بقلم/ عادل لطيفي

-الحريات في السياق الداخلي والدولي
- خطاب تمويهي حول الديمقراطية
- التنمية ومقاومة الفساد في مواجهة الحريات
- قشور الحداثة لتجويف مفهوم الديمقراطية

أسئلة عديدة ومقلقة يثيرها الوضع العربي الراهن في ما يتعلق بمسألة الحريات والديمقراطية، سواء بالنسبة للأنظمة الحاكمة أو بالنسبة لقوى المجتمع من معارضة سياسية ومثقفين.

المسألة شديدة الحساسية بالنظر إلى الحاجة الداخلية المتنامية للمجتمعات العربية التي تقترب اليوم من حافة اليأس من كل أمل في تغيير وضعها الاجتماعي والسياسي وكذلك الحضاري.

غير أن هذه الحاجة الداخلية ليست وحدها المحدد في أهمية الموضوع، ذلك أن الوضع العالمي اليوم أصبح محثا على إدخال تغييرات على مستوى المشاركة السياسية في جميع البلدان.

الحريات في السياق الداخلي والدولي


يبدو أن الحكومات العربية واعية بحجم التحديات على مستوى إحداث تغييرات سياسية في بلدانها، وهي واعية كذلك بأن إحداث أي تغيير حقيقي ينتهي إما بزوالها أو على الأقل بوضع وجودها محل شك
الحديث عن الوضع العالمي هنا لا يعني نموذج الديمقراطية المفروض على الطريقة الأميركية أو على طريقة البنك الدولي، فهي أطراف تسعى أكثر إلى تدجين المجتمعات لضمان مردودية اقتصادية أو "جيوسياسية" أعلى، كما أنها لا تمثل بالضرورة مرجعا على هذا المستوى طالما تنتهك فيها الحقوق وتطبق فيها العدالة أحيانا على أساس عنصري.

بل المقصود هنا وضع الحريات والديمقراطية في سياق حاجة المجتمعات أينما كانت دون النظر إلى طبيعة أنظمتها السياسية أو خصوصية ثقافاتها. أما القصد من كلمة ديمقراطية هنا فهو الحديث عن الحريات أساسا، أي تلك الحريات التي تؤسس لمشاركة المجتمع في صنع القرار السياسي ومراقبة الحكومات بغض النظر عن شكل هذه الديمقراطية.

وفي هذا السياق ليس بوسعنا إلا أن نسجل بمرارة تأخر الفضاء العربي رغم عراقة الثقافة والتقاليد التنظيمية السياسية فيه، وربما صح القول بعكس ذلك، أي أن هذا الفضاء بقي حبيس هذه العراقة وهذه التقاليد.

لسنا بحاجة اليوم في العالم العربي لأن نقارن أنفسنا بدول أوروبا وشمال أميركا كي نعي بدونية وضعنا السياسي، لأن مثل هذه المقارنة تعطي في نفس الوقت الوسائل لتبرير هذا الوضع بالتأكيد على الاختلاف الثقافي وعلى الوقت الطويل الذي نضجت ضمنه التجربة الديمقراطية هناك.

أعتقد هنا أن تجربة دولة مالي الفتية أغنى وأثرى لنا من التجربة الفرنسية أو الأميركية، فهي قادرة على الأقل أن تزيل منا عقدة النقص. ويبدو أن الحكومات العربية واعية كل الوعي بحجم التحديات الداخلية والخارجية على مستوى إحداث تغييرات سياسية في بلدانها، وهي واعية كذلك بأن إحداث أي تغيير -بالمعنى التام لكلمة تغيير- ينتهي إما بزوالها أو على الأقل بوضع وجودها محل شك.

لذلك لجأت هذه الدول إلى مراوغة المعنى العميق للديمقراطية بهدف ابتذاله من خلال ابتداع حيل أعطت حكامنا شرف السبق في مجال التحايل على مجتمعاتها.

خطاب تمويهي حول الديمقراطية
كانت الحكومات العربية دوما محل تساؤل كلما تعلق الأمر بالتغيرات الديمقراطية، واشتد الضغط عليها منذ تغير التوازنات والرهانات الجيوستراتيجية في العالم بعد انهيار المعسكر الشرقي.

وقد وصل الوضع أوجه من خلال المبادرة الأميركية المبشرة بفجر الديمقراطية في الشرق الأوسط الكبير، حيث نشهد لأول مرة تدخل دولة ما لتحدد نمط الحكم في رقعة تعادل ربع مساحة المعمورة، ما أضر بمصداقية القوى الحية لهذه المجتمعات.

ولمسايرة الضغط الخارجي وتنامي الأصوات الداخلية التواقة لفتح هامش الحريات، لجأت الحكومات العربية إلى اعتماد خطاب مراوغ يقر ضمنا بالحاجة إلى الديمقراطية، ولكنه يحدد لها فضاء ضيقا للتطبيق يجردها من كل فاعلية تنظيمية.

فعادة ما تواجه المطالب بتوسيع الحريات بخطاب ساذج حول الخصوصية الثقافية لمجتمعاتنا التي تفرض نوعا من التريث، باعتماد الإصلاح قطرة قطرة حتى تتعود "عقلياتنا المتخلفة" مع عبقرية حكامنا التي أبدعت في إصلاحاتها اعتمادا على معرفة تاريخية وأنثروبولوجية عميقة لمحكوميها.

وفي سياق هذه الخصوصية نرى النخب الحاكمة تحذر من عواقب اعتماد نموذج ديمقراطي يفسح مجال المشاركة السياسية للحابل والنابل ويهدد بفقدان المجتمع لوحدته ويزج بنا في غياهب الحروب الأهلية. لماذا؟ لأننا شعوب لها ثقافة أخرى تعتمد على احترام الصغير للكبير، وعلى احترام المرأة لسلطة الرجل، فما حاجتنا لديمقراطية تجعل الأخت تحاسب أخاها والمرأة زوجها و"الرعية راعيها"؟ إنها صورة تامة لوضعية الانقلاب الاجتماعي المهدد لوجود المجتمع ذاته.

هذا التشخيص المأساوي نقله رئيس عربي إلى الرئيس الفرنسي جاك شيراك مؤخرا، وضرب مثلا على تشخيصه هذا بالحالة الجزائرية التي لم تراع خصوصية المجتمع ما أدى إلى اندلاع حرب أهلية حصدت ما حصدت من الأرواح ومن القوى الحية في المجتمع.

نرى خطاب الخصوصية في هذه الحالة يشكك أصلا في أي إمكانية لفسح مجال الحريات، لأن الممارسة التي تلائم هذه المجتمعات أكثر ليست المشاركة بل المراقبة.

السلطة تراقب بالمعنى الأمني والقمعي في حين يراقب المجتمع كمتفرج وفي أحسن الحالات كشاهد أمام التاريخ. والحصيلة أنه عوض أن تكون الممارسة الديمقراطية مخرجا وأملا فقد أصبحت اليوم خطرا مهددا يجب إبعاد شبحه مثله مثل خطر الفقر والأمية.

بعض التجارب الحكومية العربية الأخرى أقرت بجدوى ما يقال إنه ديمقراطية، غير أنها أنزلتها في بيئة من الخصوصية أقل صرامة لكنها أكثر فاعلية في تجويف المفهوم، فقد أحدثت إحدى البلدان العربية برلمانا ليضم داخله نوابا من التشكيلات السياسية والأهلية التي أفرزها المجتمع.


مع الضغط الخارجي وتنامي الأصوات الداخلية التواقة للحرية, لجأت الحكومات العربية إلى اعتماد خطاب مراوغ يقر ضمنا بالحاجة إلى الديمقراطية، ولكنه يحدد لها فضاء ضيقا للتطبيق يجردها من كل فاعلية تنظيمية
غير أن حركية هذه المؤسسة التشريعية -رغم أنها تفتقد لدورها التشريعي الجاد- أزعجت السلطة لأن بعضا من النواب لم يحسنوا دورهم التمثيلي (بالمعنى الفني) أمام مجتمعهم، بل حاولوا تمثيله بالتعبير عن شواغله، فما كان من صاحب القرار سوى التمثيل بهذه التجربة التي تورط فيها.

فوجد ضالته في العودة إلى الخصوصية الثقافية والاجتماعية عن طريق تأصيل التجربة البرلمانية. كيف ذلك؟ من خلال تقسيم نواب البرلمان إلى فئتين فئة منتخبة وتمثل قوى المجتمع الحية، وفئة أخرى تمثل الهياكل التقليدية للمجتمع أي العشائر. وبهذه الحيلة التي يبررها خطاب الخصوصية والتأصيل، وضع الحاكم النخب السياسية في مواجهة الهياكل التقليدية واختار اللعب على وتر التوازنات بين طرفي المجتمع.

لا يفوتنا هنا أن نشير إلى إستراتيجية خطابية أخرى تضع الديمقراطية والحريات في مواجهة الأصالة والشخصية والتقاليد العريقة، إذ تحبذ حكوماتنا الحديث أكثر عن الشورى وعن مجالس الشورى، لما تتيحه مثل هذه المفاهيم من نشر نوع من الضبابية في كيفية سير وفعل هذه المؤسسات.

فالمعروف تاريخيا، سواء في ما يتعلق بتاريخ الدولة الإسلامية الرسمي أو في ما يتعلق بتاريخ المجتمع والعشائر، أن الشورى غير ملزمة وهي كذلك انتقائية (راجع مثال سقيفة بني ساعدة). فما يهم الحكومات العربية أكثر هو هذه الصيغة غير الإلزامية.

التنمية ومقاومة الفساد في مواجهة الحريات
يؤكد المفكرون والباحثون وكل من له علاقة بالمعرفة في مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية أن انتشار الحريات والممارسة الديمقراطية التي تفرزها، أصبحت اليوم شرطا ضروريا للحديث عن التنمية وعن الحركية الاقتصادية. غير أن الأنظمة الحاكمة في البلدان العربية ترى عكس ذلك تماما.

فهي تضع الحريات والديمقراطية في مواجهة الاقتصاد والتنمية، وما على شعوبها سوى أن تختار، إما الخبز وإما حرية التعبير والمشاركة السياسية. وقد أبلغت بعض الحكومات العربية صراحة هذا الموقف إلى الدول الأوروبية خلال أحد اللقاءات الأورومتوسطية التي دارت في القاهرة.

فتحت ضغط مؤسسات المجتمع المدني الأوروبي طالبت المجموعة الأوروبية بربط المساعدات الاقتصادية بإدخال إصلاحات تجعل من الممكن مشاركة أكثر قدر من قوى المجتمع، لكن رد المجموعة العربية المتوسطية كان أن شعوبنا في حاجة أكثر إلى التنمية وإنعاش الاقتصاد، وعبر عنها مسؤول عربي كبير بلهجة بلاده قائلا "نحن لم نضمن الأكل كي نفكر في الديمقراطية".

وبالفعل فقد اختار البعض -ممن لهم ولع بالحريات- الخيار الثاني لكنهم وقفوا بالتجربة على صحة قول الحكام ففقدوا خبزهم، ولكن ليس بسبب فشل نموذج المشاركة السياسية أو استحالته بل لأنهم فقدوا وظائفهم.

وزيادة لتأكيد مكانة الاقتصاد وتدعيم هاجس البقاء البيولوجي لدى السكان، ما انفكت الحكومات العربية توظف ما توفر من وسائل إعلام لإغراق الساحة بأرقام كبيرة عن الإنتاج وعن المشاريع الجديدة أو المبرمجة في إطار تحقيق ما سمي "بالنهضة الشاملة". فأصبح العمل شعارا يوجه كل جهود المجموعة الوطنية في سبيل تحقيق ذاتها كما قرر لها حكامها، بعيدا عن هاجس السياسة وصداع الحريات والديمقراطية.

كما صار العمل النقابي مشبوها، في حين شهدت بعض البلدان التي لها تقاليد قديمة في العمل النقابي -مثل تونس- تراجعا في الحقوق النقابية وخاصة حق الإضراب الذي أصبح مرادفا لتهديد المصلحة الاقتصادية للوطن في ظل طغيان مبدأ العمل.

وفي مجال متصل بهذه النظرة الاقتصادوية الضيقة للمجتمع، وفي مسعى لملء الفراغ على مستوى الحدث السياسي، سنت بعض الدول العربية سنة حميدة أراحتها من عناء الغوص في تغييرات غير مضمونة العواقب، إنها سنة محاربة الفساد. هذه الحيلة الناجعة تقتضي اختيار مسؤولين كبار أو رجال أعمال كانوا ركيزة النظام القائم، وتتم التضحية بهم في سياق حملة لمقاومة الرشوة والاختلاس والاحتيال.

وتضمن هذه الحيلة تحويل وجهة نظر المجتمع عن أسس النظام ذاته المعتمد على العلاقات النفعية والعائلية، وتعطي الانطباع بأن الفساد ممارسة فردية، كما تضمن للحاكم صورة الأب الذي يسهر على السير الحسن للعائلة.

والحقيقة أن حملات محاربة الفساد لها وقع أخطر على المجتمع، لأنها تبين أنه لا يوجد إنسان في مأمن من عقاب الحاكم مهما كان نفوذه الاقتصادي وعلاقاته، فالرسالة الأساسية هنا ليست محاربة الفساد بل إعطاء العبرة لكل من تخول له نفسه التفكير في التشكيك في السلطة القائمة. نضيف إلى ذلك أن مثل هذه الحملات تعزز موقع هذه السلطة الحاكمة كمصدر وحيد لأي تغيير ممكن، وبالتالي فليست من مسؤوليات المجتمع التفكير في أي تغيير أو إصلاح.

قشور الحداثة لتجويف مفهوم الديمقراطية


في سياق الإنشاءات الديكورية تشهد البلدان العربية اليوم تضخما جمعويا لا مثيل له في تاريخها، غير أن الهدف يبقى ذاته، أي تجويف الحياة الجمعوية وكل حركة مجتمعية من محتواها الصحيح
ومن بين إستراتيجيات التمويه الديمقراطي في البلدان العربية نجد ذلك المسعى الرسمي لاستباق المجتمع في بعض مجالات التحديث، مثل تحرير المرأة والمحافظة على البيئة وإنشاء المجالس البرلمانية.

فقد أصبحت إجراءات بعض الحكومات تجاه المرأة وسيلة لتطويق النقد الموجه إليها باعتماد وسائل تقليدية وبعدم مواكبة العصر، فما كان منها إلا أن عينت العديد منهن في مناصب وزارية وتشريعية وقضائية. كما أغرقتنا هذه الحكومات بالأرقام الجذابة حول نسب تعليم الإناث في بلدان ما زالت تعيش فيها المرأة نفس وضع جداتها منذ قرون.

نلاحظ اليوم كذلك وفي مختلف البلدان العربية تضخما للخطاب البيئي مصحوبا بإنشاء إدارات رسمية وحتى وزارات. والغاية تبقى نفسها، أي استباق المجتمع وكذلك مراوغة التهم بالمحافظة على هياكل تقليدية، ولكن أيضا لتقديم صورة ناصعة للبلدان المانحة للقروض التي بدأت تفرض حدا أدنى من الحفاظ على المحيط الطبيعي.

فإن كان الوعي البيئي الذي تشهده أوروبا وأميركا الشمالية واليابان (هذا لا يعني أنها الفضاءات الوحيدة لمثل هذا الوعي) نتيجة لتقاليد من الحريات التي بدأت تتجذر، ففي العالم العربي يراد منه أن يكون واجهة لمقاومة هذه الحريات.

في سياق هذه الإنشاءات الديكورية، تشهد البلدان العربية اليوم تضخما جمعويا لا مثيل له في تاريخها، غير أن الهدف يبقى ذاته، أي تجويف الحياة الجمعوية وكل حركة مجتمعية من محتواها الصحيح.

فعشرات الآلاف من هذه الجمعيات التي تزخر بها الساحة العربية غير قادرة اليوم على تقديم بعض مما قدمته جمعيات محدودة العدد والإمكانيات خلال الفترة الاستعمارية.

ليست الغاية من هذا المقال صب جام الغضب على الحكام رغم أنه من حقنا ذلك -فلسفيا وليس قانونيا بالطبع- بل الغاية الأساسية هي التنبيه على أن تطور المجتمعات العربية اليوم تجاوز بكثير مستوى تطور السلطات القائمة التي تحاول جاهدة اللحاق بحاجيات مجتمعاتها من خلال التحيل.
________
كاتب تونسي

المصدر : غير معروف