بقلم: غراهام فولر

ألقى الرئيس الأميركي جورج بوش يوم 28 يناير/كانون الثاني الخطاب الرئاسي السنوي عن حالة الاتحاد والذي وجهه للكونغرس والشعب الأميركي، وقد أثارت ملاحظاته تساؤلات واهتمامات واسعة داخل الولايات المتحدة وخارجها، وخاصة عن كيفية فهم ملاحظاته بشأن السياسة الخارجية. فهل هذه نقطة تحول جديدة في السياسة الأميركية أم أنها مجرد محاولة للمزيد من الضغط على الدول الأخرى لمساندة بوش في الحرب على الإرهاب؟

ففي خطابه أكد بوش مسألتين أساسيتين في السياسة الخارجية قائلا "أولا سنغلق معسكرات الإرهاب وسنحبط مخططاتهم وسنقدمهم للعدالة. وثانيا يجب أن نعمل على منع الإرهابيين والأنظمة التي تسعى لامتلاك أسلحة كيميائية أو بيولوجية أو نووية من تهديد الولايات المتحدة والعالم".


أملي أن تلبي جميع الدول نداءنا وتتخلص من البؤر الإرهابية التي تهدد بلادهم وبلادنا. لكن هناك بعض الحكومات ستجبن أمام الإرهاب، وأؤكد أنهم إذا لم يتحركوا فستتحرك أميركا

واستطرد بوش قائلا "أملي أن تلبي جميع الدول نداءنا وتتخلص من البؤر الإرهابية التي تهدد بلادهم وبلادنا. لكن هناك بعض الحكومات ستجبن أمام الإرهاب، وأؤكد أنهم إذا لم يتحركوا فستتحرك أميركا". واختص بوش كوريا الشمالية لأنها تنتج وتصدر الصواريخ البعيدة المدى وأسلحة الدمار الشامل إلى الشرق الأوسط. ثم اتهم إيران باستيراد هذه الأسلحة وتورطها في الإرهاب (عبر مساندتها لحماس وحزب الله). وأخيرا أشار إلى العراق لتأجيجه العداء على الولايات المتحدة وتورطه في الإرهاب وإنتاج أسلحة الدمار الشامل كالجمرة الخبيثة وغاز الأعصاب والأسلحة النووية التي استخدمت حتى على شعب العراق نفسه.

وأنهي بوش نقاشه في قضايا السياسة الخارجية بالتصريح بأن هذه الدول الثلاث تشكل ما أسماه "محور الشر" الذي يهدد السلام العالمي. وقال إن أميركا ستتعاون مع حلفائها للحيلولة دون وصول أدوات وتقنية تصنيع واستخدام مثل هذه الأسلحة للإرهابيين والدول الحليفة لهم.

أثارت هذه الملاحظات جدلا واسعا، فماذا يعني بوش؟ وما هي النتائج المترتبة على هذه الملاحظات؟ فقد بات واضحا أن القلق من انتشار أسلحة الدمار الشامل سيشغل الآن حيزا كبيرا من تفكير بوش كما هو حال الإرهاب. من هذه الناحية تعلن هذه الملاحظات توسيع نطاق الحرب على الإرهاب.

وصحيح أن بوش دعا إلى زيادة ضخمة في ميزانية الولايات المتحدة العسكرية لمواجهة هذه المتطلبات، ولكن كيف لنا أن ندرك هذه الخطط؟ فمن ناحية أعتقد أن تصريحات بوش هذه تمثل محاولة هامة لتخويف هذه الدول خاصة إيران وكوريا الشمالية لتغيير سياساتها بشأن تصدير الصواريخ وتطوير أسلحة الدمار الشامل. لكن وزير الدفاع رمسفيلد اتهم بعد ذلك إيران بالسماح لبعض قوات القاعدة وطالبان بالتسلل إليها، وهو الأمر الذي نفته إيران. وكما هو واضح هناك ضغط جديد يمارس على إيران بعد اتهامها مؤخرا بإرسال سفينة محملة بالأسلحة للفلسطينيين، ويأتي هذا بعد ثناء الولايات المتحدة على إيران لتعاونها في الحملة العسكرية على طالبان. وهناك نقاش عام يدور الآن عن احتمال أن تستبدل بحكومة الملالي ابن الشاه السابق رضا بهلوي.

ومن وجهة نظري أشك كثيرا بأن تحاول واشنطن تغيير نظام الحكم في إيران بالقوة، ولكنها تستطيع أن تسخر دعايتها ضد النظام هناك للضغط عليه، بالإضافة إلى وسائل اقتصادية جديدة. غير أني أشك بأن تغير هذه الضغوط من سياسات الجمهورية الإسلامية التي لم تنحن أبدا لأي ضغط أميركي في الماضي. ولكنني أتصور احتمال قيام الولايات المتحدة بهجمات صاروخية أو جوية على منشآت الطاقة النووية فيها، أو تدمير أي صواريخ اشترتها إيران، وهذه التهديدات يمكن أن تردع روسيا أيضا عن استمرارها في مساعدة إيران لبناء منشآت الطاقة النووية. وقد أبدت روسيا مؤخرا بعض التعاون في عدم رغبتها بمعارضة الحرب على الإرهاب، ولذلك فإن التأكيد على الموقف من إيران سيكون عن طريق التركيز على تغيير السياسة وليس النظام. فإيران على أي حال ليست مثل نظام طالبان، وهي متأصلة في الحياة الإيرانية، ونظام الحكم فيها غير شعبي إلى حد بعيد خاصة بين الشباب، ولكنه يمكن أن يكتسب شعبية جديدة إذا شنت الولايات المتحدة ضربات على الدولة.

أما عن الوضع في كوريا الشمالية فأنا أشك مرة أخرى بأن تحاول واشنطن تغيير النظام هناك بالوسائل العسكرية، ولكن الاحتمال الكبير هو أنها قد تحاول تدمير مصانع الصواريخ ومهاجمة السفن التي تحاول تصديرها. وبما أن النظام في كوريا الشمالية لا يلقى ترحيبا من أحد في أي مكان، فقد تفكر واشنطن في محاولة تغيير النظام بالقوة في المستقبل إذا لم تتعاون كوريا الشمالية. وكوريا الشمالية تشبه طالبان في عدم وجود من يدعمها حتى على الصعيد الداخلي.


أعتقد أن بوش سيحاول عاجلا أو آجلا إسقاط صدام بالقوة، لكن الأمر يتطلب استعدادات دبلوماسية وعسكرية وسياسية كثيرة قبل القيام بتلك الخطوة

وأخيرا الحالة العراقية، فقد كتبت في السابق عن المشاكل التي تواجهها السياسة الأميركية في تعاملها مع العراق، وأنا أعتقد أن بوش سيحاول عاجلا أو آجلا إسقاط صدام بالقوة، لكن الأمر يتطلب استعدادات دبلوماسية وعسكرية وسياسية كثيرة قبل القيام بتلك الخطوة. فلا بد أن يكون هناك فكرة واضحة تماما عمن سيخلف النظام البعثي في العراق وإلا كان الموقف سيئا للغاية. نعم كل جيران صدام يكرهونه، لكنهم يعلمون أن التغيير في العراق يمكن أن يؤدي إلى اختلاط الحابل بالنابل إذا لم يكن هناك خطة واضحة لما بعد فترة الحكم البعثي. وصدام هو أضعف حاكم في هذه الدول الثلاث.

وأما عن القضية الفلسطينية فمازالت معقدة، والقراء يعرفون من كتاباتي السابقة أنني أعارض بشدة سياسات الرئيس بوش التي جعلت الولايات المتحدة تنحاز تماما إلى المعسكر الإسرائيلي دون أي حياد. وللأسف فإن معظم الدول الأوروبية توجهت نفس الوجهة، وهذا يعد نصرا لشارون حتى الآن. ولكن في النهاية لن تستطيع واشنطن الاستمرار مع شارون إلى أجل غير مسمى، فشارون ليس لديه خطة لإنهاء الصراع إلا إطالة أمد السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية وغزة.

وأشار الرئيس بوش في خطابه مباشرة إلى حماس وحزب الله والجهاد الإسلامي وجيش محمد في باكستان على أنها تنظيمات إرهابية لها وجهة خاصة، ولكنه لن يستطيع القضاء على حماس دون دعم كامل من السلطة الفلسطينية، وهذا لن يحدث لأن عرفات لا يمكن أن يأمن أي اتفاق مع شارون. وظني هو أن الولايات المتحدة ستسعى لوقف دخول أي أسلحة إلى الضفة الغربية وغزة، ولكني لا أعلم طريقة ذلك، وهنا سيلجأ الفلسطينيون إلى السكاكين والأسلحة الصغيرة المحلية الصنع إذا لزم الأمر.

أما حزب الله فيمكن تخويفه عن طريق الحكومة اللبنانية بعدم التدخل في فلسطين، ولكن لن تستطيع الولايات المتحدة القضاء عليه كذلك، فهو جزء لا يتجزأ من السياسة والنسيج اللبناني. لكن تخويف لبنان سيستمر لكبح جماح حزب الله، ربما بالتهديد بفرض عقوبات من نوع ما.

ويرى بعض المراقبين أن بوش يحاول الآن ابتكار سياسة خارجية عالمية جديدة تماما على المنوال نفسه الذي افتعله الرئيس الأسبق رونالد ريغان مع "إمبراطورية الاتحاد السوفياتي الشريرة"، بما في ذلك تخصيص إنفاق عسكري ضخم جديد. ويواصل بوش ترديد مقولته بأنه إذا لم تتعاون الدول الأخرى فإن الولايات المتحدة ستعمل وحدها. وهذه الملاحظة غير مقبولة في أوروبا حيث إن كثيرا من الدول الأوروبية متوترة لمعرفة أنواع المعارك التي خطط لها بوش.

ومن وجهة نظري بصراحة لا أعتقد أن بوش يهتم كثيرا بما تفكر فيه الدول الأخرى، فمن الواضح أنه مصمم على عمل شيء ما لتحقيق أهدافه. وعن طريق الوسائل العسكرية المحدودة التي ناقشتها في السطور السابقة من المحتمل أن يتهور بوش وحده. ولكن أي خطة أوسع لتغيير وجه الشرق الأوسط ستحتاج إلى تعاون مباشر مع قوات أخرى كثيرة. وبصراحة، أعتقد أن الشرق الأوسط لا يحتاج كثير تغيير في الطريقة التي يحكم بها. ولكن كيف ومتى يتحقق هذا، فتلك حكاية أخرى.

المصدر : غير معروف