بقلم: مهنا الحبيل*

-البداية.. واستخراج البترول
-العامل السعودي والبترول.. قصة فتات الثروة
-.. وجاءت أحداث 11 سبتمبر
-
11 سبتمبر والحرب على العراق.. وحق المقاومة

البداية.. واستخراج البترول

هناك في ذلك الحي الفقير في مدينة الظهران حيث كان مولدي ومع فتيان الحي كان هناك أمر نترقبه كل عام لا نعرف ما هو؟ ولماذا؟ ولكن تشد الأطفال أجواء الاحتفال والزينة خاصة وهم يعيشون في تلك الحالة البائسة تلك المناسبة التي كنا
نرقبها اسمها (الكرسمس) لم نكن نعرف أنها مساء كل 25/ ديسمبر من التاريخ الإنجيلي الغربي لميلاد السيد المسيح عليه السلام ولكن هذا اللفظ ارتبط لدينا بالعالم الآخر الذي كان يفصلنا عنه حواجز وشباك شائكة وبوابات محصنة ضخمة لقد كانت جوهانسبرغ العربية إنها مدينة الظهران السعودية.

الحي الذي أقطنه مع أسرتي كان يسمى (سعودي كامب) هكذا كنا ننطق اسمه يتكون من بضعة بيوت متواضعة لم أكن أعرف فيه معنى غرف النوم وغرف الجلوس فالبيت كله غرفتان.

سكان الحي كانوا في غالبهم من أصحاب الوظائف البسيطة والدخل المتدني جدا بعيدا عن أي صورة للحضارة العمرانية كانت تلك الأكواخ تؤوينا لكن هذا لم يمنع أهل الحي من تلك الروح الجميلة والمحبة والتضامن التي عاشوها بنبل وصفاء.


قصة النفط في وطني صورة من أبشع صور الابتزاز والتسخير لقدرات الشعوب المسحوقة
وعلى ضفاف الحي الفقير كانت تتراءى لنا الجنه لقد كانت في أعيننا فعلا صورة من صور الجن. حيا يزخر بالحياة في بيوت نموذجية رائعة لا نعرف مانسميها لسبب بسيط إننا لم نكن نتوقع أن مصطلح بيت ممكن أن يجمع بين ماكنا نقيم فيه وبين منازل الضفة الأخرى. تلك الشوارع الفارهة في غاية التنظيم وإنارات تتوهج وحدائق في غاية الروعة لا يوجد في حي البؤساء شيء من هذا وأمام ما نسمعه عن حياة الداخل يزداد تطلعنا حيث لا نستطيع أن نراه إلا عبر التسلل تحت الأسلاك الشائكة وبعيدا عن حماية رجال الأمن المخصصين لحماية حي البيض حيث كنا نطلق عليه (حي السنير) في الظهران وهو مكان سكن الموظفين الأميركيين الذين يعملون في شركة أرامكوا وقليلا من الجنسيات الأخرى من كبار الموظفين وأقلهم في ذلك الزمن السعوديون.

وفي ليلة (الكرسمس) يجتمع الأطفال لترتيب العبور للضفة الأخرى فنقوم بمسح الحاجز الحديدي حتى نجد موقعا يمكننا أن ننفذ منه إلى أحد شوارع (حي السنير) بشرط ألا ترانا سيارة الأمن وفي المساء وبعد الدخول ننطلق ونتوجه إلى المركز الترفيهي تدهشنا تلك الفرجة ويأخذنا الإعجاب في تلك الزينة والإضاءات في شجرة الكرسمس كأننا قد انتقلنا إلى كوكب آخر أو نعيش أحد أحلام الطفولة الجميلة ومع أننا لم نكن نعمل شيئا سوى المراقبة كانت هذه الساعات أعظم متعة لدينا وأمام نظرائنا من الأطفال الأميركيين كانت هناك نظرات متبادلة ورغم بساطة الطفولة كان السؤال في عمقنا النفسي لماذا هم هنا ونحن هناك وربما كنا في عيون تلك الفتاة الصغيرة التي كانت تراقبنا مع مجموعة من الأطفال الأميركيين نبدو من نفس الكوكب ولكن دون تواصل معها وزملائها وإن لم تكن نظراتنا نظرات حقد كأطفال محرومين ولا نظراتها احتقار ولكنها شبكة من علامات الاستفهام والتعجب خاصة ونحن لا نجرؤ أبدا على الحديث في حي السادة في حين كانوا هم ينهون أطفالهم عن حديث الغرباء …..!من أهل الديار؟

هذه من قصص طفولتي في الظهران تلك المدينة عاصمة النفط في إقليم الأحساء شرق المملكة وطني التاريخي حيث تسبح حاضرتنا فوق بحيرة من البترول.

العامل السعودي والبترول.. قصة فتات الثروة


سيقولون.. وهم كاذبون (وكم كذبوا من قبل) إن هذه المقاومة تستهدف حضارتنا الديمقراطية وتقدمنا الإنساني هكذا بكل وقاحة تخدمهم تلك الآلة الإعلامية الضخمة التي باعت ضميرها
حدثني والدي رحمه الله أنه حضر تفجر النفط في بئر (الدمام7) وكان يزور أصدقاءه من رجال قريتنا الطرف حيث كانوا يعملون مع بدايات الشركة وحين تفجر الذهب الأسود حيث كان يحيط بالبئر رجال القرية ليتعاملوا مع العمل الثقيل والقاسي رمى الأميركيون قبعاتهم وصاحوا في احتفال هستيري بهذا الكنز ولكن رجال قريتنا رغم سعادتهم لم يشاركوهم ذلك الصخب رغم أنهم لم يعرفوا ما يخبئ لهم المستقبل من مصير هذه الثروة وأنهم آخر من يصيبهم فتاتها.

ظل العامل السعودي يتقاضى أتفه الدخل في عمله المجلل بالتعب والمعاناة فيما كان الأميركيون تصرف لهم رواتب ضخمة تعادل أضعاف مضاعفة لدخل الوزير. وناضل الناس في سبيل تحقيق شيء من العدل وكان لهم ذلك بعد معاناة كبيرة وسجن بسبب مطالبهم ومعارضتهم لضخ النفط للمصدر الذي يغذي العدوان الإسرائيلي في كل زمان ومن كان لديه شك في ذلك فليسأل مناضلة الإنسانية المحرومة راشيل كوري فستجيبه في صمتها المفحم. وكانت قيادات الشركة وهم من الأميركيين ترفض التنازل لتحسين أوضاع العمال السعوديين ولكنها رضخت لذلك بعد حين.

هذه قصة النفط في وطني صورة من أبشع صور الابتزاز والتسخير لقدرات الشعوب المسحوقة ورغم هذه الصورة التي رسخت في مخيلتي ومخيلة كثير من أبناء شعبنا لم أحقد على الأميركيين كشعب لسببين:

  • أولا: لأن هذه سياسة شركات الحكومة الأميركية أو قل حكومة شركات النفط الأميركية وليس الشعب نفسه.
  • ثانيا: كنت أعلم وأرى رغم مسؤولية الأميركيين الكبيرة أن هناك حكومة في بلدي من أبناء جلدتنا كانت ترعى تنفيذ هذه السياسات لذا حين بدأت العمل في أرامكو لم يمنعني هذا الانطباع الفكري والتاريخ المسجل في ذاكرتي من أن انفتح مع زملائي في العمل وكانوا فيما بعد غالبيتهم من الأميركيين وكنت أشعر إبان ذلك الزمن بأنهم أقرب الشعوب الغربية إلينا حيث كانت البساطة والبشاشة إضافة إلى الروح العفوية محل قبول وتلاقي معهم ولا أزال أذكر بالتقدير أحد رؤسائي حين اتخذ موقفا إنسانيا نبيلا معي خلال ظرف صعب مررت به وهو السيد ديفد لاسر ولا أزال أقدر له ذلك حتى الآن ومنذ أن افترقنا مضى أكثر من 15 عاما وأحييه في هذا المقال إن قدر له قراءته وأتمنى له التوفيق والسعادة.

ورغم سياسة الولايات المتحدة العدوانية ضد قضايا أمتنا لم نحمل لهذا الشعب أو نضمر له الكراهية فهل تغيرت الصورة؟

.. وجاءت أحداث سبتمبر

هل كانت الفرحة بأحداث 11 سبتمبر/أيلول سعادة بمقتل الآلاف من أبناء هذا الشعب؟ لم أحمل هذا الشعور البتة والحقيقة التي لايريد أن ينقلها الإعلام الغربي إن مظاهر الابتهاج التي عمت العالم الإسلامي لم تكن شماتة في ضحايا الحدث من المدنيين من أبناء هذا الشعب أو الشعوب الأخرى أو أنها كانت نشوة لإراقة الدماء بل الحقيقة إنها كانت لاعتقاد الجميع بأن المشهد الإعلامي للحدث كان يمثل شيئا يسيرا جدا مما سقته الولايات المتحدة للعالم الثالث وخاصة الإسلامي منه من مصائب وويلات وربما كان من المفارقات أن حتى الشيخ أسامة بن لادن نفسه لم يقل إن أهداف معركته هو قتل الأميركيين لمجرد أنهم أميركيون بل نص على أنها ضرب لمفاصل الاقتصاد للإدارة الأميركية التي تطحن هذا العالم المسحوق ليلا ونهارا ولكن وزيرة الخارجية الأميركية السابقة صرحت بأن مقتل أكثر من نصف مليون طفل عراقي هو ضريبة معقولة يقدمها العراق لهذا الحصار الجائر.

ولا أزال حتى هذه الساعة لا أؤمن بشرعية هذا العمل في نيويورك وباقي الطائرات المدنية ليس لأن الولايات المتحدة حشدت الإعلام الدولي والإقليمي لهذا الهدف أو ذاك ولكني أحيا مبادئ ديني وقيمه ولأن المسلمين حين يردون العدوان على
أعدائهم لايتبنون أساليب العدو فحين مثل بالشهداء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في معركة من أوائل المعارك لإقامة الدولة الإسلامية وهي غزوة أحد، لم يأذن صلى الله عليه وسلم لإخوانه من الصحابة المجاهدين أن يفعلوا بقتلى العدو
كما فعل بشهدائهم رغم فظاعة التشويه الذي لحق بأقرب الناس إليه وهو عمه حمزة.
وبين دخول الصليبيين الأوائل لبيت المقدس وبين دخول المسلمين يكمن الفرق الذي يغني عن الشرح وحين يوقف صلى الله عليه وسلم زحف الجيش المسلم لأنه وجد طائر روع في فرخيه حتى يرد أحد الجند الفرخين إلى عش الطائر ثم يستأنف الجيش الزحف فأولى أن لايروع الآدميون من المدنيين بأنفسهم وأقاربهم في فكر هذه الرسالة الخالدة.

11 سبتمبر والحرب على العراق.. وحق المقاومة


لا أزكي إعلامنا الفاسد في مقابل الإعلام الغربي غير إني وأبناء شعبي نعلم أن إعلامهم الرسمي مزور ولكن الحقيقة المؤلمة أن يزور الإعلام باسم قيم الديمقراطية والحضارة
ولكننا اليوم ننطلق من قضية أخرى تختلف تماما عن أحداث 11 سبتمبر وهو ماتحاول الإدارة الأميركية إخفاءه لقد توحد الرأي العام الإسلامي على أن هذه الجيوش التي يغص بها الخليج والزحوف التي حاصرت أوطاننا وأطبقت على العراق لم تأت اليوم إلا لقيادة محور الشر لتنفيذ عدوان تاريخي على الأمة بدأ بالعراق وها نحن نشهد سقوط بغداد في يدي المستعمر الجديد وهذا المحور لم يكتف بما عانيناه من سياسات الحكومات الأميركية المتعاقبة وما راح ضحيته عشرات الآلاف من أرواح أبنائنا ومن ثرواتنا لكنه بات يسعى للإطباق الكلي على أوطاننا ولا أريد أن أعيد
أهداف هذه الحملة المجرمة على العراق ولا السخرية التي تنتابنا حين نسمع إشفاق
الحكومة الأميركية على الشعب العراقي من النظام المجرم حليف الأمس ويكفي حديث رجال البيت الأبيض بعد أن بدا لهم النصر الموهوم بأنهم لن يشركوا أحدا معهم في الغنيمة حتى ما يسمى بالأمم المتحدة وأصبح ما يحضر للجغرافيا السعودية وإقليم الأحساء حاضرا بقوة في هذا المخطط الإستراتيجي ونحن نوشك على نهاية معركة العراق والإعلام الغربي قبل العربي. تحدث مرارا وبتصريحات مباشرة من المسؤولين عن هذه النوايا الخبيثة لكني أكتب لكم في رسالة عن رؤيتنا أهل المنطقة عن هذه الحرب والتي أعتقد أنها بدأت بسقوط بغداد ولكم فقط كأبناء الشعب الأميركي بعد أن راعتني أحاديث المثقفين الأميركيين حيث كانوا أشد حرصا على الدماء من حكومتهم وأكثر استعلاء منها على الشعوب الأخرى هذا ما سمعناه عنهم وفقا للإعلام الديمقراطي. والذي كان في رفقة الجنود الذين قصفوا مكاتب الجزيرة وأبو ظبي في تباشير الإعلام الحر للحضارة الأميركية المجيدة وهي ترفع راياتها وسط أشلاء المدنيين.

إن الشعور المتمكن في نفوسنا لمواجهة هذا العدوان ليست حصرا على تنظيم القاعدة والتي أصبح يوصم بها كل من أراد أن يقاوم هذا الظلم التاريخي للحضارة الأميركية حتى يكون سحقه ومحو حقوقه مباحا للنازية (الأنغلوسكسونية ) بل إن كثيرا من أبنائنا لم يتوجهوا إلى أفغانستان إلا بعد أن رأوا تلك المحرقة للشعب الأفغاني التي تشير بعض المصادر الباكستانية إلى أنه راح ضحيتها ما يناهز مائة ألف. لكن قتلانا لا قيمة لهم في حضارة حكومة النفط. وكثيرا من هؤلاء الشباب لا يعرفون الشيخ أسامة ولم يلتقوا به ولم يتلقوا منه بشكل مباشر أي تعليمات لكن وجهتهم الأحداث وأنهار الدماء والإصرار الوقح على استهداف ديننا واحتقار كرامتنا كعرب ومسلمين لذا فإن الوعي بضرورة مقاومة هذا الغزو الصليبي الجديد غدت عقيدة فكرية للغالبية الساحقة من أهلنا في الخليج.

سيحاول الإعلام كعادته قلب الحقائق وأن أعمال المقاومة حين تستعر في الخليج فإن من يقومون بها هم زمرة من الإرهابيين وليست مقاومة طبيعية وفطرية لكل شعب يرى رأي العين العدو يغتال كرامته ويحتقر إنسانيته فضلا عن حقوق هذه الأوطان في تصريف ثروتها الاقتصادية.


لقد توحد الرأي العام الإسلامي على أن هذه الجيوش التي يغص بها الخليج والزحوف التي حاصرت أوطاننا وأطبقت على العراق لم تأت اليوم إلا لقيادة محور الشر لتنفيذ عدوان تاريخي على الأمة بدأ بالعراق
سيقولون وهم كاذبون (وكم كذبوا من قبل) إن هذه المقاومة تستهدف حضارتنا الديمقراطية وتقدمنا الإنساني هكذا بكل وقاحة تخدمهم تلك الآلة الإعلامية الضخمة التي باعت ضميرها وأنا هنا لا أزكي إعلامنا الفاسد في مقابل الإعلام الغربي غير إني وأبناء شعبي نعلم أن إعلامهم الرسمي مزور ولكن الحقيقة المؤلمة أن يزور الإعلام باسم قيم الديمقراطية والحضارة.

أثمن لهذا الشعب الدعوات التي خرجت منه لإيقاف الحرب المجنونة على رغم ضعفها وإن كانت وقفة الأوروبيين تاريخية ورسالة عظيمة في هذا الزمن تستحق منا التكريم والإشادة لأنها انتصرت على نظرية التوجيه الحكومي للرأي العام وهو للأسف الشديد ما أرى خلافه في الولايات المتحدة الأميركية لذا قررت أن أكتب هذه الرسالة كبادرة شخصية من مواطن عربي إلى المواطن الأميركي بلا وساطة وبلا حواجز وليس لدي ما يبعث الأمل في قبولها إلا أنني أكتب بإخلاص ومصداقية وأرجو أن نلتقي تحت مظلة السلام الحقيقي قبل أن تطحننا الحرب هنا أو هناك.

_______________
*كاتب سياسي سعودي

المصدر : غير معروف