صفة اعتماد المعرفة مبدأ ناظما لجماع الحياة البشرية مسألة مقصورة على المجتمعات المتقدمة.

بيد أنه يقصد بمجتمع المعرفة "...الطور الراهن والأحدث من مسيرة التقدم البشري كما يتبلور في المجتمعات البشرية الأكثر تقدما" (ص 39). وهو هنا يضع في سلة واحدة التقدم العلمي والتقاني والبحثي مع الأخلاقي والسياسي والأيديولوجي والعقدي والسلوكي والقيمي. وهذه الأخيرة كلها، نقول "اسمح لنا بها"، إذ كيف تدخل التقدم والتأخر في مجالات الأخلاق والسياسة والعلاقات بين الأفراد وبنية العائلة والقيم. ومن ثم ما هو قائم من نظام عالمي اقتصادي، اجتماعي، ثقافي، قيمي، ناهيك عن عسكري، (يصفه التقرير نفسه بالنظام الجائر) في سلة المجتمعات البشرية الأكثر تقدما" ثم تجعله النموذج الذي يتضمنه شعار "نحو مجتمع المعرفة".


أنماط الإنتاج ومستوى التقانة المستخدمة فيه هي من أهم المحددات للبنى والتكوينات الاجتماعية التي تولد بدورها توجهات الناس وأفعالهم وخصائص حضارتهم
وهذا يعني أن كل موضوعة "نحو مجتمع المعرفة" تتلخص باللحاق بما يسميه التقرير بـ"مجتمع المعرفة العالمي"، أو مجتمع "المعرفة الكثيفة". فهو لا يقصد العلوم والتقانيات (التكنولوجيا) ومراكز البحث فقط، وإنما كل ما يدخله في تعريف الشامل للمعرفة. ولهذا فإن تعدد التعريفات أو تذبذبها بين الشمول والتخصيص، أو بين ما هو سنة عامة وما هو مقتصر على المجتمعات المتقدمة المهيمنة، ليس مجرد خلل منهجي أو عدم تماسك فكري فحسب وإنما أيضا يحمل مقاصد جعل المجتمع المتقدم صناعيا وتقانيا وعلميا متقدما أيضا في كل المجالات (كل ألوان الأنشطة الإنسانية) التي شملها التعريف الأول الوارد في الصفحة (36) والآنف ذكره.

على أن هذه الإشكالية قادت بالضرورة إلى ارتباك آخر يتمثل في تكرار تأكيده وإصراره على القول: "تحمل الطبيعة الجوهرية لنمط الإنتاج السائد تبعات عميقة على قدرات اكتساب المعرفة في المجتمع" (ص 132) وبتوضيح ممهد قال "نمط الإنتاج ومستوى التقانة المتضمنة في قوى الإنتاج من عمال ورواد أعمال والمهارات التي يتمتع بها هؤلاء، والتجهيزات من معدات وأجهزة ينفذ بها النشاط الاجتماعي.

فأنماط الإنتاج ومستوى التقانة المستخدمة فيه هي من أهم المحددات للبنى والتكوينات الاجتماعية التي تولد بدورها توجهات الناس وأفعالهم وخصائص حضارتهم (ص 31).

هنا ينقلب التقرير إلى اعتماد النظرية الماركسية، بطريقة تبسيطية ومشوشة، (انظر مقدمة نقد الاقتصاد السياسي لكارل ماركس). ولكن يجب أن نثبته قليلا عند إشارته أو تأكيده هنا على أولوية "نمط الإنتاج ومستوى التقانة المتضمنة فيه في توليد توجهات الناس وأفعالهم وخصائص حضارتهم، أي كل ما شمله تعريف المعرفة المشار إليه أعلاه.

ثم لا بد من أن يضاف تشديده الدائم على ضرورة الطلب الاقتصادي-الاجتماعي لاكتساب المعرفة وإنتاجها واستخدام الكفؤ. بل يقول "فسيصعب قيام منظومة معرفة كفء نتيجة لانعدام طلب مجتمعي فعال على نشاطها" (ص 132) ويقصد طلب اقتصادي كذلك. ثم يمعن في مواطن كثيرة من التقرير في إظهار ضعف الاقتصاد العربي: الصناعي-الزراعي ويضعه في الشكل (7-2 ص 134 )في أدنى المراتب العالمية. ثم ليستنتج قائلا: "بناء عليه يظهر أن تعافي النمو الاقتصادي في الوطن العربي وزيادة الإنتاجية هما شرطان لازمان لقيام نهضة معرفية" (ص 137).

إلى هنا يكون منسمجما مع أولوية النمط الإنتاجي ومستواه الثقافي، ولكنه سرعان ما ينقلب على نفسه مستدركا "... لكنهما (الشرطان اللازمان) غير كافيين. ولن تتهيأ هذه النهضة المأمولة إلا عندما تصبح غاية بناء مجتمع المعرفة في مقدمات الأولويات" لدى الحكومات والقطاع الخاص والمدني والعائلي (ص 137). أي أصبح المشروط شارطا والشرط (حتى لو كان مشرطين) مشروطا.

وبكلمة نحن أمام مشكلة أولويات بين التركيز على تطوير المعرفة وأساسا في مجالات التعليم والتدريب والبحث والتطوير العلمي. وبدهي أن تحديد الأولوية يقرر حجم الاستثمار في كل من المجالين. ولأنه يضع العربة أمام الحصان في هذه المعادلة الدقيقة أو يقلب الهرم فتصبح قاعدته المعرفة ورأسه الإنتاج وتطور تقانياته.

ولو أنه قال إن العلاقة بين الأمرين متحركة في تبادل الأولوية لكان أكثر توازنا. لكن سيصبح من الضروري أن يحدد لماذا سيركز على هذه الأولوية أو تلك في كل مرحلة.

هذا الارتباك هو الذي يجعله يقول في صفحة يجب التركيز على تطوير الإنتاج في صفحة أخرى، وفي الآن نفسه، يجب إعطاء الأولوية لتطوير منظومة الابتكار. ولكن التدقيق في اتجاه التقرير العام يؤكد أن موضوع التطوير الصناعي والإنتاجي والتقني المصاحب (والذي في المستوى المعطى) لا يحظى على الأولوية. بل يهبط إلى مستوى متدن أمام أولوية المعرفة وبناء "مجتمع المعرفة". ولهذا يطالب الدولة أن تتحول من دعم الاستثمارات في التنمية التقليدية إلى المعرفة المكثفة (ص 103) وعلى أن تكون الزيادة كبيرة. بل يطالبها "بإخضاع كل سياساتها في كل المجالات لمجال تطوير ورعاية مؤسسة البحث والتطوير العلمي والتقاني (ص 104).

ثم يتسع هذا الانسلاخ عن الواقع الخاص بمجتمعاتنا ومستوى تطورها الاقتصادي والاجتماعي حين يفهم المقصود من "المعرفة الكثيفة" أي المعرفة العلمية والتقانية والبحثية في مستواها العالمي، كما هي في المجتمعات الأكثر تقدما. وهذا يعني لو افترضنا جدلا، بأنه ممكن التحقيق، أن المطلوب بناء سقف معرفة في مجتمعاتنا لا علاقة له بوضعها المعطاة وحاجاتها الناجعة من مستواها الاقتصادي والاجتماعي وامكاناتها: سقف بلا قاعدة وجدران.

تصور مثلا تخصيص خمسمائة مليون دولار لمركز بحث علمي يختص بمجال واحد من بين آلاف مجالات المعرفة الكثيفة التي وصلها مجتمع المعرفة العالمي. إذا كان علينا أن نجاري مستوى المعرفة الكثيفة العالمي، يكون هذا برنامجنا الراهن المطلوب. وقد نسي لازمة مواله المشهورة، الناتج الاقتصادي العربي مجتمعا يقارب ناتج إسبانيا.


فجوة المعرفة معيارا، تخفي إشكالية الظلم العالمي وترسم صورة مضللة لانقسام العالم، كما أنها نتائج الفجوة بين الشمال والجنوب والأغنياء والفقراء
والسؤال: أولسنا أمام تناقض خطير في تحديد الأولويات والغايات يصل إلى حد الشطحة الخيالية التي لا علاقة لها بالمعرفة إن كان يقصد بها "المعرفة التي تقوم على مطالب العلم والواقع العياني والحقائق المشخصة".

نقطة أخيرة تحتاج إلى وقفة مع الموضوعة الجديدة التي ابتدعها البنك الدولي بعد أن فشلت كل موضوعاته (وصفاته) التي أشغل بها العالم في العقود الماضية وقد تبناها التقرير. وربما فسرت توجهه الكلي "نحو مجتمع المعرفة" (كثيفة) أي فكرة "فجوة المعرفة" بدلا من "فجوة الدخل" التي أصبحت كما يقول التقرير "المحور الرئيسي لمقدرات الدول في العالم الآن" (ص 35). ويضيف "وفجوة إنتاج المعرفة" أكبر. وعليه "يحق القول بأن المعرفة هي معيار الرقي الإنساني في الطور الحالي من تقدم البشرية" (ص 35).

لا حاجة، بداية، إلى تذكير نادر فرجاني المؤلف الرئيسي للتقرير، كما يصف نفسه، بمقالته في "وجهات نظر" (العدد 47 ديسمبر/كانون الأول 2002) إذ كتب: "ومن المهم في هذا الصدد (تفاقم البطالة والفقر والاستقطاب الاجتماعي) تحاشي تقريبات ومقاربات البنك الدولي في هذه الأمور حيث البنك شهادته مجروحة بضلوعه في ارتكاب جريمة إعادة الهيكلة الرأسمالية". لأن المهم الانتباه من ابتلاع الطعم الجديد باستخدام معيار "فجوة المعرفة".

وهكذا يريدنا أن نقبل أن مشكلة العالم هي "فجوة المعرفة" أي انقسامه إلى عالم أصحاب المعرفة الكثيفة وعالم الشعوب ذات المعرفة المتدنية، بدلا من عالم الأغنياء والفقراء أو "عالم النظام الاقتصادي الجائر". وهنا يشار إلى فجوة مترتبة عن النهب العالمي والهيمنة والاحتكار وسياسة القوة.

ففجوة المعرفة معيارا، تخفي إشكالية الظلم العالمي وترسم صورة مضللة لانقسام العالم، فبأي حق تنكر على غيرك إن يكون صاحب معرفة، فيما لك الحق كل الحق أن تنكر عليه أن يكون ظالما ونهابا، وسببا من أسباب كوارث مئات، وآلاف الملايين من بني الإنسان. ففجوة المعرفة من نتائج الفجوة بين الشمال والجنوب والأغنياء والفقراء.
ــــــــــــــــــ
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة