*بقلم/ برهان غليون

ليس هناك أي شك في أن الغارة التي شنها الطيران الإسرائيلي على الأراضي السورية في الخامس من أكتوبر/ تشرين الأول تشكل خرقا فاضحا للقانون الدولي وانتهاكا لاتفاقية فك الاشتباك التي وقعتها إسرائيل عام 1974.


لم تخف الإدارة الأميركية أن ما تسعى إلى تحقيقه عندنا هو لا أكثر ولا أقل من إعادة تشكيل المنطقة وتغيير أنظمة الحكم والإدارة فيها وإخضاعها لمتطلبات إستراتيجية السيطرة الأميركية الكونية
ولا شك أيضا في أن التأييد الأميركي الذي حظيت به هذه الغارة والممارسات الأخرى التي رافقتها، سواء في ما يتعلق باستخدام الإدارة الأميركية لقانون معاقبة سورية واحتمال تمريره في الكونغرس أو بتهديد الإسرائيليين بإسقاط النظام السوري، يعكسان النوايا الحقيقية والاستهانة التي تبديها كل من واشنطن وتل أبيب ليس فقط بالمصالح السورية وإنما أيضا بالمصالح العربية مجتمعة.

ولا شك كذلك في أن الرد الحقيقي على هذا العدوان لا ينبغي أن يقع على كاهل سوريا وحدها وإنما لا بد أن يستنهض الدول العربية جميعها، حكومات ومجتمعات، في سبيل وضع حد لتدهور الوضع الإقليمي المادي والمعنوي معا.

بيد أن من الضروري أيضا بعد تأكيد ذلك كله أن نشير إلى أن إدانة هذا العمل الخطير وتحميل تل أبيب وواشنطن مسؤولية ما يمكن أن ينجم عنه من عواقب وخيمة تهدد مصالح جميع الأطراف لا ينبغي أن يترجما على أنهما تبرئة لذمتنا نحن من جميع المسؤوليات، ولا أن يجعلانا نقبل بأن يتحول التدخل العسكري الإسرائيلي في سوريا أو غيرها من الدول العربية، كما حصل في لبنان من قبل خلال أكثر من عقدين، إلى حتمية لا راد لها، ولا أن نستسلم لفكرة أننا الضحية الأبدية للإرادة الغاشمة للدول الكبرى أو للتحالفات العدوانية.

كما لا ينبغي لنا أن نعتبر أن التوصل إلى انتزاع إدانة قوية أو ضعيفة لهذا العمل الإسرائيلي في مجلس الأمن هو آخر ما يمكن أن نصل إليه، وأنه لن يكون لدينا بعد ذلك ما نفعله سوى الشكوى من سوء معاملتنا الدولية، وتأكيد تمسكنا بخيار السلام الإستراتيجي واتهام رئيس الوزارة الإسرائيلي بأنه يدفع المنطقة نحو الحرب أو يريد توريطنا فيها.

فإذا كان هذا يفيدنا في الحصول على بعض التغطية الدولية القانونية لعجزنا فإنه يبقى أقل كثيرا مما نحتاجه لحماية أنفسنا من الناحية العملية، وأقل أيضا كثيرا مما نستطيع أن نفعله لدرء المخاطر الكبيرة المحيقة بنا، والتي لا يبدو أننا قد استوعبنا مضامينها الفعلية.

والسؤال الكبير الذي يستحق الطرح وينبغي أن نطرحه على أنفسنا في هذه اللحظة بالذات، في سوريا بالتأكيد، لكن أيضا في البلاد العربية الأخرى، ليس من نوع: هل يطبق رئيس الوزراء الإسرائيلي سياسة عدوانية أم لا، ولا: هل تبيت الإدارة الأميركية للرئيس الأميركي جورج بوش نوايا خبيثة تجاه المصالح العربية وفي مقدمتها ضمان استقرار الدول العربية وسيادتها أم لا. فليس هناك من يصعب عليه الإجابة على هذا السؤال حتى في تل أبيب والبيت الأبيض نفسيهما.

إن السؤال المطروح هو: ماذا فعلنا نحن العرب، حكومات وشعوبا معا، في الأشهر الماضية، بعد احتلال العراق، حتى لا نقول في السنوات بل العقود الطويلة المنقرضة، كي نجنب أنفسنا احتمال التعرض للاعتداءات الإسرائيلية، التي كانت ولا تزال الخبز اليومي لحياتنا الإقليمية منذ أكثر من نصف قرن، وحتى نحول دون تحميل الدول الكبرى لنا ثمن الانتصار والخسارة معا في حرب التنافس العالمية على السيادة والقيادة والموارد الإستراتيجية؟ وما الاختيارات التي تبنيناها، بل الإجراءات التي اتخذناها، منذ سقوط بغداد، في مواجهة التهديدات الأميركية العلنية وتلك التي لم يعلن عنها وليس من الضروري أن يعلن عنها. وما الخطط التي أعددناها كي يمكن لنا استثمار الإدانات التي حصلنا عليها في مجلس الأمن في أعمال فعلية تزيد من قوة دفاعاتنا الإستراتيجية؟

تزداد أهمية هذه الأسئلة عندما نتذكر أن أيا من طرفي التحالف المعادي لنا لم يخف في أي لحظة أهدافه في منطقتنا. فحكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون اعتمدت في حملتها الانتخابية الرسمية شعار منع قيام دولة فلسطينية وتفكيك بنى المقاومة الشعبية.

أما إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش فلم يخف أحد من أعضائها أن ما تسعى إلى تحقيقه عندنا هو لا أكثر ولا أقل من إعادة تشكيل المنطقة وتغيير أنظمة الحكم والإدارة فيها وإخضاعها لمتطلبات إستراتيجية السيطرة الأميركية الكونية، فالمعركة مفتوحة بشكل علني وشفاف للجميع، ولم يخف أحد من المتنازعين فيها أهدافه الفعلية.

لقد رفع الأميركيون أربعة مطالب رئيسية أمام الدول العربية ساعين أن يضمنوا من خلال تحقيقها تطبيق مخططهم في إعادة ترتيب المنطقة حسب المصالح الأميركية الإسرائيلية، ومن هذه المطالب:


ليس هناك ما يمنع واشنطن وتل أبيب من تبني اختيار سياسة الأسوأ ودفع المنطقة إلى الاقتتال والانهيار، لتحرم بذلك المشرق العربي لربع قرن قادم من أي أمل في التقدم المادي والمعنوي
أولا: المشاركة النشطة للعرب في الحرب ضد الإرهاب، بما يعنيه ذلك في نظر واشنطن وتل أبيب، بل تخصيصا، مشاركة الدول العربية في مهمة تفكيك منظمات المقاومة الفلسطينية التي تشكل تهديدا لأمن إسرائيل داخل إسرائيل وخارجها، مقابل الوعد بدولة فلسطينية في أفق 2005.

ثانيا: التطبيع الرسمي مع إسرائيل وإزالة المقاطعة الاقتصادية التي فرضتها الدول العربية عليها منذ قيامها ومنع تأليف أي تجمع أو تحالف عربي تستثنى منه الدولة اليهودية.

ثالثا: التخلص من أسلحة الدمار التي تملكها بعض الدول العربية والقبول بمراقبة وتفتيش مهينين أحيانا لجميع مرافق التنمية التكنولوجية العسكرية والمدنية، وفي مقدمها التكنولوجيا الذرية.

رابعا: إجراء تعديلات في نظم الحكم والإدارة تخفف من سرية عملية اتخاذ القرار في البلاد العربية في اتجاه تبني درجة أكبر من الشفافية تسمح للولايات المتحدة وغيرها بمعرفة ما يجري بصورة أدق في أوساط القرار العربية، وبالتالي بالتدخل أو التأثير بشكل أكبر في هذا القرار قبل أن يتخذ، وهو ما تغطي عليه واشنطن باسم مزيد من الديمقراطية والحرية للمجتمع وللأفراد وتحرير للاقتصاد.

بالتأكيد تشكل هذه المطالب الأميركية جدول أعمال كاملا تهدف الولايات المتحدة من ورائه إلى إحكام سيطرتها الشاملة والمنفردة على المشرق العربي برمته وتضمن من خلاله في الوقت نفسه الأمن والاستقرار لحليفها الرئيسي أو الإستراتيجي إسرائيل وللتحالف نفسه.

ومن الصعب على النخب العربية الحاكمة أن تذعن له دون أن تتكبد أنظمتها خسائر كبيرة في السيادة والصدقية والنفوذ، وربما الاستمرار في الحكم والاستقرار.

بيد أن الاعتراف بما يمثله جدول الأعمال الأميركي الإسرائيلي هذا من تهديد لديمومة النظم العربية واستقرارها لا يعني أن من الممكن للدول العربية أن تتجاهله أو ألا ترى فيه استحقاقا إستراتيجيا وسياسيا قائما بالفعل ويحتاج إلى إجابات واضحة ومعلنة تستطيع جميع الدول العربية أو معظمها أن تشارك في بلورتها كما تمكن المجتمعات أيضا من تقديم مساهمتها الكبيرة فيها.

فهو استحقاق ينطوي على تحدٍّ كبير وخطير لا تملك الدول العربية أن تشيح النظر عنه وتتجاهل عواقب انعدام القدرة على رده دون أن تتكبد خسائر كبرى.

فكما أن التسليم لواشنطن بمطالبها لا يعني شيئا آخر سوى تعريب الحرب الإقليمية واستخدام الدول العربية أدوات في الحرب الإسرائيلية الأميركية ضد الإرهاب، أي ضد المقاومة العربية أو ما بقي منها في فلسطين وغيرها، التي تقوم اليوم بشكل أساسي على أيدي منظمات ذات سمة إسلامية. كذلك لا يعني الرفض العربي المحتمل لجدول الأعمال الإقليمي الذي تطرحه واشنطن معززا بالقوة العسكرية في سبيل ضمان سيطرتها وأمن إسرائيل إلا تحويل البلدان والمجتمعات العربية إلى فريسة سهلة لآلة الحرب الأميركية الإسرائيلية، كما حصل في العراق، ومن وراء ذلك زعزعة الاستقرار ونشر الفوضى والدمار في المنطقة العربية.

فليس هناك ما يمنع واشنطن وتل أبيب، في حال تعذر عليهما العمل على تحقيق جدول الأعمال الأميركي الإقليمي من تبني اختيار سياسة الأسوأ ودفع المنطقة إلى الاقتتال والانهيار، لتحرم المشرق العربي لربع قرن قادم من أي أمل في التقدم المادي والمعنوي.

وليس هناك ما يشير إلى أن النخب العربية الحاكمة، ولا تلك التي تقف في المعارضة وتنتظر دورها عندما يحين الوقت، مدركة بشكل واضح لخطورة هذا الاستحقاق ولا إلى أنها قد سعت في السنوات أو الأشهر الأخيرة إلى بلورة استجابة عقلانية وواضحة له تضع جميع القوى الرسمية والأهلية أمام مسؤولياتها وتبين لها طرق مساهمتها ومشاركتها الفعلية في مواجهة المخاطر المحدقة.

وعلى العكس من ذلك هناك مؤشرات أكبر إلى أن ضخامة التحدي الذي وضعت واشنطن النخب العربية الحاكمة أمامه قد أثار ارتباكا عميقا في وسط النظم القائمة وزرع في وعيها الكثير من الانقسام والتشوش والالتباس. وهي لا تزال تتأرجح بين تجاذبين عميقين متطرفين، الخوف المفرط من التهديد الخارجي الذي يدفع في اتجاه التنازل والاستسلام من جهة، ومن جهة ثانية الجهل المطبق بحقيقة هذه التهديدات وما تقود إليه من العطالة الفكرية والسياسية والتشبث بمواقف ومواقع قديمة وتقليدية تبدو وكأنها لا تزال خنادق مضمونة النجاعة، وهي مجرد خرائب دارسة لا قدرة لها على تأمين أي دفاع.


بينما تسعى بعض النخب العربية إلى طمأنة نفسها بالانخراط الآلي في إستراتيجيات الإدارة الأميركية، يعلق العديد من النخب العربية الأخرى آماله على تفاقم النزاع الذي تثيره سياسة الانفراد الأميركي بالقرار الدولي بين أقطاب التحالف الأطلسي وخاصة أوروبا
ومن الواضح أن أغلب النخب العربية الحاكمة لم ينجح بعد في التحرر من تقاليد حقبة الحرب الباردة ومنطقها. وبينما تسعى بعض النخب العربية إلى طمأنة نفسها بالانخراط الآلي في إستراتيجيات الإدارة الأميركية، يعلق العديد من النخب العربية الأخرى آماله على تفاقم النزاع الذي تثيره سياسة الانفراد الأميركي بالقرار الدولي بين أقطاب التحالف الأطلسي وخاصة أوروبا. ويحلم بأن يزيد تفاقم النزاع هذا من هامش مبادرته الإستراتيجية، كما كان عليه الحال في العهد الماضي ثنائي القطبية.

هذا ما يفسر النزعة السائدة في الإعلام العربي وعند الرأي العام معا إلى المبالغة في تقدير حجم هذا التناقض والحلم بانفجار نزاع كبير بين القطبين العالميين يخفف الضغط عن البلدان العربية ويضمن لها حدا أدنى من هامش الحركة والقرار.

ولا يزال هناك قسم ثالث من هذه النخب العربية يعمل على إخفاء عجزه عن بلورة استجابة إيجابية للاستحقاقات التاريخية وراء تصريحات أو قرارات شكلية تصدر عن الأمم المتحدة أو انتقادات قوية تصدرها بعض الأقلام التحررية والمتحررة في الغرب ضد السياسات العدوانية أو وراء مقاومات أهلية أثبتت هنا وهناك جدارتها القتالية.

هكذا تميزت ردود النخب العربية في مواجهة الاستحقاق الذي فرضه طفور الولايات المتحدة إلى موقع القطب الأعظم، وزوال التوازن الدولي الثنائي، بالتقلب بين التنازلات الرخيصة الكلامية والعملية وأحيانا التسليم بالأمر الواقع وتسليم الولايات المتحدة مقاليد الأمور والسياسة في العديد من ميادين القرار، مع التصريح بذلك أم من دونه من جهة، والنكوص والارتداد إلى سياسات الانغلاق والتقوقع والانكفاء على قواعد العمل القديمة المعروفة باسم المقاومة والصمود أو الحفاظ على السلام الأهلي والوحدة الوطنية من جهة ثانية.

وبدل التوصل إلى سياسة متزنة تضمن الحد الأدنى من السيادة الوطنية وتكسر موجة الهجوم الأميركي الشامل، اختارت معظم النخب العربية الردود البهلوانية التي توحي بالتنازل من دون أن تتنازل أو توحي بالتماسك والمقاومة مع تقديم أخطر التنازلات.

وقد انعكس هذا التقلب والتردد في سلوك القيادات العربية على عمل وقرارات الجامعة العربية أيضا وأفقدها وزنها وأفرغها من أي مضمون. وهكذا وجدت الدول العربية نفسها في أسوأ وضع ممكن، وهو التخبط والانقسام على النفس وغياب الوجهة والاتجاه، وبالتالي فقدان الصدقية الذي يعطي للولايات المتحدة وإسرائيل الشعور بأن هذه النخب والدول التي تحكمها قد فقدت تماسكها الداخلي وأنها أصبحت فريسة سهلة لعمل سريع وجريء.

والحقيقة أنه، مثل ما يشكل التسليم بالأمر الواقع الأميركي الإسرائيلي، أو وضع البلاد العربية في مواجهة التحالف الأميركي الإسرائيلي القائم، انتحارا مؤكدا للدول العربية، فلا يمكن أن يشكل رفض الاستجابة والهرب من المشكلة المطروحة حلا ناجعا لها، ولا يقدم للعالم العربي مخرجا من المأزق الذي وضعه فيه الهجوم الإستراتيجي الأميركي الإسرائيلي، ولا ردا على استحقاق تغير المعادلة الدولية. إنه لا يمكن أن يكون إلا بداية الطريق فحسب نحو بلورة إستراتيجية بديلة في مواجهة الموقف الصعب الذي يجد العالم العربي نفسه فيه مخيرا بين الانتحار بالسم أو بالرصاص.

ومن الواضح في نظري أن الموقف الصحيح هو الموقف الذي يرفض التنازلات المجانية من جهة كما يعمل لنزع فتيل التصادم والنزاع.

والسؤال الرئيسي الذي يطرح في هذه الحالة، في إطار بناء إستراتيجية احتواء عقلانية للهجمة الأميركية الشرق أوسطية، هو التالي: كيف يمكن للعرب أن يتجنبوا التنازل عن سيادتهم واستقلالهم دون أن يعرضوا أنفسهم لمواجهة مع الولايات المتحدة لا مصلحة لهم فيها؟ وكيف يمكن لهم أيضا أن يتجنبوا المواجهة مع الولايات المتحدة دون أن يضطروا لقاء ذلك إلى تقديم تنازلات تخل بموقعهم الإستراتيجي ومصالحهم الوطنية والجماعية؟

الجواب هو النجاح في تحويل "المساهمات والإصلاحات" التي تطلبها الولايات المتحدة من العرب من تنازلات مفروضة إلى مطالب ومصالح يفاوض عليها بين طرفين على قواعد واضحة كما هو الحال في أي مفاوضات دولية، وبالتالي أن تنتهي إلى تنازلات متبادلة أو لقاء مقابل واضح ومن الطبيعة نفسها. وهو ما يفترض مسبقا النجاح في تغيير الأرضية التي تقوم عليها اليوم العلاقات العربية الأميركية والتي تتسم بطابع المواجهة، حتى مع الدول المحسوبة على واشنطن، وتحويلها إلى أرضية صراع على مصالح واضحة ومعلنة وشفافة تقبل التفاوض ويمكن حلها بالحوار والتسويات المقبولة من الطرفين.

لكن في هذه الحالة يطرح الموضوع مسألة تحول العالم العربي إلى طرف بالمعنى الحقيقي للكلمة، أي إلى كتلة مقنعة ومتسقة في سياساتها الداخلية والخارجية، سواء ضمت كل الدول العربية أو بعضها. وحتى تكون مقنعة أي ذات صدقية ينبغي أن تظهر أن لديها بالفعل وعيا واضحا لمصالحها ورؤية مشتركة للمشاكل الدولية والإقليمية كما أن لديها القدرة والإرادة على المشاركة والتأثير في حلها وتحديد مستقبلها بنفسها.

وهذا يعني بعبارة أخرى أن يكون للعرب جدول أعمال إقليمي مشترك، وهو ما يعبر عنه التكتل الإقليمي، وخريطة طريق خاصة بهم للانتقال إلى الديمقراطية والاندماج في السوق العالمية، وهو ما يشير إليه مطلب الارتقاء إلى مستوى المعايير الدولية الحضارية والاقتصادية، وأهداف مشتركة تجمع في ما بينهم وتنير طريقهم وهو ما يشكل مصدر وحدة المصالح والفكر ويجمع بينهما.


عواقب إخفاق العالم العربي في الاستجابة للاستحقاقات الدولية الراهنة هي التهديد الحتمي بتفجير الأوضاع العربية الداخلية والإقليمية وتدشين حقبة عربية جديدة وطويلة من التفكك والتشرذم والاقتتال
إن من الصعب تحويل العرب إلى طرف أو شريك حقيقي مقنع، أي متمتع بالرصيد والصدقية، تقبل الولايات المتحدة وغيرها التفاوض معه على شؤون المنطقة وشؤون شعوبها ومجتمعاتها مع الاحتفاظ بشروط توازن القوى وترتيب المواقع الراهنين وأساليب الإدارة والحكم السائدة في المنطقة وداخل المعسكر العربي نفسه بشكل خاص.

إن تحقيق هذا الهدف يتطلب بالعكس القيام بمبادرات جدية وقوية وجريئة لتغيير المعطيات والتوازنات القائمة ولخلق أوضاع جديدة تقنع الأميركيين بأنهم غير قادرين على انتزاع تنازلات من العرب دون تقديم مقابل، وأن من مصلحتهم التفاهم مع العرب لتحقيق مصالحهم في المنطقة.

وربما يقع في صميم هذا التغيير وقلبه إدخال الشعوب والمجتمعات في الحياة السياسية وملء الدول التي تكاد تتحول إلى قواقع فارغة إلا من قرقعة الأجهزة الأمنية العقيمة والمعقمة، بالحياة والحيوية، وإقناع الدول الخارجية بأن ما يحرك هذه البلدان مصالح وإرادات حية بالفعل قادرة على العمل والإنتاج والمشاركة والمساهمة في الإبداعات العالمية، وأن هذه البلدان ليست مجرد وعاء لحشد من الكتل البشرية الجائعة والمحبطة والمقهورة التي لا تتقن شيئا سوى فن القتال والاقتتال، وهي مستعدة في أي لحظة للاشتعال.

هذا هو الأساس الحقيقي لبناء سياسة عربية إيجابية وفاعلة تغير من الاعتقاد السائد اليوم عند الأميركيين وغيرهم بأن المفاوضات الحقيقية لضمان مصالحهم في المنطقة الشرق أوسطية لا تتم مع العرب ولكن مع الدول الخارجية وفي مقدمها أوروبا وإسرائيل، وربما أيضا بعض الدول المجاورة الحليفة مثل تركيا.

ولا يظهر العرب في هذه الصورة إلا من حيث هم كتل بشرية هائلة ومخيفة بقدر ما هي مفتقرة للسياسة وللمدنية، أي للقيادة الأخلاقية والإنسانية، التي لا يمكن أن يصدر عنها بالتالي شيء غير تكدير الأمن والسلام الإقليميين والعالميين.

ودون السير في هذا الطريق الذي هو ثورة إصلاحية بالمعنى العميق للكلمة، وبداية في سلوكها هي نفسها، لن تكون أمام النخب العربية أي خيارات أخرى في السنوات القليلة القادمة سوى القبول بتجرع سم التنازل والاستسلام دون مقابل أو الاكتواء بنار العدوان والتدخلات العسكرية، الإسرائيلية وغير الإسرائيلية، وتحمل تبعات الهزيمة والانكسار دون سلوان.

لا ينبغي إذن أن نخفي عن أنفسنا لحظة أن الحفاظ على أساليب العمل والممارسة السائدة عندنا، سواء استمرت المقاومات المشتتة أم لم تستمر، سوف تقود لا محالة إلى إخفاق العالم العربي في الاستجابة للاستحقاقات الدولية الراهنة وأن عواقب هذا الإخفاق لن تكون شيئا آخر سوى التهديد الحتمي بتفجير الأوضاع العربية الداخلية والإقليمية وتدشين حقبة عربية جديدة وطويلة من التفكك والتشرذم والاقتتال.
ــــــــــــــــــ
* كاتب سوري

المصدر : الجزيرة