بقلم/ خليل العناني

- الأهداف الاقتصادية لإسرائيل في العراق
- الخطط الإسرائيلية لإعمار العراق
- الفرص الإسرائيلية في إعمار العراق

لم تقتصر المكاسب الإسرائيلية من كارثة العراق على النواحي الإستراتيجية والأمنية فقط، وإنما امتدت لتشمل كذلك الجوانب الاقتصادية. لذا لم يكن مستغرباً أن تعبر دوائر المال والأعمال في إسرائيل عن فرحتها بسقوط النظام العراقي السابق واعتباره بمثابة نصر إسرائيلي غير مباشر في المنطقة العربية نظراً لما قد ينطوي عليه من إزالة جدار الانعزالية الذي دشنه العراق في وجه إسرائيل منذ احتلالها لفلسطين عام 1948.

الأهداف الاقتصادية لإسرائيل في العراق
تتنوع الأهداف الاقتصادية لإسرائيل في العراق ولا تقتصر فقط على المساهمة في إعادة إعمار العراق، وإنما هناك أيضا حزمة من الأهداف والمطامح الاقتصادية البعيدة المدى يمكن لإسرائيل تحقيقها وجني ثمارها في العراق، ولعل أهمها ما يلي:


  • تتنوع الأهداف الاقتصادية لإسرائيل في العراق ولا تقتصر فقط على المساهمة في إعادة الإعمار, وإنما هناك حزمة من الأهداف والمطامح الاقتصادية البعيدة المدى
    التخلص من حال الاختناق التي يمر بها الاقتصاد الإسرائيلي والتي وصلت درجات غير مسبوقة منذ نشأة الدولة العبرية ذاتها، وهي الحال التي نجمت عن اندلاع الانتفاضة الثانية "انتفاضة الأقصى" وأطاحت بالعديد من القطاعات الاقتصادية الإسرائيلية ودفعت بها نحو حافة الهاوية.
  • فتح السوق العراقية التي يبلغ حجمها نحو 22 مليون نسمة أمام المنتجات الإسرائيلية وما يعنيه ذلك من ترويج الصادرات الإسرائيلية الراكدة منذ أكثر من عامين، فضلاً عن تشغيل المصانع التي اعتراها الصدأ وتوقفت عن العمل نتيجة لظروف الانتفاضة، وهو ما يصب في النهاية في خدمة المواطن الإسرائيلي ذاته سواء من ناحية خلق فرص عمل جديدة وخفض معدلات البطالة التي تخطت حاجز 9% للمرة الأولى في تاريخ إسرائيل، أو من ناحية زيادة الدخول الفردية هناك.
  • اعتبار العراق هو الجسر نحو بدء الخروج من العزلة العربية، وتمهيد الطريق نحو استعادة زخم العلاقات الاقتصادية بين إسرائيل والدول العربية، وذلك بالنظر إليه كنقطة التقاء للشركات العربية الراغبة في المساهمة في إعمار العراق. وهو ما يمكن أن يمهد الطريق نحو فتح الأبواب العربية المغلقة أمام المنتجات الإسرائيلية، خاصة في ظل حالة الترهل الاقتصادي العربي الراهنة.
  • بناء علاقة تحالف إستراتيجي طويل الأمد مع العراق الجديد وذلك عبر الوسيط الأميركي، مما يعني اعتراف أي حكومة عراقية قادمة بالمصالح الإسرائيلية في العراق، وبحيث تصبح العلاقة بين الطرفين علاقة "كاثوليكية" يصعب فكها، خاصة في ظل الاحتياج العراقي للتكنولوجيا والأموال الإسرائيلية لإعادة بناء منشآته وأبنيته التحتية، وبحيث يصبح هناك اعتماد عضوي على رأس المال الإسرائيلي في مشروعات الإنشاء والتعمير المستقبلية.

الخطط الإسرائيلية لإعمار العراق
لم يكن لأحد أن يدرك مدى الحذر والحيطة اللذين تعاملت بهما إسرائيل مع ملف العراق إبان الحرب الأميركية عليه والتي اتبعت إسرائيل خلالها إستراتيجية "المراقبة عن بُعد"، حيث تحرى الإسرائيليون الحديث عن أي أهداف في العراق انتظاراً لإعلان الانتصار الأميركي هناك. وما أن حدث هذا حتى خرجت النوايا الإسرائيلية إلى العلن وأصبح التصريح بالمصالح الإسرائيلية في العراق أمراً مباحاً بل ومنطقياً في ظل العلاقة الوثيقة التي تربط بين صقور واشنطن ومتطرفي تل أبيب.

وظهر أول تعبير عن الخطط والنوايا الإسرائيلية تجاه العراق حين أعلن وزير البنية التحتية يوسف باتريزكي عقب سقوط بغداد مباشرة عن رغبة الحكومة الإسرائيلية في إحياء خط النفط القديم (الموصل/حيفا) الذي توقف عن العمل عقب قيام دولة إسرائيل عام 1948.


تقوم الخطط الإسرائيلية للمساهمة في إعمار العراق على ثلاث ركائز هي: الاعتماد على الدور الأميركي, والإلمام بتفاصيل المشاريع العراقية، ثم الدخول في المناقصات
ومنذ بدء الحرب على العراق والشركات الإسرائيلية تتأهب للحصول على جزء من كعكة إعمار العراق، بل ولم تجد صحيفة معاريف الإسرائيلية غضاضة في الإفصاح عن المفاوضات التي أجرتها الشركات الإسرائيلية مع نظيراتها الأميركية للحصول على نصيب من عقود إعادة الإعمار، حيث قامت شركات إسرائيلية فعليا بالاتصال بالوكالة الأميركية للتنمية الدولية (US Aid) المسؤولة عن توزيع عقود إعمار العراق من أجل الاتفاق على طبيعة العقود التي قد تحصل عليها الشركات الإسرائيلية.

وتقوم الخطط الإسرائيلية للمساهمة في إعمار العراق علي ثلاث ركائز أساسية هي:

  • الاعتماد على الدور الأميركي في تسهيل الحصول على حصة من مشاريع الإعمار، بحيث يصبح للشركات الإسرائيلية الأولوية على غيرها من شركات المنطقة وذلك نظراً لعاملين أساسيين هما: خبرة الشركات الإسرائيلية في معرفة أسواق المنطقة العربية ومدى احتياجاتها، والخبرة التكنولوجية العالية التي تتمتع بها الشركات الإسرائيلية دون غيرها من نظيراتها العربية. وقد رافق ذلك ضغط إسرائيلي كبير على مسؤولي الإدارة الأميركية لدمج الشركات الإسرائيلية في عمليات بناء العراق، وهو ما اتضح خلال زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي سيلفان شالوم ومطالبته لنظيره الأميركي كولن باول بأهمية دمج إسرائيل في مشاريع إعمار العراق، بل ربط شارون هذه المسألة -جزئياً- بموقفه من الاستمرار في بناء الجدار الفاصل.
  • الإلمام بكافة تفاصيل الأوضاع في العراق للوقوف على فرص وإمكانات المساهمة الفعلية في مشاريع الإعمار، لذا فقد بادرت شركة المعلومات الإسرائيلية "دان أند بردستريت إسرائيل" (D&B) بنشر معطيات وتقديرات عن الوضع الاقتصادي في العراق.
  • الدخول في مناقصات بشأن مشاريع الإعمار في العراق ومنافسة الشركات الأخرى بما فيها الأميركية، وفي هذا الإطار أشارت صحيفة يديعوت أحرونوت إلى أن وزارة الدفاع الأميركية لم تبد أي اعتراض على مساهمة الشركات الإسرائيلية في مشاريع إعمار العراق.

الفرص الإسرائيلية في إعمار العراق
لم تضيع الشركات الإسرائيلية فرصة البدء في الإعلان عن مشروعات الإعمار في العراق، وليس أدل على ذلك من المرسوم الوزاري الذي أصدره وزير المالية الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نتيجة ضغط مجتمع المال والأعمال الإسرائيلي، والذي يقضي بترخيص قيام علاقات تجارية مع العراق بعدما كانت ممنوعة على الإسرائيليين بوصفها تجارة مع "العدو العراقي" الذي كان مدرجا على قائمة الدول المعادية لإسرائيل.

ويسمح الترخيص الجديد بإقامة علاقة تجارية أو مالية أو غيرها مع العراق وخاصة في مجال توريد ونقل السلع والخدمات، وذلك لمدة عام واحد قابل للتجديد.

ولهذا فقد بادرت شركات من مختلف القطاعات للمساهمة في مختلف أنواع مشاريع الإعمار في العراق، وقد قدر رئيس معهد الصادرات الإسرائيلي شراغا بروش أن طاقة التصدير الإسرائيلي غير المباشر إلى العراق في السنوات الثلاث المقبلة قد تصل 100 مليون دولار سنويا.

والجدير بالذكر أن أعمال الشركات الإسرائيلية في العراق تتم عبر أحد المسارات التالية: إسرائيل-تركيا-العراق، أو إسرائيل–الأردن–العراق، أو إسرائيل–بولندا-العراق.


قدر رئيس معهد الصادرات الإسرائيلي أن طاقة التصدير الإسرائيلي غير المباشر إلى العراق في السنوات الثلاث المقبلة قد تصل إلى 100 مليون دولار سنويا

ويمكن إجمال القطاعات التي من المتوقع أن تساهم فيها الشركات الإسرائيلية في التالي:
- في مجالات البنية التحتية، وفي هذا الإطار أشارت صحيفة معاريف العبرية إلى توجه عشرات المقاولين الإسرائيليين نحو اتحاد المقاولين الإسرائيلي من أجل التعرف على السبل المناسبة التي تتيح لهم المشاركة في مشاريع إعادة إعمار العراق والتي يقدر حجمها بمليارات الدولارات. كما قام اتحاد المقاولين بتشكيل فريق مندوبين إسرائيليين لزيارة العراق وذلك بالتنسيق مع الجانب الأميركي، سعيًا وراء التعرف على المشاريع التي تمكن المشاركة في تنفيذها.

ولعل أهم الشركات الإسرائيلية المهتمة بهذا الشأن شركة "سوليل بونيه" من مجموعة "شيكون فبينوي" (إسكان وبناء) المعروفة بخبرتها العالية في مجال البنى التحتية، ولها باع طويل من المشاريع الضخمة التي نفذت في دول أفريقية وشرق أوروبية. كما تقوم شركة "أرونسون" -وهي أكبر الشركات الإسرائيلية الخاصة في مجال البنى التحتية- بدراسة الاستثمار في العراق على ضوء توجه بعض الشركات الأردنية في هذا الصدد.

ومن الشركات الإسرائيلية الأخرى التي تتطلع إلى الاستثمار في إعادة إعمار العراق شركة "كاردان" المتخصصة في المياه، و"أشتروم" في مجال إنشاء بنى تحتية، و"أفريقيا إسرائيل" في مجال إنشاء الطرق، و"الشركة لإسرائيل" المتخصصة في تقطير المياه، و"بزان" التي تعمل في مجال تشغيل مصافي التكرير وقد أشار مديرها العام يشار بن مردخاي إلى أنها "تستعد لشراء نفط خام من العراق سيصل عن طريق تركيا، ويدور الحديث في المرحلة الأولية عن 10% من إجمالي واردات إسرائيل من النفط، لكن الكمية ستزداد بعد ذلك" (يديعوت أحرونوت 28/5).

- الزراعة والأغذية، وفي هذا الإطار أشار البعض إلى المحادثات التي أجراها كبار المسؤولين في وزارة الزراعة الإسرائيلية مع نظرائهم في الإدارة الأميركية لإتاحة تسويق الفواكه والخضار الإسرائيلية إلى العراق. والسلع الزراعية المزمع تصديرها إلى العراق هي منتجات زراعية طازجة من الأراضي الفلسطينية مثل الخضار والفواكه والبيض واللحوم. كذلك الأمر بالنسبة لشركة "تامي" الإسرائيلية لتسويق أجهزة تطهير المياه فقد حصلت على طلبية أولى بقيمة 50 ألف شيكل (11 ألف دولار) عن طريق شركة أجنبية لتسويق 20 جهاز لتطهير المياه في العراق. كما شرع رجال أعمال إسرائيليون في التعامل مع إقليم كردستان العراقي, حيث قاموا بإبرام عدد من الصفقات لتزويد الإقليم بالمنتجات الغذائية (معاريف 18/9).

وتجدر الإشارة إلى أن هناك علاقات قائمة بين شخصيات إسرائيلية ومسؤولين كردستانيين منذ سنوات طويلة, وتم نقل مساعدات إسرائيلية إلى هذا الإقليم في الماضي. كما طالب رؤساء إقليم كردستان العراقي في السابق من جهات إسرائيلية مقربة من الإدارة الأميركية التوسط لتحقيق مصلحتهم لدى واشنطن.

وقد قام وفد من الكنيست الإسرائيلي ضم سبعة أعضاء من بينهم نائبان من أصل كردي بزيارة بغداد وأربيل شمال العراق‏،‏ وأجرى خلال الزيارة مباحثات مع المسؤولين في الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البرزاني‏،‏ والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال طالباني تركزت على مشروعات إعادة إعمار العراق‏،‏ والتعاون في المجال النفطي وإمكانية توطين أعداد من اليهود في شمال العراق‏.‏


ما زالت المساهمة العربية في جهود إعمار العراق في أدني مستوياتها وهي لا تعبر عن الزخم المفترض في مثل هذه الحالات واقتصرت على بعض المبادرات الفردية الخاصة
- في مجال الاتصالات والهواتف النقالة، وفي هذا الإطار من المتوقع أن يقوم القمر الصناعي الإسرائيلي "إيريديوم" بتزويد العراق بالهواتف العامة، وتقدر كلفة الصفقة بما بين أربعة إلى خمسة ملايين دولار. وقد تم الترخيص للقمر الصناعي العالمي ولمجهز بيانات الاتصالات في الشهر الماضي بمكتب الحكم الائتلافي المؤقت لبيع خدمات اتصالات قمره الصناعي النقالة ومحطات الاشتراك. وطبقا للمدير التنفيذي للقمر الصناعي الإسرائيلي الإيريديوم "عامي شنيدر" فإن الطلب قُدّم عن طريق شركة أردنية، وتخطط الشركة أيضا لتسويق عدة آلاف من الهواتف النقالة في العراق.

- في مجال النقل والشحن بدأت شركتان إسرائيليتان بالتصدير المباشر إلى العراق، والشركتان هما "ترانس كلال ساخار" و"فدرال إكسبرس إسرائيل"، حيث أعلنتا عن بدء الإعداد لشحن حمولات إلى العراق عبر الأردن "هآرتس20/8" .

- في المجالات الطبية والصحية أشارت صحيفة "يديعوت أحرونوت 4/6" إلى أن شركتي "أمنت" و"أتيربول" اللتين تعملان في مجالات الخدمات الطبية والأدوية سوف تمدان السوق العراقي باحتياجاته من الأدوية والخدمات الطبية، وتبرز أهمية دور هاتين الشركتين في ظل حالة التدهور الصحي الذي يعاني منه أهل العراق منذ أكثر من عقد من الزمان.

ويأتي كل ما سبق في ظل غياب عربي شبه تام عن مشروعات إعمار العراق، واقتصرت الجهود العربية غير الرسمية لإعمار العراق على بعض المبادرات الفردية التي تقدمت بها شركات القطاع الخاص وتحديداً في مجال الاتصالات والهواتف النقالة وبعض مجالات البناء والتأسيس.

وفي هذا الإطار نجحت ثلاث شركات عربية في الحصول على حق ترميم وإعادة تأسيس شبكة الهاتف النقال في العراق، وهذه الشركات هي: واحدة من مصر هي أوراسكوم تيليكوم، واثنتان من الكويت هما الوطنية للاتصالات المتنقلة وشركة الاتصالات الكويتية المتحالفة مع مجموعة فودافون العالمية. وما زالت المساهمة العربية في جهود إعمار العراق في أدنى مستوياتها وهي لا تعبر عن الزخم المفترض في مثل هذه الحالات.

وعليه يمكن القول إن سقوط النظام العراقي السابق قد شكل مكسباً كبيراً لإسرائيل على مختلف الأصعدة السياسية والإستراتيجية والاقتصادية، ولن تجد الشركات الإسرائيلية عناء كبيراً في المساهمة في مشروعات إعمار العراق، وهو ما ستكشف عنه الشهور القليلة القادمة.
ــــــــــــــــــ
* كاتب مصري

المصدر : الجزيرة