بقلم/ عاطف معتمد عبد الحميد

- ثوابت الأمة
- تجميل الصورة
- الديمقراطية.. مقاس خاص
- رؤية من المنعطف

لم تكن مقولة الشاعر الروسي فيدور تيوتشيف "بالعقل.. لا يمكن فهم روسيا" سوى واحدة من المقولات التي تم استدعاؤها في الأوساط الأدبية الروسية تحليلا لتطور الأوضاع في الفترة الأخيرة. ويبدو أن ما قاله تيوتشيف عام 1865 مازال قادرا على إراحة النفس من مشقة التفكير، والركون إلى أن ما يحدث على الساحة السياسة غير قابل للقياس المنطقي.

وبمفردات مختلفة عن فلسفة الشعراء حقق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ما خطط له مستشاروه وفاز يوم 14 مارس/ آذار الجاري برئاسة روسيا بفارق 40 مليون صوت عن أقرب منافس له!

وقد وضع بوتين بهذا الفوز خطا فاصلا بين فترتين لرئاسته: الأولى لتحسس الطريق ووزن القوى المحيطة والترتيب للتخلص منها، والثانية للتفرغ لتنفيذ مشروع مازال غامضا يعده البعض قوميا رائدا، في حين لا يرى فيه آخرون أكثر من نسق غير مترابط من ممارسات سياسية بمرجعية مخابراتية.

وبما أن بوتين صرح بعيد فوزه "أعدكم أن أستمر بنفس القوة وعلى نفس النهج"، فإن ذلك يدفعنا إلى التساؤل عن هوية المشروع الذي تبناه خلال ولايته الأولى، وعن النهج الذي يعد بالاستمرار فيه في ولايته الثانية.


قبيل تولي بوتين رئاسة روسيا نادت عدة أصوات في الغرب بضرورة إيجاد حل لخطورة امتلاك جيش روسي متخلف لترسانة نووية يمكن أن تباع لمن يدفع فيدمر بها العالم "المتحضر"
ثوابت الأمة
تفيد مراجعة الخطاب السياسي الصادر عن الكرملين خلال السنوات الأربع الماضية في الوقوف على خمس قضايا اكتسبت صفة "ثوابت الأمة"، وهي:

1. القضاء على التمرد في القوقاز لدحر المشروعات الانفصالية المتشربة بالفكر الأصولي، وتدعيم الفدرالية الروسية بما يفضي إلى اختفاء "الصداع" الشيشاني بأي وسيلة وفي مقابل أي ثمن، حتى يرتدع من يفكر في تبني نفس النهج من الأقاليم والجمهوريات التي تشكل حبات عقد الفدرالية الروسية.

2. تحسين الأحوال المعيشية لوقف حالة التذمر الشعبي بسبب التوزيع الظالم للثروة التي نهبتها فئة من كبار رجال الدولة وشركائهم من رجال الأعمال تاركة 40 مليون نسمة (أكثر من ربع السكان) يعيشون حالة من الفقر البين.

3. تبني اقتصاد السوق والحفاظ على علاقة متوازنة مع طبقة الأوليغارشيا كهدف ظاهره إستراتيجي وباطنه تكتيكي.

4. إقرار الأمن والنظام وإعادة الهيبة للحكومة بعد عقد من الزمان وصفت فيه روسيا بدولة المافيا وتفشي الفساد، وباتت فيه قيادة الدولة في عهد يلتسين مصدرا للسخرية المحلية والعالمية.

5. الإصلاح العسكري والنهوض بالجيش الذي ساءت سمعته داخليا وخارجيا بدرجة أحرجت مؤسسة عسكرية حققت إنجازات كبرى على مدى التاريخ. وقبيل تولي بوتين رئاسة روسيا نادت عدة أصوات في الغرب بضرورة إيجاد حل لخطورة امتلاك جيش روسي متخلف لترسانة نووية يمكن أن تباع لمن يدفع فيدمر بها العالم "المتحضر".


أبرز مشاهد الإخفاق في رئاسة بوتين الماضية هو الفشل في غلق الملف الشيشاني رغم الوعود التي أطلقها في بداية حكمه بإنهاء تمرد الشيشان خلال بضعة أسابيع

تجميل الصورة
وإذا ما قيمنا ما حققه مشروع بوتين في القضايا الخمس السابقة، سنجد قدرا من النجاح في القضيتين الأخيرتين. فقد استعاد الكرملين هيبته بطريقة سريعة وسهلة بسبب اختفاء العلة، أي انسحاب الرئيس السابق بوريس يلتسين مصدر فقدان الهيبة. وبدوره نجح بوتين في "تقمص" شخصية القائد الواعي بخطورة المرحلة التي تعيشها بلاده.

واستفاد بوتين من أخطاء سلفه يلتسين فاعتنى بالدلالات الرمزية كالجدية والاتزان والأناقة وإبعاد الأسرة عن السياسة، كما مسح من ذاكرة شعبه المشهد المتكرر لسلفه ذلك الذي كان رافعا كأسه في كل مناسبة، وما حمله ذلك من دلالات على حالة التغييب التي عاشتها حكومة روسيا وتركت لآخرين التلاعب بمصير الشعب من خلف الستار. باختصار صنع بوتين لنفسه مشهدا وقورا لرئيس محافظ وقوي.. وهو ما كان يحتاجه فعلا الشعب الروسي.

وبالنسبة للجيش فقد حدث تحسن مرحلي فقط، فما حققه من نصر في مستهل رئاسة بوتين في النصف الأول من عام 2000 (مقارنة بانكساره في الحرب الشيشانية الأولى 1994-1996)، سرعان ما سلبت قيمته بمكاسب المقاتلين الشيشان في حرب العصابات.

وفي المقابل فقد أخفق مشروع بوتين وبدرجات متفاوتة في القضايا الثلاث الأولى: إنهاء المشكلة الشيشانية، تحسين الأحوال المعيشية، والعلاقة المتوازنة مع رجال المال.

وقد تغاضى الشارع الروسي عن الإخفاق في ضبط العلاقة بين الساسة ورجال المال، وذلك بعد انقلاب بوتين على من ساعده منهم بسحر الإعلام وبعد أن وصل بعونهم إلى السلطة بأمان. وراق لملايين السكان الساخطين على أوضاع شبه إقطاعية التخلص من إمبراطوريات المال والإعلام كوسيلة للتنفيس عن حالة الاختناق وهم يرون دولتهم واحدة من أغنى دول العالم بالموارد بينما هم لا يحصلون على رواتب تكفيهم الحد المناسب من الحياة.

وعلى مستوى تحسين الأوضاع المعيشية كان التجميل في الصورة دون الجوهر، فلم يستفد من برامج التطوير الاقتصادي سوى شريحة محدودة من الشعب، ومازال علاج المشكلات العميقة اقتصاديا يتم "بالقطعة". وأحدث صور هذه الوسيلة إعلان بوتين قبيل الانتخابات الرئاسية بيومين زيادة المعاشات لقطاع من السكان يبلغ نحو 22 مليون نسمة، ولكن على أن يسري مفعول الزيادة بعد الانتخابات بأسبوعين. وهو أسلوب مكشوف لكسب نسبة معتبرة من أصوات الشيوعيين والزراعيين من كبار السن المتعاطفين مع برامج الإصلاح الاجتماعي الاشتراكية.

أما أبرز مشاهد الإخفاق في رئاسة بوتين الماضية فهو الفشل في غلق الملف الشيشاني رغم الوعود التي أطلقها في بداية حكمه بإنهاء تمرد الشيشان خلال بضعة أسابيع. وما تحقق إلى الآن من وضع دستور شكلي للشيشان و"انتخاب" رئيس لها لا يكرس إلا ذات المنهج المتبع وهو العلاج بالمسكنات.


بعد نجاح بوتين في ترويض مجلس الدوما وتدجين الحكومة يدخل سنواته الأربع الجديدة منفردا بحكم روسيا التي صارت الصحف الغربية تسميها روسيا البوتينية أو روسيا القيصر فلاديمير
الديمقراطية.. مقاس خاص
يؤمن بعض المفكرين في روسيا -كما البعض في العالم العربي- بأن النسخة المحلية للديمقراطية يجب أن تفصل على مقاس الظروف التاريخية والاجتماعية للدولة، ولا يصح نسخها عن الأصل الغربي بكامل التفاصيل.

فحينما استبق بوتين الانتخابات الرئاسية بإقالة رئيس وزرائه ميخائيل كاسيانوف واستبدله بوجه سوفياتي نصف مغمور هو ميخائيل فرادكوف تحت دعوى تدعيم الإصلاح الاقتصادي، سارع المراقبون إلى التأكيد أن رئيس الوزراء الجديد لا يمكن أن يعمر طويلا، فهو -بحسب من عرفوه- لن يشغل سوى موقع "سكرتير الرئيس" وليس رئيسا لوزرائه.

وحسب هذا الرأي فإن بوتين بعد أن نجح في ترويض مجلس الدوما وتدجين الحكومة يدخل سنواته الأربع الجديدة منفردا بحكم روسيا التي صارت الصحف الغربية تسميها "روسيا البوتينية" أو "روسيا القيصر فلاديمير".

وتنبع جرأة بوتين في التفرد بالحكم من عدم الاكتراث الشعبي بقضايا تبدو "ثانوية" كالديمقراطية! والسبب الرئيسي إلى جانب الانشغال بالأزمة الاقتصادية ومرارة تجربة التغيير بالثورة والدماء التي لا يرغب أحد في تكرارها الآن، هو عمق الإرث التاريخي المترسب في النفس والذي ظلت لعبة السلطة في أغلب فتراته "قيصرية وسوفياتية ثم فدرالية" لا يشرك فيها الشعب بشكل حقيقي.

والسؤال إذن: لماذا صوت الشعب لصالح بوتين؟ الطريف أن أبسط الإجابات هي أقربها للدقة: لا يوجد منافس لديه مشروع بديل، أو بالأحرى لم تتح الفرصة لظهور مشروع آخر، فبوتين احتكر التأثير على خيارات العقل الروسي.

ويؤمن بوتين بنسخة خاصة من الديمقراطية تسمح لنفسها بتهميش الأحزاب والسيطرة على وسائل الإعلام والمزايدة على قضايا قومية. ونجح مستشارو بوتين في "خطف" أفضل ما في أيدولوجيات المعارضة من شعارات واستخدموها كوعود مستقبلية عبر دعاية منظمة جملت الصورة وأخفت السوءات.

وكما في الولاية الأولى، استهل بوتين ولايته الثانية بوعود بالديمقراطية والحرية. وحينما سأل مراسل قناة BBC المرشح الرئاسي سيرجي غلازييف الحاصل على 4% من الأصوات: هل تصدق وعود بوتين؟ كان الرد "لقد كانت أمامه أربع سنوات ليفعل.. ولم يفعل! إن دولة الفساد والاحتكار الحكومي للاقتصاد لا يمكن أن تلد ديمقراطية".

ورغم توقعهم لكلمات بهذا القدر من القوة فإن مستشاري بوتين خططوا جيدا لحملته، بدءا من إغراق روسيا بملايين الصور الملونة لبوتين على خلفية علم الدولة وعبارة "رئيسنا هو بوتين"، مرورا بمساحات تلفازية للدعاية تفوق بعشرات المرات تلك الممنوحة لمنافسيه.

كما لم يهمل هؤلاء حتى إرسال الآلاف من رسائل الهواتف المحمولة إلى المواطنين الروس خارج روسيا لتذكيرهم بموعد الانتخابات وحقهم في التصويت في دول المهجر (أشهرها دول البلطيق وإسرائيل والولايات المتحدة).

ولم يكن هناك وقت بالطبع للتعليق على انتقاد واشنطن أو منظمة الأمن والتعاون الأوروبي لموسكو بسبب عدم تساوي فرص المنافسة بين المرشحين. كما لم يكن مهما بالنسبة للكرملين أن يرسل غلازييف رسالة مفتوحة إلى بوتين يناشده فيها وقف تبديد أموال الدولة على الإنفاق على حملة الرئيس الانتخابية.

ومن الوقائع الطريفة للشحن المنظم للمواطنين ما نشرته صحيفة إزفيستيا قبيل الانتخابات بيومين من أن أحد مسؤولي اللجنة الانتخابية في إقليم أوليانوفسك بوسط روسيا شدد على موظفيه بالقول "لابد ألا يقل عدد المصوتين في الانتخابات الرئاسية عن 80%، وإذا لم تتحقق هذه النسبة فعليكم الذهاب إلى الناخبين في بيوتهم!‍‍".


إذا ما وضعنا تاريخ الدولة الروسية أمام أعيننا والميراث السلطوي عن يميننا والعلاقات الدولية لروسيا عن يسارنا فلا يصح حينها إلا توقع بقاء بوتين على منهج تكريس السلطة
رؤية من المنعطف
أربع سنوات تبقى أمام ذلك الرجل الطموح قبل أن يخرج من الكرملين، وعند المنعطف يبدو أن أمام الرئيس الروسي منهجين يتوقف اختيار أحدهما على عوامل عدة ليس آخرها نوايا بوتين التي ستكشفها السنين الأربع القادمة.

المنهج الأول- أن يستنسخ بوتين فترته الثانية من الأولى فيتم تكريس السلطة وتمضي محاولات متعثرة لإنعاش الاقتصاد والتقارب مع الغرب، ويتفاقم الانكماش الجيوسياسي. والمتوقع إزاء هذا المنهج أن يصاب النظام بالركود خاصة في السنتين الأخيرتين من حكم بوتين مع العد التنازلي للخروج من دائرة الضوء المبهرة.

كما يتوقع أن ينشغل بوتين في جزء من نشاطه في النصف الثاني من ولايته الجديدة بترتيب علاقته بمراكز القوى السياسية الصاعدة، وخاصة ما يتعلق باختيار شخصية يضعها بنفسه تحت الضوء لتخلفه في الرئاسة وتحلف له بالولاء، بغض النظر عن حاجته لأن يكتب مع هذه الشخصية عقدا لضمان عدم مساءلته بعد خروجه من الكرملين (كما فعل يلتسين مع بوتين من قبل).

والمنهج الثاني- أن يكشف بوتين عن مشروع جديد يشرع من خلاله في حكم روسيا مجربا ممارسات سياسية راديكالية، فيقر بوتين قوانين جديدة لتفعيل المشاركة السياسية للأحزاب ويعيد إلى الإعلام نوافذه كاملة وينعش دور اقتصاد السوق، ويسمح للشيشان بقوانين فدرالية حقيقية ترتبط بها مع روسيا قانونيا لا عضويا، ويطلق العنان لمنافسين سياسيين يتم تحضيرهم لتولي رئاسة روسيا عبر أيدولوجية يمينية أو يسارية بعد سيطرة أيدولوجية يسميها بوتين بالوسطية.

ومن وجهة نظر آنية -نقفز بها عبر السنوات الأربع القادمة- فإننا إذا ما وضعنا تاريخ الدولة الروسية أمام أعيننا والميراث السلطوي عن يميننا والعلاقات الدولية لروسيا عن يسارنا، فلا يصح حينها إلا توقع المنهج الأول.
_________________
باحث في الشؤون الروسية

المصدر : الجزيرة