بقلم/ داود سليمان*

-الخارطة.. هل من جديد؟
-خارطة الطرق.. طرق دون معالم
-الاعتراضات على الخطة
-أسباب قبول الطرفين للخطة

شرعت الإدارة الأميركية بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي لأول مره منذ مؤتمر مدريد في محاولة منها لتبريد الساحة الفلسطينية لتتفرغ لإنجاز مخططاتها في العراق، وجاء التحرك الأميركي الأوروبي لينتج مشروع "خارطة الطرق" التي تكفلت الإدارة الأميركية بتسويقها على الأطراف المعنية بالصراع لما لها من نفوذ على تلك الأطراف.

الخارطة.. هل من جديد؟

بدأ الحديث عن خطة "خارطة الطرق" في أعقاب اجتماع وزراء اللجنة الرباعية الدولية للشرق الأوسط في سبتمبر/ أيلول الماضي ومشاركة وزراء خارجية مصر والأردن، ولبلورة ما تم طرحة في ذلك اللقاء عكف المسؤولان الأميركيان عن الملف الفلسطيني الإسرائيلي في الإدارة الأميركية ديفد ساترفيلد وفلينت لورت في إعداد تلك الخطة، وتم تبادلها مع الأوروبيين ليبدوا ملاحظاتهم عليها، وقد جاءت تلك الخطة خليطا من بيان اللجنة الرباعية وخطاب الرئيس الأميركي جورج بوش في يونيو/ حزيران الماضي.

ويلمس من الخطة أن واضعيها لم يأخذوا بالاعتبار ما حصل في اتفاق اوسلو إذ احتوت كل مرحلة من المراحل الثلاث للخطة على العديد من المسائل التي تحتاج إلى مفاوضات كثيرة في أجزائها أسوة بأوسلو.

ويظهر أن الخطة لم تضع في اعتبارها ما تم التوصل إليه من اتفاقات عديدة بين السلطة والحكومات الإسرائيلية المختلفة من أوسلو إلى وثيقة الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون. ما يجعل الأمر يبدو وكأن تلك الخطة جاءت لتعيد الكره إلى المربع الأول ليبدأ مسلسل تفاوض جديد.

جاءت الخطة لتبدو وكأنها مشروع سلام للمنطقة بأسرها، إذ إنها عمدت إلى ربط تطور مسار التسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين بتطور العلاقة بين الدول العربية والدولة العربية وإعادتها إلى ما كانت عليه قبل الانتفاضة.

خارطة الطرق ... طرق دون معالم

من الضرورة بمكان التعرف على معالم خريطة الطرق لمعرفة أي الطرق التي يتوجب على الفلسطينيين أن يسيروا بها ليصلوا إلى حلم الدولة المنشود، وقبل التوغل في طرق الخارطة نجد أن البناء الذي قامت عليه الخارطة اعتمد على رسالة الدعوة لمؤتمر مدريد ومبدأ الأرض مقابل السلام، وقرارات مجلس الأمن الدولي رقم 242 و338، إضافة إلى المبادرة العربية التي تبنتها القمة العربية في بيروت، والأسس الثلاثة الأولى هي نفس الأسس التي قام عليها اتفاق اوسلو، وهو ما يشير إلى أن الخطة ستبقى تدور في الحلقة نفسها التي بقي فيها أوسلو ولم يستطع أن يخرج منها رغم مرور تسع سنوات على توقيعه.


"خارطة الطرق" التي لا زالت في إطار تبادل وجهات النظر والتشاور حولها، يمكن لها إيجاد صيغ معينة بشأن النقاط محل الاعتراض عليها وأن تشكل أساسا لأي حل بين السلطة والدولة العبرية في المستقبل
الطريق الأول بناء الثقة:
في أولى الطرق التي تبدأ في أكتوبر/ تشرين الأول وتنتهي بديسمبر/ كانون الأول 2002 يلاحظ أن الإجراءات الأساسية في تلك الفترة مطلوب تقديمها من الجانب الفلسطيني في حين أن المطلوب من الجانب الإسرائيلي الكف عن الأعمال التي قد تمس بالثقة، إذ إن السلطة مطالبة في تلك المرحلة بـ"تعيين حكومة فلسطينية جديدة وإنشاء منصب رئيس حكومة صاحب صلاحيات" إضافة إلى "تعيين لجنة انتخابات مستقلة".

كما يتوجب على قيادة السلطة أن تنشر "إعلانا تعترف فيه بصورة لا تحتمل اللبس بحق إسرائيل في الوجود بسلام وأمن، وتدعو إلى الوقف الفوري للانتفاضة المسلحة وجميع أعمال العنف ضد الإسرائيليين في كل مكان، وتكف جميع المؤسسات الفلسطينية عن التحريض ضد إسرائيل".

ولضمان وقف العمل العسكري الفلسطيني تنص الخطة على أن تقوم اللجنة الرباعية وبالتنسيق مع الولايات المتحدة بإعادة "بناء وتدريب وخلق خطة للتعاون الأمني بمشاركة لجنة إشراف خارجية (الولايات المتحدة ومصر والأردن)"، كما يتم في هذه الأثناء عودة التنسيق الأمني بين السلطة وإسرائيل بناء على خطة تينت.

في المقابل فإن الخطة تقضي بأن يكون ثمن وقف الانتفاضة الفلسطينية قيام إسرائيل بتحسين "الظروف المعيشية" للشعب الفلسطيني "خاصة إزالة الأطواق وحظر التجول وتسهيل الحركة بين المناطق الفلسطينية"، إضافة إلى كف إسرائيل "عن العمليات التي تمس بالثقة، خاصة مهاجمة المناطق المدنية المصادرة وتدمير بيوت وأملاك الفلسطينيين".

وكأن ما قدمه الشعب الفلسطيني لم يكن كافيا لتحقيق شيء سوى منحهم حق الحياة وتحسين ظروفهم الإنسانية.

كما تطالب الطرف الإسرائيلي "بتفكيك المواقع الاستيطانية التي أقيمت منذ إنشاء الحكومة الحالية"، وذلك مقابل مساهمة الحكومات العربية في وقف الانتفاضة من خلال العمل "بحزم لوقف التمويل الشخصي والعام للمنظمات المتطرفة وتسليم الدعم المالي للفلسطينيين عن طريق وزارة المالية الفلسطينية".


بالنسبة لإسرائيل فإن امتحان التقدم في تطبيق الخطة يجب أن يعتمد على التنفيذ على الأرض فقط، وليس حسب الجدول الزمني
الطريق الثاني عودة العرب إلى المفاوضات:
تبدأ هذه الفترة في يناير/ كانون الثاني 2003 وتنتهي في ديسمبر/ كانون الأول 2003، لا تبدو تواريخ هذه الفترة محددة ودقيقة لتنفيذ الخطوات المطلوبة في تلك المرحلة على الرغم من تقسيمها لفترتين زمنيتين مدة الأولى أربعة اشهر في حين أن المرحلة الثانية تمتد من يونيو/ حزيران إلى ديسمبر/ كانون الأول 2003 إلا أنها تبقى تواريخ عامة غير مفصلة يمكن الرجوع إليها في حال حصول أي تأخير بتنفيذ المتفق عليه من قبل أي من الطرفين.

وخلال تلك الفترة يجب على الفلسطينيين أن يواصلوا "الإصلاح السياسي لتعزيز (دور) المجلس التشريعي ورئيس الحكومة ومجلس الوزراء الفلسطيني"، كما يجب التوصل لاتفاق أمني جديد" وفق خطة تينيت، خاصة لجهة إقامة آلية أمنية فعالة ووقف الإرهاب، العنف والتحريض، وينفذ ذلك جهاز أمني فلسطيني فعال بعد ترميمه".

مقابل تلك التغيرات التي حدثت في بنية السلطة بعد الانتفاضة وسعيها لوقف الانتفاضة فإن على جيش الاحتلال الإسرائيلي وفقا للخطة أن يعيد نشر قواته في المواقع التي كان يتمركز فيها قبل 28 سبتمبر/ أيلول أي عند مرحلة ما قبل الانتفاضة.

ومقابل إعادة الانتشار تلك فإن على مصر والأردن أن تعيدا "سفيريهما إلى إسرائيل" وذلك بهدف توفير الدعم الإقليمي للخطوات التي يتم اتخاذها من قبل الفلسطينيين والإسرائيليين.

كما سيتم في المرحلة الثانية في هذه الفترة عقد مؤتمر دولي "يهدف إلى التوصل إلى سلام شامل في الشرق الأوسط خاصة بين إسرائيل وسوريا ولبنان"، واستئناف المحادثات المتعددة الأطراف، وإعادة "العلاقات بين العرب وإسرائيل التي كانت قبل الانتفاضة"، الأمر الذي سيمهد الطريق للقيام "بمفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين حول احتمال إقامة دولة فلسطينية في حدود مؤقتة" بعد "ضمان الحد الأدنى من التواصل الجغرافي" للدولة المؤقتة.

لو فرض أنه قد تم السير في تلك الطرق والوصول إلى هذه المرحلة، فانه من غير المؤكد أن يلتزم الجانب الإسرائيلي بإجراء مفاوضات حقيقية مع السلطة حول إقامة دولة فلسطينية، إذ من شأن قيام سوريا ولبنان بالتفاوض مع إسرائيل، كما تنص الخطة، أن يقوم الإسرائيليون بالتركيز على المسار السوري اللبناني وإهمال المسار الفلسطيني وهو ما حدث سابقا في عهد رابين.

الطريق الثالث وحلم إقامة الدولة:
يصل الطريق الثالث إلى العام 2004 وينتهي في العام 2005 وفيه ترك التوصل لحل بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي إلى طاولة المفاوضات، ففي مطلع العام 2004 تعقد اللجنة الرباعية "مؤتمرا دوليا يتبنى الاتفاق على إقامة دولة في حدود مؤقتة وتبدأ المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين حول الاتفاق الدائم والنهائي الذي سينجز عام 2005".

تركت الخطة أكثر القضايا تعقيدا بين الجانبين كالقدس والحدود واللاجئين إلى تلك المرحلة، إذ من شأن التعامل مع تلك القضايا أن تفشل أي مشروع للتسوية قبل أن يبدأ، فالطرفان يعتبران أن حقوقهما في كل قضية خط أحمر لا يمكن تجاوزه وهي الملفات التي كانت السبب في فشل قمة كامب ديفد بين عرفات وباراك قبل عامين.

لعل أبرز النقاط في هذه المرحلة وهو مطالبة الدول العربية بإقامة "علاقات اعتيادية مع إسرائيل وفقا للمبادرة العربية الصادرة عن قمة بيروت".

وسيفقد ذلك الفلسطينيين ورق التطبيع بين الحكومات العربية وإسرائيل وهي ورقة الضغط الوحيدة التي يملكونها والحكومات العربية للتلويح بها لإسرائيل لإغرائها بتقديم بعضا من التنازلات للسلطة.

الاعتراضات على الخطة

لم يرفض الطرفان الخطة بمجملها إلا أن كلا منهما كان له عدد من الملاحظات عليها حيث اعتبر كل طرف أن الخطة لا تضمن له تنفيذ الطرف الآخر ما هو مطلوب منه.


عانت السلطة في تنفيذ أوسلو من عدم التزام إسرائيل بالتقيد بالجدول الزمني في أوسلو، وفي الخطة تبدو الجداول الزمنية فضفاضة ويمكن المناورة من خلالها وهو ما قد يمكن الإسرائيليين من التملص وتأخير القيام بما هو مطلوب منها
الاعتراضات الفلسطينية:

  • عدم وضوح الجداول الزمنية بشكل كاف وعدم وضوح المدة الزمنية للدولة المؤقتة. فقد عانت السلطة في تنفيذ أوسلو من عدم التزام إسرائيل بالتقيد بالجدول الزمني في أوسلو، وفي الخطة تبدو الجداول الزمنية فضفاضة ويمكن المناورة من خلالها وهو ما قد يمكن الإسرائيليين من التملص وتأخير القيام بما هو مطلوب منها.
  • عدم تطرق الوثيقة إلى الانتخابات الرئاسية وتحدثها فقط عن انتخابات تشريعية. وهو ما يشير إلى أن بقاء ياسر عرفات على رأس السلطة لم يعد يعني كثيرا، وأن دوره سيضعف بعد تعيين رئيس للحكومة.
  • تتخوف السلطة أن تكون الخطة مجرد محاولة من قبل الولايات المتحدة لكسب الوقت فيما تنهي استعدادها لضرب العراق، عندها فإن إسرائيل لن تواجه أي ضغوط عليها لتنفيذ الخطة.
  • ضرورة وجود ضمانات على تنفيذ ما يحدث وذلك من خلال إرسال قوات دولية.

الاعتراضات الإسرائيلية:

  • تحديد الجداول الزمنية الملزمة في الخطة، فبالنسبة لإسرائيل فإن امتحان التقدم في تطبيق الخطة يجب أن يعتمد على التنفيذ على الأرض فقط، وليس حسب الجدول الزمني.
  • وقف العمليات المسلحة وحل المسألة الأمنية من خلال عرض مهام يطلب إلى الفلسطينيين تنفيذها في هذا المجال، يجب أن تكون الشرط الأول لكل تعامل مع البنود الأخرى في الخطة.
  • منح أعضاء اللجنة الرباعية صلاحية تقييد الخطوات الأمنية لإسرائيل، إذ ترى الحكومة الإسرائيلية أنه من غير المعقول أن يملي أحد ما عليها خطواتها الأمنية كيفية وجوب تعاملها مع القضايا التي ترى فيها مساسا بأمنها.
  • تولي لجنة الوساطة الرباعية التي تضم الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي مسؤولية الإشراف على تطبيق الخطة، وتطالب الحكومة الإسرائيلية بأن تتولى أميركا وحدها مهمة الإشراف على تنفيذ مراحل الخطة.

أسباب قبول الطرفين للخطة

لا تبدو السلطة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية في أحسن حالاتهما لرفض ما قد يعرض عليها لإخراجهما من المأزق الداخلي الذي يمر فيه كل طرف على الأقل في الوقت الراهن، وانتظار ما ستسفر عنه الظروف الدولية والإقليمية الراهنة خصوصا بعد قيام الإدارة الأميركية بشن حربها على العراق، لذا فإن الطرفين مع ما يبديانه من ملاحظات على "خارطة الطرق" فإنهما سيكونان مدفوعين إلى القبول بها.

القبول الفلسطيني
من خلال تتبع الخط التفاوضي للسلطة وأسلوبها مع التعاطي مع المبادرات السياسية منذ إنشائها وحتى الآن يبدو أن السلطة وإن مانعت وأظهرت بعض التشدد في وجه ما يعرض عليها، إلا أنها في نهاية المطاف تقبل بما يعرض عليها إذ لا خيار أمامها للحفاظ على كيانها سوى القبول بما يقدمه الجانب الإسرائيلي.

ويبدو ذلك جليا بندم قيادات السلطة والنخب السياسية المرتبطة على رفض مقترحات باراك في كامب ديفد، بعد أن رأت بالانتفاضة تعبيرا مناسبا للرد على عرض باراك.

يبدو من خطاب السلطة الحالي أنها تقبل بمبادرة تخرجها من المأزق الذي وجدت نفسها فيه جراء الانتفاضة وتشدد الإسرائيلي في التعاطي معها، فقد بات جليا أن الحكومة الإسرائيلية تريد تجاوز اتفاق أوسلو الذي أنشأ السلطة ومنحها صلاحياتها، وزعيمها ياسر عرفات يستخدم كل براعته في المناورة لعدم إقصائه وتهميشه، ويبدو إقصاء عرفات وتقليص صلاحياته هو العنوان الأبرز فلسطينيا والأكثر إلحاحا لكي تبدأ عجلة التسوية بالدوران من جديد.

فالإسرائيليون والأميركيون من ورائهم يصرون على أن تتشكل الوفود الدبلوماسية الفلسطينية التي تقابلهم من أشخاص "أكفاء ومعتدلين وقادرين على إقامة حوار بناء"، لذا اندفع العديد من رجال ثورة هرمة لتسويق أنفسهم لدى الإسرائيليين والأميركيين والطعن في مواقف زعيمهم بعد أن ضعف ولم يعد يملك القوة التي حكمهم بها.


لا تبدو السلطة الفلسطينية ولا إسرائيل في أحسن حالاتهما لرفض ما قد يعرض عليهما لإخراجهما من المأزق الداخلي الذي يمر به كل طرف على الأقل في الوقت الراهن، وانتظار ما ستسفر عنه الظروف الدولية والإقليمية الراهنة
إسرائيل والمأزق الداخلي
قبل أن يصل شارون إلى كرسي رئاسة الحكومة أبدى اعتراضه على اتفاق أوسلو، وكيف أنه دفع إسرائيل إلى تقديم تنازلات كبيرة للفلسطينيين كان يمكن تجنبها بمزيد من ممارسة الضغط عليهم. وسعى منذ تقلده زمام الأمور في إسرائيل إلى تطبيق رؤيته تلك وتحقيق هدفه السياسي بإعادة الفلسطينيين إلى المربع الأول قبل أوسلو وصياغة اتفاق جديد، وذلك من خلال استخدام القوة في مواجهة الانتفاضة الفلسطينية وتدمير بنية السلطة للعمل على خفض سقف المطالب الفلسطينية وحتى العربية في أي مفاوضات قادمة.

إضافة إلى ذلك فإن تزايد حدة الانتفاضة أوصل الدولة العبرية لأول مره لوضع تشعر معه بالعجز عن القيام بأي عمل من شأنه أن يوقف الغضب الفلسطيني، وزاد من حدة الأمر تدهور الاقتصاد الإسرائيلي.

وهو ما يدفع الحكومة الإسرائيلية للحصول على مبادرة سياسية تخرجها مما هي فيه ولا تقدم فيها شيئا ذا بال للفلسطينيين حتى لا تبدو كمن استسلم للعمليات العسكرية الفلسطينية.

يمكن القول إن "خارطة الطرق" التي لا زالت في إطار تبادل وجهات النظر والتشاور حولها، يمكن لها إيجاد صيغ معينة بشأن النقاط محل الاعتراض عليها وأن تشكل أساسا لأي حل بين السلطة والدولة العبرية في المستقبل.

_______________
*كاتب صحفي فلسطيني

المصدر : غير معروف