بقلم: غراهام فولر

تستعد أميركا لشن هجوم على العراق والإطاحة بصدام، كما تشن حرباً ضد الإرهاب في عدد من الدول الإسلامية. وتتعرض دول عربية وحكومات أخرى إلى ضغوط من قبل واشنطن قصد التعاون معها في تبادل المعلومات الاستخباراتية في مجال الإرهاب. فماذا يعني ذلك؟ هل هذه دلالة أخرى على استيلاء الإمبريالية الأميركية على منطقة الشرق الأوسط، أم هي إشارة إلى كون واشنطن غير راضية على وجود قوات عسكرية في الشرق الأوسط وأنها تسعى للسيطرة على ثقافة العرب؟ هل تحاول أميركا إعادة ترتيب البيت العربي وتغيير معالمه طبق الأصل الأميركي؟


مشاركة أميركا في حل مشكلة التعليم في الشرق الأوسط مسألة إيجابية
إن قراء مقالاتي يعرفون أنني من أشد النقاد لسياسات أميركا في الشرق الأوسط، كونها تتجاهل مشكلة فلسطين وتظهر انحيازا قويا لإسرائيل فارضة بذلك سياسة الكيل بمكيالين. وأجد نفسي هنا مضطراً للقول إن مشاركة أميركا في حل مشكلة التعليم في الشرق الأوسط مسألة إيجابية.. إنني على ثقة بأن عدداً من قرائي قد يخالفونني الرأي، لكني سأحاول الدفاع عن وجهة نظري.

مما لا شك فيه أن ضعف نظام التعليم أحد الأسباب الجوهرية لضعف العالم العربي اليوم، فالعرب يحتلون مؤخرة الترتيب فيما يخص التعليم مقارنة بمعظم دول العالم، وهذه كارثة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن العرب كانوا يوما رواد الحضارة في العالم. لقد نشر برنامج الأمم المتحدة للتنمية في السنة الماضية تقريراً شهيراً أعده باحثون عرب يحدد انخفاض المعايير التعليمية كواحدة من الأسباب الرئيسية للتخلف الذي يعيشه العالم العربي اليوم.. إن عدداً من الحكومات العربية تعي هذه المشكلة التي تتجلى ليس فقط في عدد المدارس بل وفي انحطاط مستوى التعليم أيضاً.

يشكل الشباب الذين تقل أعمارهم عن 20 عاما أكثر من نصف سكان معظم الدول العربية، مما يعكس زيادة ضغوط جديدة وضخمة على عاتق الحكومات العربية لتأمين التعليم لكل الأطفال. إن المعايير التعليمية في تدهور مستمر خاصة إذا تعلق الأمر بتعليم الإناث. وتؤكد معظم البحوث الاجتماعية أن تدني مستوى تعليم الإناث في دول العالم يؤثر على معظم المجالات، وهذا مؤشر آخر للتنمية والتطور.وهناك أيضاً مسألة نوعية التعليم الذي ينبغي تلقينه للأطفال.


نشر برنامج الأمم المتحدة للتنمية في السنة الماضية تقريراً شهيراً يحدد انخفاض المعايير التعليمية كواحدة من الأسباب الرئيسية للتخلف الذي يعيشه العرب اليوم بعدما كانوا رواد الحضارة في العالم

والدين يلعب دوراً تعليمياً مهما في كل المجتمعات التقليدية من خلال تزويد الناشئة بالمبادئ الأخلاقية، لكن على التعليم أن يعمل من أجل ثلاثة أهداف على الأقل:

  1. تعليم المجتمع القيم الأخلاقية بتعليم الدين.
  2. تدريس العلوم المختلفة كالتكنولوجيا وعلوم الاجتماع والاقتصاد والسياسة واللغات والثقافات الأجنبية.
  3. تلقين المهارات العملية للشباب وإعدادهم للعمل مستقبلا.

لكن قد يكون تعليم الناس كيفية التفكير هو أهم جزء في التعليم. إن التعليم في العالم العربي فاشل في الناحيتين الأخيرتين رغم نجاحه في تلقين المبادئ الدينية. فرغم استطاعة الطالب تعلم المواد العلمية والتقنية فإن العالم والمجتمعات المتحضرة تحتم على الطالب معرفة كيفية التفكير.

ما معنى أن يعرف الشخص كيف يفكر؟ يعني ذلك:

  • أن يتجاوز هذا الشخص المسألة التي تحث على ضرورة استيعاب أبجديات التحدي.
  • تمكين الشخص من أن يصبح خبيرا مما يعني تجاوز مسألة القبول بكل ما يقوله المدرس.
  • تعليم الشخص كيفية التفكير بمفرده، وهذه واحدة من أسس عهد التنوير في الغرب.

حتّم العلم على الأشخاص قبول فكرة أننا لا يمكن أن نسلم بصحة شيء إلا بعد إجراء اختبارات عليه والتأكد من صحة الفكرة. وماذا عن حقيقة الدين؟ لقد أحست الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى بالخطر الذي يشكله العلم على الدين، لكن هل كان ذلك التخوف في محله؟ كانت الكنيسة تدرس المفهوم القديم بأن الشمس تدور حول الأرض وأن الله جعل من الأرض محور الكون. لكن عالم الفضاء الإيطالي غاليليو حدد ملاحظات فضائية كرست قناعته بأن الشمس لا تدور حول الأرض، بل العكس.. الأرض هي التي تدور حول الشمس. نتيجة ذلك ألقي به في السجن حتى تراجع عن نظريته واعترف بأنه على خطأ، لكن الحقيقة أنه كان على صواب.

كانت الكنسية الكاثوليكية غير حكيمة في رؤيتها بأن كل مكونات الفكر المسيحي تشكل تهديداً، إذ كيف يمكن لفكرة حقيقة دوران الأرض حول الشمس أن تؤثر في وجود الله وعظمته؟ إن العلم لا يتعارض أبداً مع الدين إلا إذا برهن الدين عكس ذلك. فالعلم لا ينكر أبداً وجود الإله أو تأثيره على مجريات حياة الإنسان، كما أنه لا يدعو إلى استحداث مبادئ أخلاقية إن ذلك ليس في خانات تخصصات العلم.


العلم لا ينكر أبداً وجود الإله أو تأثيره على مجريات حياة الإنسان، كما أنه لا يدعو إلى استحداث مبادئ أخلاقية

إن العلم يتحدث عن حقائق محتملة، لذا لا يتوجب على أي ديانة أن تشعر بالخطر من حقائق علمية. إن أفكار غاليليو وعلماء آخرين كانت تهدد الكنيسة بصورة أعمق.. لقد كان غاليليو في الواقع يحطم سلطة الكنيسة التي كانت تدعي بأن وجهة نظرها سليمة بكل المقاييس، وطالب غاليليو في الحقل العملي بأن لا يخضع العلم والمعرفة لمنطق السلطة، وأن المهم برأيه هو تقديم برهان علمي للتأكد من صحة الأشياء.

عندما تتناقض الحقائق مع النظرية فذلك يعني أن النظرية نفسها أو الفكرة خاطئة، بمعنى آخر أن العلماء والمراقبين يفكرون بمفردهم حول المسألة بدون أن يكونوا خاضعين لسلطة الآخرين. مرة أخرى هل بالفعل أن هذا المنهج في التفكير يشكل خطراً على الدين؟ في واقع الأمر يجب أن لا يكون هناك أي تهديد، إن الدين يتطرق لمبادئ وأخلاق لا يستطيع العلم تأكيدها أو عدم تأكيدها. إن في أميركا ملايين العلماء المتدينين الذين لا يجدون أي تناقض بين الدين والعلم، وفي نفس الوقت لا يلجؤون إلى الكنيسة لتزويدهم بنظريات عن الكيمياء أو الفيزياء أو علوم البيولوجية ولا يلجؤون إلى العلم ليفتي عن كيفية عيش حياة أخلاقية.

مشكلة الإسلام مع هذه الأفكار كانت أهون بالنسبة للمسيحية على الأقل في الماضي حينما كان المسلمون أسياد العلم في العالم. لكن الفكر العقلاني بدأ يضعف منذ مئات من السنين الماضية، ففي فترة قريبة كان كبير علماء الدين في دولة عربية كبرى يقول إن الأرض مسطحة وإن وصول رواد الفضاء إلى القمر خدعة.

إن هذا النوع من الأفكار لم يكن جزءاً من الأعراف الإسلامية الكبيرة، لكن في يومنا الحاضر ليس العلماء فقط الذين يخشون هذا النوع من الفكر الذي أصبح قوة وسائداً في العالم الغربي، فهذا النوع من التحدي في الفكر يقلق أيضاً الحكام الذين لا يريدون أن يفكر الناس بمفردهم. ومن حسن الحظ فإن عالم الديمقراطية يعطي الناس الفرصة لتحدي فكر السياسيين وحتى رئيس الدولة أو رئيس الوزراء.


التعليم الأميركي والغربي نوع من التعليم الذي يود ملايين المسلمين تدريسه لأبنائهم حينما يبتعثونهم إلى الغرب من أجل الدراسة

إننا لا نقبل دائماً أفكار الرئيس جورج بوش لمجرد أنه رئيس، فهناك الكثيرون ممن يعارضون تفكيره، لكن بالنسبة للأنظمة السلطوية في الشرق الأوسط فإن الناس لا يمكنهم أن يقدموا أفكاراً تعارض آراء السلطات.

إن الثقافة والتعليم والفكر جزء أساسي في التعليم الأميركي والغربي، إنه نوع من التعليم الذي يود ملايين المسلمين تدريسه لأبنائهم حينما يبتعثونهم إلى الغرب من أجل الدراسة. ولا يعني هذا عدم توافر الكتب في العالم العربي، بل ما يرغب فيه عدد كبير من المسلمين هو تعليم أبنائهم المهارة وكيفية التفكير باستقلالية وبصورة إبداعية، وهو أساس قوة الغرب. وغياب ذلك في العالم الإسلامي هو السبب في ضعفه اليوم.

هذا ما يدفعني للاعتقاد بأن لدى أميركا ما تقدمه للعالم الإسلامي في مجال التعليم رغم أخطائها في السياسة الخارجية. لكن هل يعني نجاح أميركا في مجال التعليم أنه يتوجب عليها التدخل في النظام التعليمي السائد في الشرق الأوسط؟

المصدر : غير معروف