بقلم: غراهام فولر*

أثار تقرير صدر حديثا عن برنامج الأمم المتحدة للإنماء حول التنمية البشرية لعام 2002 بعض المسائل الهامة جدا عن مستقبل العالم العربي. ويحتوي التقرير على أمور تهم كل شخص معني برخاء العرب خلال العقود القادمة، وربما يعرفها كثيرون من الناس في الشرق الأوسط. ويشير التقرير إلى أن منطقة الشرق الأوسط متخلفة عن كثير من مناطق العالم الأخرى في كثير من المجالات الهامة مما يبعث على الصدمة باعتبار أن العالم الإسلامي كان مركزا لكل العالم المتحضر لحوالي ألف عام.

يركز التقرير على ثلاثة مجالات حيوية تتطلب تغييرا إذا ما أراد العرب التقدم. وهذه المجالات هي الحاجة إلى حرية سياسية أكبر، ورفع مستويات التعليم العربي، ومناقشة وضع المرأة. فإذا لم تشهد هذه المجالات الثلاثة تحسنا فإن العالم العربي سيوصم بالضعف والتخلف لفترة طويلة قادمة. والأكثر أهمية هو أنه سيكون من الصعب على العالم العربي مقاومة قوة إسرائيل أو الولايات المتحدة التي تعتبر الآن الهم الأكبر لكثير من العرب.


الدمقرطة هي وحدها القادرة على تفعيل مهارات العرب للعمل في الحكومات وصياغة سياسات جديدة وكسب التأييد الشعبي
وأود هنا، وفي مقالات قادمة أخرى، أن أناقش المعاني الكثيرة التي يتضمنها هذا التقرير الهام. بيد أن أول مسألة هي قوة العرب، ففي كل مرة أزور فيها الشرق الأوسط -إضافة إلى أنني عشت هناك لسنوات عديدة في دول مختلفة- يكون أكبر إحباط يواجهني هو غضب العرب من عدم قدرتهم ومن ضعفهم، وعجز حكامهم أمام الغرب، فمن موقف الضعف يكون من الصعب جدا على العرب ممارسة نفوذ كبير على السياسات الأميركية أو الأوروبية أو سياسات العالم الأخرى. إن كل العرب يريدون عالما إسلاميا قويا ينال الاحترام في المحافل الدولية حيث تلقى آراؤهم آذانا صاغية من العالم.

ولكن السؤال هو كيف نقوي العالم العربي؟ بالنسبة لي، فإن الدمقرطة هي وحدها القادرة على تفعيل مهارات العرب للعمل في الحكومات وصياغة سياسات جديدة وكسب التأييد الشعبي.

إن معظم الأنظمة اليوم مغلقة على نفسها ولا يستطيع الناس فيها التعبير عن آرائهم أو تغيير حكامهم، كما أن المواهب والإمكانات ضائعة. الحكام في هذه الأنظمة يخافون من شعوبهم ولذلك يتوجهون إلى واشنطن أو الغرب لمساعدتهم على البقاء في السلطة. ولكن هل تستطيع واشنطن حقا إبقاء هؤلاء في السلطة إذا كانت شعوبهم لم تعد تريدهم أو إذا قررت أن تثور عليهم؟ فهذا ما حدث في إيران عام 1979، صحيح أن الديمقراطية لم تتحقق فيها فورا ولكن بعد 15 عاما من الثورة بدأت إيران تتحرك ببطء باتجاه الديمقراطية، وربما بحركة أسرع مما هو عليه الحال في كثير من البلاد العربية.

ولكن أيهما أكثر أهمية من الآخر بالنسبة للعالم العربي، القوة أم الديمقراطية؟ من الممكن أن تكون لديك قوة بدون ديمقراطية إذ أن كثيرا من الأنظمة العربية تملك القوة أصلا. ولكن ماذا تعني القوة؟ هل تعني القدرة على مهاجمة الولايات المتحدة أم على رفض سياساتها؟ هل هي قدرة النظام على الهيمنة على جيرانه؟ أو منع إسرائيل من العمل بحرية؟ والواقع أن هذا أحد أنواع القوة، فالرئيس العراقي صدام حسين يمتلك هذا النوع من القوة في الوقت الحالي، إلا أن ذلك أدى إلى عزله في العالم -بواسطة واشنطن بالتأكيد- وأيضا بواسطة الأوروبيين الذين لا يشعرون بالراحة مع وجود هذا الديكتاتور. كما أن العراقيين يدفعون ثمنا غاليا جراء هذا النوع من القوة والحكم المطلق منذ عدة عقود.


إن معظم الأنظمة العربية اليوم مغلقة على نفسها ولا يستطيع الناس فيها التعبير عن آرائهم أو تغيير حكامهم، كما أن المواهب والإمكانات ضائعة. الحكام في هذه الأنظمة يخافون من شعوبهم ولذلك يتوجهون إلى واشنطن أو الغرب لمساعدتهم على البقاء في السلطة
إن هدفي الوحيد من الكتابة عن ديكتاتورية النظام العراقي في هذا المقال هو إثارة مسألة القوة والديمقراطية. هل العراق دولة قوية حقا من نواح أخرى غير قدرته على تشكيل قوة عسكرية كبيرة يهدد بها جيرانه؟ كيف نقيس القوة؟ هل هي قوة اقتصادية؟ إذن فغالبية الدول النفطية تملك الكثير من القوة الاقتصادية، ومع ذلك فهي لم تتمكن من حل مشكلاتها وخصوصا الاجتماعية.

العراق يملك قوة عسكرية لكن مجتمعه منقسم كثيرا بعد أن نجح الرئيس صدام حسين في إثارة النعرات الطائفية بين العرب السنة والشيعة والنعرات العرقية بين العرب والأكراد. هل سيتمكن العراق بسهولة من بناء نظام ديمقراطي ذي لحمة اجتماعية قوية حيث يكون الناس موالين ليس لديكتاتور وإنما لبلدهم، وحيث يستطيعون تغيير الحاكم إذا كان ظالما أو غير كفء؟ قد يكون المجتمع القوي أفضل قياس للدولة القوية.

كما أن وجود حكومة ديمقراطية يجعل من الصعب على الغرب انتقادها. انظروا إلى إيران، فقد أرغمت الولايات المتحدة خلال السنوات الخمس الماضية على تغيير موقفها من النظام هناك وحتى على تغيير طريقة تعاملها معه. صحيح أن العلاقات بين البلدين ليست على ما يرام إلا أن أوروبا وواشنطن تدركان أن إيران ليست نظاما ديكتاتوريا آخر في الشرق الأوسط، وإنما بلد يكافح من أجل مزيد من الديمقراطية والحرية لاختيار حكامه، ولذلك توجب على واشنطن أن تتعامل مع هذا الوضع بمزيد من الحذر.

إنني أتفهم الإحباط العربي من حقيقة أن غالبية الناس يشعرون أنهم ضحايا الإملاءات الغربية، وأن هؤلاء الناس ليس لهم رأي بخصوص سياسات بلادهم أو حكامهم. ولكن ما هو الأسلوب الأفضل من أجل الحصول على القوة لتغيير الوضع؟

هناك تغير مثير بدأ يظهر في واشنطن منذ ستة أشهر، فلأول مرة يسأل الجميع في واشنطن بما فيهم المحافظون عن جذور وأسباب عدم الاستقرار والنزاع في الشرق الأوسط. وبالنسبة لي فإن أول جواب هو بالطبع إسرائيل والمشكلة الفلسطينية. ولكن هل إسرائيل هي المشكلة الوحيدة؟ ولو حصل الفلسطينيون على دولة وتسوية عادلة العام القادم أو بعد سنتين، فما هي القضية الأولى التي ستهيمن على المنطقة؟ هل السبب الرئيس لإحباط العرب هو غياب الديمقراطية؟ أو هل العرب يفضلون القوة حتى لو كانت تعني دعم حكام ديكتاتوريين يحولون دون التنمية والتطور في العالم العربي التي تحدث عنها تقرير الأمم المتحدة؟ إن البعض في إدارة بوش يتحدثون الآن عن تأييدهم لتغيير الأنظمة في كثير من الدول العربية باعتبار ذلك أحد أساليب إنهاء الإرهاب، فهل هذا خبر سار أم سيئ؟

يمكنني النظر إلى هذا الهدف من زاويتين: الأولى أنني أرحب بتغيير أي نظام ديكتاتوري في العالم العربي (أو أي بلد في العالم)، فذلك قد يحرر تلك المجتمعات لكي تمضي قدما في استخدام مواردها وقدراتها بشكل أوسع. إن هذه قد تكون خطوة إيجابية في أي مكان في العالم.

لكن الزاوية الأخرى التي قد يوافقني فيها الرأي كثير من العرب هي النظرة الأكثر تشاؤما لأن كثيرين سيقولون إن السبب الوحيد الذي يدعو واشنطن إلى تشجيع تغيير نظام ما في العالم العربي وتشجيع الاتجاه نحو الديمقراطية فيه هو القضاء على أي تهديد لإسرائيل أو إنشاء حكومات مؤيدة لأميركا. ولكن هل يجب أن تكون الحكومات الديمقراطية بالضرورة موالية لأميركا؟ وهل ستكون أكثر تأييدا لإسرائيل من غيرها؟ ولماذا؟ وهل ستكون لديها مصداقية دولية وأخلاقية أكبر على الساحة الدولية لكي تعارض السياسات الإسرائيلية؟ نعم.


هناك تغير مثير بدأ يظهر في واشنطن منذ ستة أشهر، فلأول مرة يسأل الجميع في واشنطن بما فيهم المحافظون عن جذور وأسباب عدم الاستقرار والنزاع في الشرق الأوسط

ولذلك سأكون مهتما بمعرفة رأي القراء حول هذه المسائل، إلى أي مدى تلقى سياسات واشنطن الترحيب في العالم العربي إذا أرادت تقديم المساعدة في قيام أنظمة ديمقراطية فيها، ليس في العراق فقط؟ إن بعض العرب ينتقدون الولايات المتحدة لأنها لا تريد أنظمة عربية ديمقراطية وهو ما يعني ازدواجية في المعايير من جانب واشنطن.

ولكن هل يرحب هؤلاء العرب بأي تغيير في السياسة الأميركية التي لا تستهدف العراق فقط وإنما أيضا دولا عربية أخرى غير ديمقراطية؟ أم هل يجب على الولايات المتحدة أن تظل خارج الصورة تماما وتترك العرب يقوموا بهذه التغييرات بأنفسهم؟ أنا أعتقد أن الشيء الأكثر أهمية هو ضرورة حدوث التغيير في كل العالم العربي، وهذه هي الرسالة الرئيسية التي يريد تقرير الأمم المتحدة إيصالها.

المصدر : غير معروف