بقلم: د.برهان الجلبي*

هناك قلق متزايد بين العراقيين والعرب في كل مكان، من أن الإدارة الأميركية الحالية قررت، منذ وقت بعيد، شن الحرب ضد العراق بمعزل عن جميع الذرائع السياسية التي تطلقها الآن.. وعلى هذا الأساس، كان رهان الولايات المتحدة يقوم على احتمالين، رفض العراق لعودة مفتشي الأمم المتحدة، أو رفضه التعاون معهم.. ومن الواضح الآن أن الإدارة الأميركية أخطأت الحساب بالنسبة لهذين الاحتمالين معا، وذلك من خلال دعوة العراق لعودة المفتشين الدوليين وتعاونه الكامل مع الأمم المتحدة.

لهذا السبب، تجد الولايات المتحدة أنها بحاجة إلى مزاعم جديدة لتبرير الحرب ضد العراق، فبينما كان الغرض من مفهوم "نزع أسلحة الدمار الشامل" هو الحفاظ على قوة الدفع لشن الحرب وكسب تأييد الرأي العام، فقد أصبح "نزع سلاح" العراق بالمعنى الشامل هو الاسم الجديد للعبة الحرب المزمعة ضد العراق. المحصلة هي أن العراق يجني مكسبا سياسيا من وراء تعاونه مع الأمم المتحدة بينما تجد الولايات المتحدة نفسها في وضع تبدو معه أنها تخسر الكثير.


الإدارة الأميركية الحالية قررت، منذ وقت بعيد، شن الحرب ضد العراق بمعزل عن جميع الذرائع السياسية التي تطلقها الآن
فتعاون العراق مع مفتشي الأمم المتحدة يعني رفعا وشيكا للعقوبات بمجرد إعلان المنظمة الدولية خلو العراق من أسلحة الدمار الشامل، وإخراج خطط تغيير النظام من جدول الأعمال، ووقف أعمال القصف اليومية ضد المنشآت الحيوية المدنية والعسكرية في شمال وجنوب العراق، كما أنه يمثل فرصة لإعادة تنشيط الاقتصاد من خلال الاستثمار المباشر لعائدات النفط. والأهم من ذلك لتوفير مقدار من راحة البال للعراقيين تتيح لهم الفرصة لاستئناف نوع من الحياة الطبيعية.

أما بالنسبة للإدارة الأميركية فإن تعاون العراق يحمل معه أعباء ثقيلة.. وفي مقدمتها تراجع هيمنة صقور الولايات المتحدة الأيديولوجية التي تسعى لإعادة رسم خارطة الشرق الأوسط.

ففي ظل غياب ما يدعى بـ"التهديد العراقي" لن يعود هناك مبرر لوجود عسكري أميركي في الخليج. كما ستخسر الولايات المتحدة الفرصة لتكون "حارس البوابة" بالنسبة لمستقبل احتياطي النفط والغاز العراقي.. أبعد من ذلك، فإن هذا الكابوس ينطوي على تعقيدات بالنسبة لحقيقتين:

  • الأولى: هي أنه من دون تغيير النظام العراقي فإن السياسة الخارجية الأميركية تكون قد أثبتت إفلاسها من الناحية العملية.
  • والثانية: هي أنه من دون حرب، لن تتوفر للولايات المتحدة الوسائل لاستعادة تكاليف الإعداد للحرب التي أنفقت في نقل القوات والمعدات إلى منطقة الخليج وفي الحملة الإعلامية الرامية لتسويق الحرب.


إن إنتاج النفط سوف يتناقص خلال الأعوام الخمسة إلى العشرة المقبلة بنحو مليوني برميل يوميا كل عام. ولهذا السبب فإن اللعبة بالنسبة للولايات المتحدة هي أن تمسك بزمام المبادرة الإستراتيجية لتكون "حارس البوابة" لكل ما بقي من احتياطات النفط والغاز في العالم
وفي حال قررت الولايات المتحدة شن الحرب ضد العراق منفردة أو بمساعدة بريطانيا، فإن أحدا لن يستطيع أن يوقفها. ولكن من المهم الإدراك أن هذه الحرب لن تكون على صلة بالحرب ضد الإرهاب. فالزعيم المعلن للإرهاب ضد الولايات المتحدة ما يزال حيا يرزق وتهديده ما يزال قائما. كما أنها لن تكون حربا من أجل الديمقراطية، فما من نظام ديمقراطي عربي يستطيع أن يقبل، اليوم أو في المستقبل، السياسات الأميركية في الشرق الأوسط. وهي لن تكون حربا للدفاع عن محبي الحرية في مواجهة قوى الشر، فالعراق معروف بدولته العلمانية القريبة من الغرب. كما أنها لن تكون حربا للدفاع عن أي قيم أخلاقية، ذلك أن تحاشي الحرب والتطلع إلى السلام لحل النزاعات يجب أن يكون المسؤولية الأخلاقية الأعلى لأي أمة. ولكنها ببساطة حرب لتأمين مستقبل إمدادات النفط العالمية لخدمة المصالح الأميركية، فحاجة الولايات المتحدة الدائمة لمصادر طاقة رخيصة، وإعلان الرئيس بوش القائل "إن طريقة الحياة الأميركية غير خاضعة للمفاوضات"، هما ما يقف في صميم نزعة الحرب ضد العراق.

والحقيقة الموثقة جيدا تقول إن إنتاج النفط سوف يتناقص خلال الأعوام الخمسة إلى العشرة المقبلة بنحو مليوني برميل يوميا كل عام. ولهذا السبب فإن اللعبة بالنسبة للولايات المتحدة هي أن تمسك بزمام المبادرة الإستراتيجية لتكون "حارس البوابة" لكل ما بقي من احتياطيات النفط والغاز في العالم، ولمنع أي قوة عالمية من توسيع حجم اعتمادها الراهن والمستقبلي على النفط.

ويمتلك العراق احتياطيا خاصا ومهما في لعبة النفط هذه، إذ إن لديه احتياطيا مثبتا يبلغ 15% من إجمالي الاحتياطي العالمي، بالإضافة إلى قدرته الجاهزة على زيادة معدل الإنتاج إلى نحو ستة ملايين برميل يوميا، ولذا فإن العمل لتغطية النقص المتوقع في إمدادات الطاقة في الولايات المتحدة يعتمد بالدرجة الرئيسية على مدى هيمنتها على الاحتياطيات المثبتة للنفط.

ولكي تضمن الولايات المتحدة أن يندرج العراق في إطار الرؤية الإستراتيجية للطاقة، فقد عملت على شن حملة لإضعاف الرئيس العراقي أمام نخبة الجنرالات القريبة منه، اعتمادا على سياسة "التحضير والتخويف"، وذلك لابتزاز وإجبار الرئيس العراقي على قبول مقررات الأمم المتحدة التي رفضها من قبل، وكذلك عبر جعل الحياة لا تطاق بالنسبة للعراقيين من خلال سياسة الاحتواء والعقوبات، وذلك على أمل أن يمتثل العراقيون وجنرالات الجيش للرغبات الأميركية لإزاحة أو تغيير النظام.

أما الإستراتيجية العراقية المضادة، فقد تمثلت في استخدام العدوانية الأميركية لتركيز أنظار الرأي العام العالمي على عدم مشروعية استمرار العقوبات الاقتصادية المفروضة عليه، وعلى الحاجة الملحة لرفعها. وحتى الآن، فقد حققت هذه الإستراتيجية نجاحا ملموسا في تأجيل المواجهة العسكرية وعزل السياسة الأميركية.

وهذا هو ما كان الغاية من وراء قبول العراق لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1441، الذي كان يهدف لتقديم الضوء الأخضر للولايات المتحدة في أي وقت وبناء على أي تفسير مسبق لشن العدوان العسكري ضد العراق.


في حال قررت الولايات المتحدة المضي قدما في حربها ضد العراق، فإن هذه الحرب ستكون بمثابة انتصار للانتهازية، وهزيمة ساحقة للحكمة السياسية ولحسن البداهة

ودون أدنى شك، فإن هذه المؤشرات ستسهم في زيادة عزلة صقور الإدارة الأميركية وتحبط خططها الحربية وتضعف، إلى أقصى حد، مبرراتها ومزاعمها لغزو العراق.

بقدراتها العسكرية ربما تستطيع الولايات المتحدة هزيمة الجيش العراقي، ولكن نتائج حرب كهذه ستكون مروعة بما يكفي لهزيمة المصالح الأميركية وسياستها الخارجية، ربما على امتداد العالم بأسره، فهناك جيل كامل من العرب والمسلمين يشعرون بالقرف والإنهاك لرؤية الإذلال الجاري لحكوماتهم ولهزيمة جيوشهم وللإساءة لكرامتهم، مرة أخرى، على يد قوة غربية.

الغضب والانزعاج والحقد والكراهية سوف تثبت من دون أدنى شك أنها الأرضية الخصبة للذين يسعون لكي يصبحوا "شهداء المستقبل" لإلحاق الأذى بالمصالح الأميركية والغربية.

وفي حال قررت الولايات المتحدة المضي قدما في حربها ضد العراق، فإن هذه الحرب ستكون بمثابة انتصار للانتهازية، وهزيمة ساحقة للحكمة السياسية ولحسن البداهة التي كانت وراء السياسة التي سعت لقيادة العالم نحو السلام والاستقرار. ومن المؤكد أن الحرب سوف تدمر السلطة الأخلاقية والقانونية للأمم المتحدة، كما أنها ستكون مؤشرا لنهاية هذه المنظمة الدولية.

والمأساة الكبرى في هذا كله هي أنه ما يزال هناك سبيل لتحاشي الحرب، وحفظ حياة المنسيين من العراقيين الأبرياء، والمسؤولية في ذلك تقع على عاتق الولايات المتحدة والعراق.

إن تعاون العراق مع الأمم المتحدة يتعين أن يخطو باتجاه لا يؤكد عزمه على التخلي عن أسلحة الدمار الشامل فحسب، بل وعلى لعب دور إيجابي في سياساته المستقبلية أيضا وذلك من ناحيتين على الأقل، الأولى أن يقدم مؤشرات تدل على رغبته في إعادة بناء علاقاته الدولية، بما فيها مع الولايات المتحدة وبريطانيا، لخدمة المصالح المشتركة، وخاصة المصالح المتعلقة بإعادة بناء الاقتصاد العراقي.

والثانية، هي أن يقدم مؤشرات تدل على أنه، كقوة نفطية مستقلة، مستعد للمساهمة في حفظ استقرار وتوازن سوق النفط، وأنه لن يستخدم النفط وسيلة للضغط السياسي.

لا أحد يصدق جديا أو يقبل الزعم بأن العراق، الضعيف والمتداعي، يشكل تهديدا للقدرات العسكرية الأميركية. وما من بلد في العالم لديه القدرة على مثل هذا التهديد.

والسبيل الوحيد لمعالجة المأزق بين العراق والأمم المتحدة إنما يمر عبر المصالحة والحوار والدبلوماسية، وذلك لتشخيص المخاوف والاهتمامات العراقية في سياق المقررات الدولية الراهنة.

في المقابل، فإن التحدي النبيل الذي يواجه الولايات المتحدة يكمن في تعزيز سلطات الأمم المتحدة المطلوبة بصورة ملحة في خضم الاضطراب السياسي لعالم اليوم. كما أن هناك حاجة للاعتراف بأن النظام الدولي الجديد لا يمثل تفويضا لسياسات الهيمنة والتسلط على العالم، وأنظمة الدمى التي تحركها أصابع خفية غير مقبولة وهي بالقبح نفسه الذي تمثله الدكتاتوريات والإمبريالية والاستعمار.

ورغم أن أنظمة الدمى مرغوبة من قبل صقور الولايات المتحدة، فإنها تمثل وجها مضادا وانتهاكا صارخا للديمقراطية وحقوق الإنسان، التي تتخذها الولايات المتحدة راية لدعايتها الحربية ضد العراق.


لكي تضمن الولايات المتحدة أن يندرج العراق في إطار الرؤية الإستراتيجية للطاقة، فقد عملت على شن حملة لإضعاف الرئيس العراقي أمام نخبة الجنرالات القريبة منه

حتى وقت قريب كان العراق يحاول إفهام العالم والولايات المتحدة بشكل خاص وجهة نظره القائمة على أساس الحل الشامل لمأزق العلاقة مع الأمم المتحدة والذي يمر بالضرورة من خلال بوابة رفع الحصار، لكن الصورة تغيرت الآن بعد رجوع المفتشين وتعاون العراق غير المشروط معهم، إذ ترك هذا التعاون الإستراتيجية الأميركية في ورطة سياسية قد لا تجد واشنطن منها مخرجا إلا عن طريق الحرب.

وهنا يمكن للقيادة العراقية أن تلقي بحبل نجاة سياسي للإدارة الأميركية الحالية المعروفة بتقلب مواقفها الإستراتيجية، عبر التعهدات بإشباع سوق الطاقة النهم بما يكفي من النفط لتغطية أي عجز في المستقبل القريب أو ذلك المتوقع على المدى البعيد.

ـــــــــــ
*عضو المعهد الملكي للشؤون الدولية في بريطانيا

المصدر : غير معروف