بقلم/إلياس حنّا

يتّهم العالم عامة والغرب خاصة، العالم الإسلامي العربي، بأنه عالم يستولي على عقله ووعيه ما يُسمّى بنظريّة المؤامرة Conspiracy Theory. ويُعتبر دانيال بايبس من أهم من كتب عن هذا الأمر. كما يُتّهم العرب بأنهم شعب لا يفهم إلا لغّة القوّة. هكذا نظّر المؤرّخ والكاتب الأميركي برنارد لويس، كذلك الأمر بالنسبة للمؤرّخ الراحل رافاييل باتاي في كتابه الشهير، "العقل العربي".

لكن وبمقاربة عقلانيّة بعيدة عن العاطفة، وبعد مرور قرن تقريبا على بدء الصراع العربي الإسرائيلي الذي كان نصفه مواجهات وحروب عنيفة، إذا ما نظرنا إلى ما وصلنا إليه كعرب تجاه القضيّة العربيّة، وتأثير هذا الوضع على الشعب العربي ككل، ألا يمكن لنا ولوهلة أولى أن نقول، إنه كانت هناك مؤامرة كبرى بالفعل؟ وإن العرب كانوا مُحقّين؟


المحور الممتدّ من غزّة، بغداد، طهران وحتى أفغانستان، هو الأشدّ والأكثر حرارة الآن وسيستمرّ اشتعاله إلى وقت طويل، وقد أصبح ساحة الصراع الأساسيّة لأميركا ومن حولها ممن يدعمها ويستفيد منها
بالطبع يمكننا الآن القول عن مؤامرة كبرى، صهيونيّة-أميركيّة تستهدف العرب. لكن الأكيد، أن الذي سهّل وسرّع نجاح هذه العمليّة، هو تلك الأنظمة العربيّة التي توالت على الصراع العربي الإسرائيلي، وتلك الإستراتيجيّات والحسابات الخاطئة لتلك الأنظمة -خاصة العسكريّة منها التي وصلت إلى الحكم بالقوّة وعبر الانقلابات العسكريّة- والتي وعدت بالتحديث، واسترداد الحقّ السليب. لكن المنتوج كان، القليل القليل من التحديث، والكثير الكثير من الفشل على صعيد فلسطين. فما كان من تلك الأنظمة إلا أن تحوّلت، وحوّلت قواها لضرب الداخل -أي المجتمع المدني الذي أراد محاسبتها- هكذا هو الوضع الآن.

يكفي الآن أن ننطلق من قطاع غزّة باتّجاه الشرق ونحو العمق العربي بغداد، ونجري مقارنة بسيطة حول الساحة الأمنيّة في المكانين لنستنتج ما يلي:

  • قتل في غزّة، وقتل في بغداد.
  • احتلال في غزّة، واحتلال هناك في بغداد.
  • أبرياء يقتلون في غزّة من الأطفال والنساء، وأبرياء يقتلون في الأعراس العراقيّة.
  • قنابل ذكيّة في غزّة، وهي نفسها التي تستعمل في الفلّوجة.
  • تفرّد إسرائيلي في غزّة، وتفرّد هناك في العراق.
  • تخلّ عربي عن غزّة، وتخلّ عربي عن بلاد ما بين النهرين.
  • عجز دولي في غزّة، هو نفسه في العراق.
  • في المكانين، هناك الباطل الذي تحوّل إلى حقّ والخطاب الوهمي الذي تحوّل إلى حقيقة أساسيّة تُعتمد كنقطة انطلاق لبناء المستقبل.
  • باختصار، يبدو المحور الممتدّ من غزّة، بغداد، طهران وحتى أفغانستان، هو الأشدّ والأكثر حرارة في هذه المرحلة. كما أن حرارته سوف تستمرّ إلى وقت طويل، وطويل جدّا. إنه المحور الأساسي الذي أصبح ساحة الصراع الأساسيّة للعم سام ومن هم حوله ممن يدعمونه ويستفيدون منه.

لماذا طريق فيلادلفيا؟
إن بناء إستراتيجيّة كبرى على طريق -ممرّ- بسيط، هي بالفعل ليست إستراتيجيّة كبرى. كما أن الاعتماد على ذلك الممرّ -فيلادلفيا- كعامل أساسي لنجاح هذه الإستراتيجيّة، هو أمر مُبسّط جدّا جدّا في عالم السياسة والإستراتيجيّة. لكن وقوع هذه الطريق في المكان المهمّ والحيوي، هو الذي يجعل هذه الطريق مهمّة، فيدور الصراع عليها. كما أن شكل الصراع المستمر والدموي، والذي يدور بين الفلسطينيّين، هو الذي يعطي هذه الطريق هذه الأهميّة.

كيف ينظر الفريقان إلى ممرّ فيلادلفيا؟
بالنسبة للفلسطينيّين:

  • إنه المتنفّس لهم، على الصعيد الاقتصادي، أو على الصعيد العسكري. إنه المصدر الأساسي والوحيد تقريبا لوسائلهم العسكريّة، من بنادق وذخائر وغيرها. بدونه لا تستمرّ الانتفاضة والمقاومة. ففي ظلّ غياب الراعي الدولي، أو الإقليمي خاصة العربي للمقاومة الفلسطينيّة في الداخل. لا تجد المقاومة سبيلا آخر كبديل عن ممر فيلادلفيا.
  • في هذا الممر، ابتكر الفلسطينيّون طرقا متعدّدة للوصول إلى الطرف الآخر من الحدود أي الحدود المصريّة. لقد ابتكروا الخنادق المموّهة داخل البيوت التي تحيط بالممرّ-رفح المقسومة إلى قسمين – مصري وآخر فلسطيني.
  • بالنسبة لهم، يُصنّف الممرّ في المستوى الإستراتيجي، خاصة بعد أن عمدت إسرائيل إلى السيطرة البحريّة على الشاطىء في غزّة. فسفينة كارين "أ"، كانت الإنذار الذي أيقظ الحكومة الإسرائيليّة حول موضوع تهريب الأسلحة إلى القطاع. وقد عمدت الحكومة الإسرائيليّة بعد القبض على السفينة، إلى عرض الحمولة على العالم. وقد هدفت من هذا الأمر إلى تشويه صورة السلطة الفلسطينيّة. كما هدفت إلى إفهام العالم بأنها مُستهدفة من قبل الإرهابيّين، ويحقّ لها الدفاع عن نفسها.

بالنسبة للإسرائيليّين:


  • دارت كل حروب إسرائيل مع العرب على الحدود وذلك لنقل الحرب إلى أرض العدو واستباق أي تهديد لأمن إسرائيل الداخلي والمحافظة على منطقة نفوذ في المحيط الجغرافي المباشر

    يعتبر الإسرائيليون أن اتفاق أوسلو 1993، كان قد أعطاهم حقّ السيطرة على هذا الممرّ. كما يعتبرون أنه لا يحقّ للفلسطينيين أن يهرّبوا الأسلحة.
  • إن الممرّ وما ينتج عنه من تهريب، قد يعتبر خطرا لا يرتقي إلى المستوى الإستراتيجي على الصعيد الإسرائيلي، لكنّه خطر في المفهوم الأمني الإسرائيلي.
  • إن ما يخافه شارون هو ما قد ينتج من تراكمات -من أسلحة وغيرها- من هذا التهريب، الأمر الذي قد يؤدّي إلى غزّة مدجّجة بالسلاح.
  • وإذا كان بالإمكان تهريب أسلحة عبر الأنفاق. فإنه يمكن أيضا تهريب أسلحة دمار شامل. كما يمكن إدخال أشخاص غرباء عن غزّة. ومن يدري فقد يكون شارون قال لبوش خلال زيارته الأخيرة، إنه يمكن لعناصر القاعدة الاختباء داخل غزّة لتصبح الملاذ الآمن لهم؟
  • يعتبر شارون أن خطر عدم السيطرة على هذا الممرّ والأنفاق، قد يؤدّي إلى إدخال أسلحة متطوّرة إلى القطاع. من هذه الأسلحة، بعض المدافع والقذائف البعيدة المدى. وإذا ما نظرنا إلى الأبعاد الجغرافيّة والتي تفصل القطاع عن الداخل الإسرائيلي. فإنّه يمكننا القول إنه وفي حال وجود قذائف بعيدة المدى، فإن كل المدن الإسرائيليّة المهمّة قد تصبح ضمن مدى هذه الأسلحة.

أين يدخل الممرّ في العقل الإستراتيجي الإسرائيلي؟ وأين يدخل في المنظمة الأمنيّة الإسرائيليّة؟

  • يبدو كما هو معروف من خلال الحروب التي خاضتها إسرائيل ضدّ الدول العربيّة أن كلّ هذه الحروب قد دارت على الحدود. وكان الهدف منها أمورا مهمّة بعضها: نقل الحرب إلى أرض العدو، وكذلك استباق قيام أي تهديد مُبكّر على الحدود قد يُهدّد أمن إسرائيل الداخلي. وأيضا المحافظة على منطقة نفوذ في المحيط الجغرافي المباشر، تعتبر إسرائيل وتحاول إفهام المعنيّين، أنها -أي منطقةالنفوذ- حيويّة لأمنها القومي، وهي مستعدّة للذهاب إلى الحرب بسببها.
  • حاولت إسرائيل من خلال حروبها خلق المناطق العازلة الآمنة Buffer Zone، فكانت سيناء في عام 1956، وكانت أيضا في حرب الأيام الستّة، وكذلك الجولان في عام 1967 ولا يزال منطقة عازلة، وكان جنوب لبنان بعد الاجتياح، وحتى بعد الانسحاب. وهذا ما تحاول إسرائيل إفهامه لحزب الله المُستنفر على الحدود اللبنانيّة. كان وادي الأردن في اتفاق أوسلو مطلبا أساسيا لإسرائيل لحماية الجبهة الشرقيّة. وأيضا ورد ذكر ممرّ فيلادلفيا في اتفاق أوسلو كمنطقة عازلة تسيطر عليها إسرائيل. وأخيرا وليس آخرا، ومن خلال مشروع شارون الأخير حول فكّ الارتباط من جهة واحدة. عمد شارون إلى الاحتفاظ في الضفّة الغربيّة بمجموعات استيطانيّة كبيرة بشكل يستطيع بواسطته السيطرة على الأرض وعلى المزيد منها. هذا عدا محاولة منع واستباق قيام دولة فلسطينيّة بطريقة طبيعيّة. بحيث تشكّل هذه المجموعات الاستيطانيّة عوائق متعدّدة أمام الدولة الفلسطينية الموعود بها.

ويدخل ممرّ فيلادلفيا إذنْ كعنصر أساسي في الإستراتيجيّة الأمنيّة الإسرائيليّة الكبرى، والتي ترتكز على الأعمدة التالية:

  • حماية أمن الداخل.
  • احتكار أسلحة الدمار الشامل في المنطقة.
  • محاولة تفكيك دول المحيط.
  • وأخيرا وليس آخرا، تأمين الأمن الغذائي.

ويتقدّم بُعد الأمن الداخلي الإسرائيلي كأهميّة قصوى ومُلحّة. إذا لا يمكن لإسرائيل أن تنطلق إلى الخارج، وأمنها الداخلي مهدّد. خاصة وأنها قد عاينت تدهورا مريعا لهذا الأمن منذ بدء الانتفاضة الفلسطينيّة الأولى وحتى الآن. وهي المرّة الأولى بالفعل التي شعرت فيها إسرائيل بأنها عاجزة عن حماية شعبها. فهي لم تعايش أزمات مماثلة في الماضي. وضرب الانتكاسات الأمنيّة في الداخل ومحاولة الانتصار عليها، هي أمور مستجدّة. فجيشها كان قد أُعدّ لنقل الحرب إلى أرض العدو، والانتصار عليه من خلال اعتماد مبدأ الحرب الخاطفة Blitzkrieg ، وليس قتال الاستنزاف في قلب تل أبيب. ومن هنا يندرج ممرّ فيلادلفيا في بُعد الأمن الداخلي وباميتاز.

ماذا يريد شارون؟
انطلاقا من أعمدة المفهوم الأمني الإسرائيلي المذكورة أعلاه، يريد شارون الأمور التالية: السيطرة الجغرافيّة، السيطرة الديموغرافيّة وبالتالي السيطرة الطوبوغرافيّة. جغرافيّا، يريد شارون الاحتفاظ بالجولان كعامل أمني مهمّ. ويريد إفهام حزب الله الأمر نفسه أي أهميّة الجنوب للإسرائيليين. كما يعتبر شارون أن صحراء سيناء تشكّل عازلا أمنيّا لإسرائيل، وهي في حدّ ذاتها وبسبب مساحتها الكبيرة تشكّل عامل إنذار مبكّر. هذا عدا ما تقدمه أميركا من معلومات فضائيّة بواسطة الأقمار الاصطناعيّة. هذا مع العلم أنه قد أصبح لإسرائيل استقلاليّة فضائيّة للمراقبة وتوجيه الصواريخ، وذلك بعد وضع بعض الأقمار الاصطناعيّة "مجموعة أفق".


الأنظمة العربيّة كانت ولا تزال تشكّل الجزء الأساسي من المؤامرة الصهيونية الأميركية الكبرى، فهل ستبقى الشعوب تشارك في المؤامرة عبر الصمت المميت؟

وفي البُعد الديموغرافي يريد شارون منع اللاجئين من العودة وطرد ما أمكن من فلسطينيّي الداخل. وبعدها العمل على استقدام المزيد من يهود الدياسبورا. وأخيرا وليس آخرا، وفيما يخصّ البُعد الديموغرافي، يعمد شارون إلى السيطرة على كل المواقع الطوبوغرافيّة المهمّة أمنيّا لإسرائيل، إن كان في الضفّة أو في القطاع. وإلا فما معنى الاحتفاظ بالمجموعات الاستيطانيّة في الضفة؟ فلها بالتأكيد مهمّة أمنيّة، إن لم يكن الآن ففي المستقبل، أو في حال وقوع حرب على الجبهة الشرقيّة، فشارون يحضّر دائما للسيناريو الأسوأ.

في هذه الصورة الكبرى تدخل عمليّة توسيع ممرّ فيلادلفيا واستمرار السيطرة الإسرائيلية عليه في البُعدين الجغرافي والطوبوغرافي. جغرافيّا لفصل القطاع عن مصر، وطوبوغرافيّا لتأمين استمراريّة وجود الجيش الإسرائيلي، بشكل يستطيع فيه التدخّل أمنيّا عندما تدعو الحاجة. هذا عدا منع دخول السلاح إلى القطاع بشكل يهدّد محيط القطاع أمنيّا.

هل السيطرة على الممر، وتدمير الأنفاق ستكون نهاية الحملة؟

حسب ما تعوّدنا عليه في العقل الشاروني. وحسب ما تُدرّسه المعاهد الأمنيّة والعسكريّة. يمكننا توقّع واستنتاج ما يلي:

  • أن عمليّة السيطرة على الممرّ وتدمير المنازل القريبة منه، هي بالتأكيد المرحلة الأولى من الحملة الكبرى.
  • سيتبع هذه العمليّة مرحلة تثبيت النجاح واستغلاله، بحيث يصبح للجيش الإسرائيلي حريّة العمل بشكل كامل وآمن. وستأتي هذه العمليّة على حساب اللاجئين في مخيّم رفح.
  • إن عمليّة عزل القطاع من كل الجهّات، قد تكون تحضيرا للدخول إليه من خلال اعتماد إستراتيجيّة الخطوة خطوة لتجريده من السلاح بشكل كامل. وإلا فما معنى تزامن اغتيال أهم زعامات حماس، ووعد بوش الشهير والبدء بتوسيع الممرّ في نفس الوقت؟

في الختام، وفي ظلّ التشابه بين فلسطين والعراق. وبسبب العجز العربي أو التخلّي الطوعي عن المسؤوليّة التاريخيّة للقادة العرب، قد يمكننا القول كمجتمع عربي، إن الأنظمة العربيّة، السابقة منها والحاليّة، كانت ولا تزال تشكّل الجزء الأساسي من المؤامرة الكبرى. فهل سنبقى كشعب مشاركين في المؤامرة عبر الصمت المميت؟
_______________
أستاذ محاضر بجامعة سيّدة اللويزة-لبنان، وعميد ركن متقاعد

المصدر : غير معروف