ياسر الزعاترة*

- أبو مازن وخريطة الطريق
- مضمون الوثيقة
- الخريطة بعد الحرب
- موقف السلطة وأركانها
- موقف الشارع وقوى المقاومة
- آفاق المستقبل

أبو مازن وخريطة الطريق


ثمة ارتباط واضح بين تعيين أبو مازن رئيساً للوزراء و"خريطة الطريق" الأميركية، ذلك أن الرجل هو قائد معسكر الرفض للانتفاضة في الساحة الفلسطينية

منذ سقوط بغداد في التاسع من نيسان/إبريل الماضي والساحة الفلسطينية والعربية منشغلة إضافة إلى تداعيات الحرب بحكومة السيد محمود عباس (أبو مازن) وما بات يعرف بـ"خريطة الطريق" التي ستكون محطة لتسوية جديدة في سياق تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي.

ثمة ارتباط واضح بين تعيين أبو مازن رئيساً للوزراء و"خريطة الطريق" الأميركية، ذلك أن الرجل هو قائد معسكر الرفض للانتفاضة في الساحة الفلسطينية، وإن تم ذلك تحت مسمى رفض العسكرة، والراهن أن جوهر "خريطة الطريق" هو إعادة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي إلى ساحة التفاوض من دون عنف، وهنا أساس اللقاء بين الرجل وخريطة الطريق.

في النصف الثاني من العام الماضي، وفي سياق الترتيبات الأميركية لإطلاق الحرب على العراق، وبهدف تهدئة الوضع العربي، ومجاملة روسيا والمجموعة الأوروبية والأمم المتحدة، بادرت الولايات المتحدة إلى إطلاق ما عرف بـ"خريطة الطريق" لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي. وبذلك يمكن القول إن الخريطة كانت محكومة لظرف لم يعد موجوداً وهو التحضير للحرب، أما الآن وقد وقعت الحرب وانتصرت الولايات المتحدة، فهل ثمة حاجة إلى استمرار العمل على الوثيقة المذكورة؟ وقبل ذلك ما هو مضمونها؟

مضمون الوثيقة

تتحدث "خريطة الطريق" في مقدمتها عن "تسوية عن طريق التفاوض بين الطرفين (الإسرائيلي والفلسطيني) ستؤدي إلى بروز دولة فلسطينية مستقلة وديمقراطية قادرة على الحياة وتعيش جنباً إلى جنب في أمن وسلام مع إسرائيل وجيرانها الآخرين".

أما الخريطة التي ستفضي إلى هذه النهاية فتتشكل من ثلاث مراحل، حيث تنتهي المرحلة الأولى في آيار/مايو 2003 والثانية في عام 2005، فيما يبدو أن التواريخ قد تتبدل، على اعتبار أنها تعاملت مع تاريخ إطلاق الوثيقة قبل حوالي عام من الآن.

جوهر المرحلة الأولى هو إنهاء العنف والإرهاب والتحريض، إعادة الحياة


تتحدث خريطة الطريق عن بروز دولة فلسطينية مستقلة وديمقراطية قادرة على الحياة وتعيش جنباً إلى جنب في أمن وسلام مع إسرائيل وجيرانها الآخرين
الفلسطينية إلى طبيعتها وبناء المؤسسات الفلسطينية. والحال أن عنوان هذه المرحلة هو إعادة الأمن إلى الإسرائيليين ووقف المقاومة بشكل كامل أيضاً وليس في مناطق 48، أو ضد المدنيين.

ولا يتوقف الأمر عند ذلك، فهنا ثمة حديث عن تعاون أمني فعال و"مواجهة جميع المتورطين في الإرهاب وتفكيك البنى التحتية للإرهابيين وقدراتهم"، في مقابل التوقف إسرائيلياً عن "عمليات الإبعاد والهجوم على المدنيين ومصادرة منازل وممتلكات الفلسطينيين أو هدمها كإجراء عقابي".

هناك بالطبع، حديث عن تفاصيل عمل الأجهزة الأمنية ودمجها في ثلاثة أجهزة، إضافة إلى المؤسسات الفلسطينية الأخرى. أما المقابل، فهو الانسحاب التدريجي من الأراضي التي عاد الجيش الإسرائيلي إليها بعد تاريخ 28 أيلول/سبتمبر عام 2000، أي تاريخ اندلاع انتفاضة الأقصى، مع حديث عن تفكيك البؤر الاستيطانية العشوائية التي أقيمت منذ آذار/مارس 2001.

تركز المرحلة الثانية بعد تأكيدها على نجاح البعد الأمني في المرحلة السابقة على نحو شامل، وتركز على الدولة المؤقتة على الأراضي التي كانت بحوزة السلطة قبل اندلاع الانتفاضة (مناطق "أ" و"ب")، وهي 42% من الضفة الغربية وحوالي ثلاثة أرباع قطاع غزة، ويتم ذلك من خلال مفاوضات بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي يطلقها مؤتمر دولي.

ويلاحظ هنا أن هذه المرحلة تتضمن عودة للتطبيع بين الدول العربية والدولة العبرية، واستعادة لأجواء عامي 95 و96، حيث اللقاءات متعددة الأطراف.

المرحلة الثالثة لها عدة أهداف حسب الوثيقة، وهي "تثبيت الإصلاح واستقرار المؤسسات الفلسطينية، أداء أمني فلسطيني فاعل ومفاوضات فلسطينية إسرائيلية تهدف إلى التوصل إلى اتفاق وضع نهائي سنة 2005".

تبدأ المرحلة بعقد مؤتمر دولي ثان بداية عام 2004 (التواريخ قد تتغير كما أشير سابقاً)، ويقوم المؤتمر بإطلاق المفاوضات حول الحل الدائم، مع دعم التقدم نحو تسوية شاملة في الشرق الأوسط بين إسرائيل ولبنان وإسرائيل وسورية، يتم التوصل إليها في أقرب وقت ممكن".

أما الرؤية النهائية لهذه المرحلة فهي "إنهاء الاحتلال الذي بدأ عام 1967، وتشمل حلاً واقعياً وعادلاً ومتفقاً عليه لموضوع اللاجئين وحلاً متفاوضاً عليه لوضع القدس يأخذ في الاعتبار اهتمامات كلا الطرفين السياسية والدينية، ويحمي المصالح الدينية لليهود والمسيحيين والمسلمين في المدينة ويحقق رؤية دولتين، إسرائيل وفلسطين مستقلة ديمقراطية ذات سيادة وقابلة للحياة تعيش جنباً إلى جنب بأمن وسلام".

وتختم الوثيقة بفقرة مهمة تقول "قبول الدول العربية بعلاقات كاملة وطبيعية مع إسرائيل وبالأمن لكل دول المنطقة في إطار سلام عربي إسرائيلي شامل".

الخريطة بعد الحرب

أرييل شارون

أشرنا آنفاً إلى أن الظروف التي أنتجت "خريطة الطريق" لم تعد موجودة، وأن الولايات المتحدة التي كانت مضطرة لمجاملة العرب والقوى الدولية لم تعد كذلك، بل إن خروجها من الحرب بذلك الانتصار السهل قد زادها غطرسة، والأهم أن الانتصار المذكور قد زاد جماعة الصهاينة وحلفاءهم "الصقور" قوة على قوتهم داخل الإدارة، مما يعني أن أي حديث عن ضغط أميركي على الدولة العبرية لن يكون وارداً إلا في أحلام بعض العرب والفلسطينيين الذين يريدون تبرير جريهم وراء سراب الخريطة الأميركية.

شارون بدوره يدرك هذه المعادلة، وهو بدأ بإطلاق تعديلاته المطلوبة على الخريطة، والتي تحولها -ليس إلى وثيقة استسلام للمقاومة وتوبة عنها كما هو حالها القائم- بل إلى وثيقة استسلام مستقبلية أيضاً، وإلا فما معنى المطالبة بشطب العودة، ثم وهذا هو الأهم، ما معنى الحديث عن الاعتراف بإسرائيل دولة لليهود؟ ألا يعني ذلك تنكراً حتى لفلسطينيي 48؟ وماذا بعد ذلك عن التعديلات الأخرى التي ستسحب إمكانية إنشاء دولة حقيقية على الأراضي الفلسطينية "المحررة" والتي لن تتعدى في أحسن الأحوال 15% من مساحة فلسطين التاريخية؟

هل يعني ذلك أن الخريطة ستسحب من التداول في غضون المرحلة الجديدة؟
من الصعب القول إن الأمر يكون على هذا النحو، ذلك أن جوهر المرحلة الأولى من الخريطة هو وقف المقاومة وضرب بنيتها التحتية ووقف التحريض، وفي ذلك تحقيق لانتصار عجز شارون إنجازاتحقيقه بسطوة القوة المفرطة خلال أكثر من عامين قضاهما في السلطة.

لقد تحوّلت المقاومة إلى عبء تاريخي على الدولة والاقتصاد والمجتمع في "إسرائيل" ولا شك أن التخلص منها، أقله خلال المرحلة القادمة، سيشكل انجازاً كبيراً، فكيف إذا تزامن ذلك مع إقصاء لعرفات، ولكل المؤمنين بخيار المقاومة، وتقوية لتيار لا يؤمن بغير التفاوض، حتى لو استمر دهراً؟!

إن إقصاء المؤمنين بتيار المقاومة لصالح مجموعة أبو مازن سيعني أن إمكانية العودة إلى مغامرات المقاومة لن تكون متاحة، أياً كانت نتيجة المفاوضات، ولذلك فإن عدم إحراج هذا الطرف والموافقة على الخريطة ولو مبدئياً، أو المماحكة وافتعال ضغط أميركي، كل ذلك سيعني فائدة كبيرة للدولة العبرية.

أما المرحلة الثانية والثالثة، فلن تتما إلا بالتفاوض، فيما لن يكون في يد الفلسطينيين والعرب حسب السيناريو الأميركي الإسرائيلي أية أوراق قوة تمكنهم من رفض الشروط الإسرائيلية. ثم إن تأكيد الخريطة على التفاوض بين الطرفين كسبيل لأي اتفاق هو الضامن لتحقيق ما يريده شارون أو أي أحد سواه في المؤسسة الإسرائيلية.

موقف السلطة وأركانها

أبو مازن يؤدي يمين القسم وأعضاء حكومته أمام عرفات

من الواضح أن عرفات قد غدا في أسوأ أحواله بعد نجاح الضغوط في منح أبو مازن المزيد من القوة، فيما بدا عاجزاً عن الحيلولة دون تعيين رجل الأميركان والإسرائيليين (محمد دحلان) في رأس المؤسسة الأمنية. مع ضرورة الإشارة هنا إلى أن موقف عرفات من هذا الأخير له صلة بقوته القادمة واحتمال حصوله على الرئاسة.

أبو مازن وجماعته مرتاحون تمام الارتياح لخريطة الطريق، بل ولأي مسار سياسي، حتى لو لم يتجاوز أفقه العودة إلى ما يشبه الدولة التي كانت قائمة عند اندلاع الانتفاضة نهاية أيلول/سبتمبر عام 2000. أما عرفات والآخرون داخل فتح فهم في أضعف أحوالهم ولن يتمكنوا من فعل شيء لمناهضة هذا التيار، لا لشيء إلا لأن الظرف العربي والدولي لم يعد يقف في صفهم بحال من الأحوال، حتى لو حصل الرئيس على بعض المجاملة من الدول الأوروبية التي يبدو حراكها هي الأخرى في مواجهة الولايات المتحدة محدوداً.

من المؤكد أن عرفات ومن حوله لا يزالون يراهنون على تجاوز هذه المرحلة والعودة إلى قوتهم من جديد بعد تورط الأميركان في العراق، ولذلك سياق آخر لا بد من الإشارة إليه في معرض الحديث عن الآفاق المستقبلية.

موقف الشارع وقوى المقاومة


المواطن الفلسطيني يعايش القمع الإسرائيلي بشتى فصوله يومياً أملا في أن يحصل على الحرية ويعيش بكرامة

يبدو الشارع الفلسطيني في حالة من الذهول، وما يمكن وصفه بأنه الإحباط، فهو لم يتجاوز صدمة العراق بعد، وهو الذي عاشها بكل أحاسيسه أما الأهم فهو تلك المعادلة الغريبة التي يعيشها منذ عام كامل، أي منذ نهاية عملية السور الواقي في المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية، وهي التي نتحدث عن نهايتها مجازاً لأن جوهرها قائم حتى اللحظة.

المعادلة المذكورة بالغة السوء، ذلك أن المواطن الفلسطيني يعايش القمع الإسرائيلي بشتى فصوله يومياً من دون أن يحصل على ما تمنحه فترة النضال والتحرر والمقاومة للإنسان من عزة وكبرياء وللمجتمع من قوة وتكافل، فضلاً عما توفره من تعاطف ودعم من قبل الأشقاء.

لقد جاء موقف السلطة القابل بالحالة الغريبة بين الدولة واللادولة، والاحتلال واللااحتلال ليجعل حياة الفلسطينيين صعبة إلى حد كبير، فالسلطة موجودة وغير موجودة والاحتلال قائم ولا يتحمل مسؤوليات الاحتلال المعروفة عن حياة السكان، بل يدخل ويدمر ويخرج من دون مقاومة قوية بسبب غياب إرادة المقاومة لدى السلطة وضعف قوى المقاومة بسبب اشتداد الضربات.

لقد غدت حياة الفلسطينيين في ضوء ذلك صعبة إلى حد كبير، ولذلك فإن موقفهم مما يجري كان سلبياً ومتفرجاً، حتى حين كانت الصراعات محتدمة في أعلى السلطة حول الصلاحيات والوزارات وعرفات وأبو مازن.

قوى المقاومة بدورها كانت ولا تزال في حالة متعبة بسبب توالي الاجتياحات والضربات والاغتيالات، وغياب أبرز رموزها شهداء وأسرى. ثم هناك مخاوف تراجع الدعم الخارجي بعد حرب العراق واستهداف سورية. ثم -وهذا هو الأهم- ما يتصل بالوضع الداخلي، ذلك أن استمرار المقاومة يغدو صعباً إلى حد كبير بغياب الإجماع الوطني، إلى جانب إمكانية الاستهداف الداخلي من قبل السلطة وأجهزة الأمن الفلسطينية، كما حصل خلال الفترة الممتدة ما بين عام 97 واندلاع الانتفاضة في أيلول عام 2000.

لذلك كله يمكن القول إن قوى المقاومة قد تعيد النظر في آليات عملها خلال المرحلة المقبلة، خوفاً من الصدام مع السلطة من جهة، وربما أملاً في لملمة الصف من جديد، مع أن الدوائر الإسرائيلية تتحدث عن هذا الأمر وتطالب السلطة بأخذ ذلك بعين الاعتبار في سياق مواجهة "الإرهاب"، وهو ما سيضيف عبئاً جديداً على قوى المقاومة.

آفاق المستقبل


مايريده شارون من الخريطة سيمضي وما لا يريده منها سيشطب، مما يعني بقاء الدولة المؤقتة في حال قيامها، دولة نهائية كما كان موقف شارون منذ البداية

أشرنا في بداية هذا التحليل إلى أن الظروف التي أنتجت "خريطة الطريق" لم تعد موجودة، فالذين جاملتهم الولايات المتحدة بإطلاق المبادرة هم الآن الطرف الأضعف وهم المكلفون بتقديم التنازلات للمنتصر، أما الطرف الإسرائيلي فهو الأقوى بنفوذ الصهاينة الذين يحتاجهم بوش من أجل الولاية القادمة ومن أجل استكمال مخطط الإمبراطورية الكونية.

ومن هنا يمكن القول إن الاشتراطات التالية القادرة على تفريغ الخريطة من أية جوانب إيجابية لا بد آتية، سواءً جاءت مباشرة وجرى تجاهلها أميركياً لزوم تمرير المرحلة الأولى لضرب المقاومة، أم جرى التعامل معها على نحو من الأنحاء.

العنصر الأهم في تحديد شكل المستقبل، مستقبل التعامل مع الخريطة ووضع عرفات إضافة إلى قوى المقاومة سيعتمد اعتماداً مباشراً على تطورات المشهد العراقي، ذلك أن نجاح المخطط واستقرار القوة الأميركية في العراق ونجاحها تالياً في تهبيط سقف الوضع العربي -لسورياً أولاً ثم الآخرين- كل ذلك سيعني أن ما يريده شارون من الخريطة سيمضي، وما لا يريده منها سيشطب، مما يعني بقاء الدولة المؤقتة في حال قيامها، دولة نهائية كما كان موقف شارون منذ البداية.

أما فشل المخطط الأميركي وبداية تورط واشنطن في "مستنقع" العراق باندلاع المقاومة فسيعني أن مجمل المشهد سيتغير، وستعود المقاومة الفلسطينية إلى قوتها من جديد، لأن أحداً لن يقبل بشروط شارون، لا حيال ضرب المقاومة وقواها ووقف التحريض ولا بمطالبه التالية المتعلقة بالتسوية. وما دامت المؤشرات المتوفرة تقول إن العراق سيتحول إلى ورطة أميركية، فإن بالإمكان القول إن وثيقة خريطة الطريق ستنضم إلى وثائق أخرى في ملف القضية الفلسطينية المدجج بالوثائق والأوراق.
ــــــــــــــ
*كاتب ومحلل سياسي فلسطيني

المصدر : الجزيرة