محمد بن المختار الشنقيطي*

- الاستعباد والمقاومة.. العبد لا يحسن الكر والفر
- الاستبداد.. الداء الدفين
- بين ثمن الحرية وثمن الاستبداد
- المساواة في الحرية والمساواة في العبودية
- فشل في صداقة أميركا وفي عداوتها

- العراق الأميركي.. يابان عربية أم ذيل إسرائيلي؟!

يحكي الجنرال الروسي جوكوف في مذكراته أن نشيد الجيش الروسي أيام القيصرية كان "اللهم احفظ القيصر"، في حين يحكي نيلسون مانديلا في مذكراته أن نشيد المؤتمر الوطني الأفريقي كان "اللهم احفظ أفريقيا". وبين النشيدين يكمن الفرق بين الحرية والعبودية.

الاستعباد والمقاومة.. العبد لا يحسن الكر والفر


هل من الإنصاف مطالبة العراقيين بالكر والفر وهم يرسفون في القيود؟ وهل من المنطقي أن يطالب صدام حسين العراقيين بالدفاع عن عرشه وقد بناه علىأشلائهم وسقاه من دمائهم؟
وفي القصص العربي القديم قصة أثارني دائما مدلولها السياسي العميق، وهي قصة عنترة بن شداد العبسي مع أبيه الذي تنكر له وتنصل منه لسواد بشرته، فلما اجتاحت إحدى القبائل مضارب عبس طلب الأب من ابنه عنترة أن يحمل سيفه قائلا "كُرَّ يا عنترة"، لكن عنترة أجاب "إن العبد لا يحسن الكر والفر، وإنما يحسن الحلب والصر"، فقال الأب "كر وأنت حر".. فكر عنترة وهزم الأعداء وتحول إلى بطل أسطوري في المخيال الشعبي العربي.

تذكرت هذه القصة وأنا أرى بغداد تسلم مفاتيحها للمارينز بكل سهولة ويسر، بعدما اعتقد كثيرون أن معركتها ستكون تكرارا لمعركة ستالينغراد. وتساءلت: ألم نظلم الشعب العراقي حينما طلبنا منه الصمود وهو يعيش تحت نير العبودية والوثنية السياسية؟ هل من الإنصاف أن نطالب العراقيين بالكر والفر وهم يرسفون في القيود؟ هل من المنطقي أن يطالب صدام حسين العراقيين بالدفاع عن عرشه المتهاوي وقد بناه على أشلائهم وسقاه من دمائهم؟

إن العلاقة بين الاستبداد الداخلي والوهن الخارجي علاقة وجودية لم تستوعبها الشعوب العربية بعد. وقد حاول العديد من المفكرين التنبيه إليها، فلم يجدوا آذانا صاغية ولا قلوبا واعية، ومنهم الفيلسوف الجزائري مالك بن نبي الذي ألح على أن "القابلية للاستعمار" تقود إلى الاستعمار، وأن "الأفكار الميتة" تمهد "للأفكار المميتة".

إن المستبد يعرف كيف يقتل، لكنه لا يعرف كيف يقاتل. وربما كان من الإنصاف أن لا نظلم مستبدي الأمم الأخرى بتعميم هذه القاعدة عليهم، فستالين –مثلا- قاتل بشراسة عن ستالينغراد (مدينة ستالين) في حين سقطت "صدامغراد" (مدينة صدام) مع أول طلقة.

ولابد من التأكيد أن الذي سقط هو "صدامغراد" لا بغداد، وليس هذا من التلاعب بالألفاظ في شيء، وإنما هو توصيف للحقيقة المرة، فقد محي اسم بغداد –بل والعراق كله- من الوجود منذ فترة، وتحولت إلى ريع شخصي لصدام، حتى قال أحد الصحفيين الفرنسيين في الثمانينات "إن سكان العراق أربعة وثلاثون مليونا، منها سبعة عشر مليون عراقي، وسبعة عشر مليون صورة لصدام حسين"!!

الاستبداد.. الداء الدفين


نقطة الضعف عند العراقيين أنهم لم ينعموا بطعم الحرية في يوم من الأيام، ولا استُشيروا في إدارة شؤون حياتهم ووطنهم، ولا احتُرمت كرامتهم من طرف حكامهم
وقد كتب المفكر السوري عبد الرحمن الكواكبي منذ مائة عام كتابه الخفيف الوزن العظيم الفائدة "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" للتنبيه على أن لا أمل في الصمود لمن يعيشون في القيود. وأوضح الكواكبي في مقدمة الكتاب مراده من تأليفه فقال "إنما أردت بذلك تنبيه الغافلين لمورد الداء الدفين، حتى يعرف الشرقيون أنهم هم المتسببون لما هم فيه، فلا يعتبون على الأغيار ولا على الأقدار" (طبائع الاستبداد ص 25). فهل نحتاج إلى أكثر من مائة عام لاستيعاب درس على هذا القدر من البداهة والوضوح؟

لقد كان العراق دائما من أوسع الدول العربية ثراء، وأحسنها تعليما، وأكبرها استثمارا في البحث العلمي، إضافة إلى إرث تاريخي مجيد يبعث على احترام الذات الذي هو منبع كل إبداع وبناء.

لكن نقطة الضعف –أو "مورد الداء الدفين" كما دعاه الكواكبي– هو أن العراقيين لم ينعموا بطعم الحرية في يوم من الأيام، ولا استُشيروا في إدارة شؤون حياتهم ووطنهم، ولا احتُرمت كرامتهم من طرف حكامهم. فوُلدوا وعاشوا في مذلة، وعوّدَهم حكامهم على أن يسوقوهم إلى ساحة الموت، لكنهم لم يعلموهم كيف يذهبون إليها اختيارا.. فلما غاب السائق توقف المسوق.. فكان الانكسار.

إن ما يعاني منه العراق هو ما دعاه فوكوياما بحق "أوجه الضعف في الدول القوية" وهو انعدام الشرعية السياسية، وإهدار حرية الفرد وكرامته. وكل دولة تعاني من ذلك فهي عرضة للسقوط أمام أول عدو طارق رغم قوتها البادية.

وليس وضع الدول العربية الأخرى أحسن حالا، والكل يشهد على أن الحكومات العربية لم تستشر شعوبها في دورها المعلن والسري في غزو العراق. بل إن من المفارقات الكبرى أن الدولة الوحيدة التي وقفت إلى جانب العراق في هذه الحرب بالأفعال لا بالأقوال هي تركيا حليف أميركا الإستراتيجي وعضو حلف شمال الأطلسي، حينما سدت على الجيش الأميركي منافذ الشمال العراقي. وما ذلك إلا لأن الديمقراطية التركية –على علاتها– فرضت على القادة الأتراك أن لا يتجاهلوا مشاعر شعبهم بالشكل الفج الذي فعله قادة الدول العربية.

بين ثمن الحرية وثمن الاستبداد

ومن الدروس العميقة التي ينبغي أن نستوعبها من التجربة المريرة في العراق، أن من لا يبذلون ثمن الحرية يدفعون ثمن الاستبداد، وهو ثمن أفدح وأعمق أثرا وأعظم تدميرا للحاضر والمستقبل. وقد رأينا قرار الحرب مع إيران التي دفع فيها شعب العراق زهرة شبابه وأثمن موارده، وهو قرار اتخذه رجل واحد أو زمرة متسلطة في جنْح الظلام بدافع من الجهل والحمق. وكان ثمنه أفدح من ثمن أي ثورة على النظام يقوم بها العراقيون. ثم رأينا قرار غزو الكويت، وهو قرار اتخذه ثلاثة رجال في جنح الظلام أيضا، حتى إن قادة الجيش لم يكونوا على علم به حتى صدرت الأوامر، ولا كانوا يعتبرون الأمر أكثر من استعراض وابتزاز سياسي، كما يقول الكاتب العراقي سعد البزاز في كتابه "الجنرالات آخر من يعلم".. وكان الثمن أيضا أفدح من أي ثورة عسكرية أو شعبية يقوم بها العراقيون ضد صدام حسين.

ولكل منا أن يتصور اليوم: ماذا ستكون النتيجة لو أن العراقيين دفعوا ثمن الحرية فنزلوا إلى الشوارع وقدموا صدورهم عارية وبذلوا الدماء للتخلص من صدام، كما فعل العديد من شعوب الأرض خلال القرنين المنصرمين.. من ذبح ملوك فرنسا نهاية القرن الثامن عشر، إلى ذبح تشاوسيسكو نهاية القرن العشرين.

أيهما أقل ضررا وأنبل مقصِدا: دفع ضريبة الدم في دفع الظلم والتحرر من المستبدين لتكون تلك الدماء منارات خالدة ينعم الناس بعدها بالحرية والكرامة؟ أم دفع ضريبة الدم في حروب عبثية ومغامرات مزاجية يشعلها الحاكم المستبد، فتزيد الوضع سوءا على سوئه وتتحول إلى تراكم من الإحباط والحسرة؟

إن الهزيمة لا تأتي في يوم واحد، ولا النصر كذلك.. بل كلاهما حصيلة مسار طويل وتراكم من البناء أو الهدم، الشجاعة أو الجبن، التعاضد أو التخاذل، التضحية أو الخنوع. وإن بغداد لم تسقط اليوم، بل سقطت منذ ربع قرن حينما استسلمت لمزاج طاغية دموي. فهل تستوعب الشعوب العربية الدرس، وتبذل ضريبة الحرية قبل أن تبذل ضريبة الاستبداد مضاعفة؟

المساواة في الحرية والمساواة في العبودية


ما الذي يضير العرب لو تمتعت الأقليات في دولهم بحكم ذاتي يضمن لها تميزها الثقافي، ويعطيها حسا بالكرامة والأمان؟ ألم تقم أقوى الدول اليوم على نظام اللامركزية وتوزيع السلطة؟
ومثل ضريبة التحرر من الاستبداد، ضريبة التعايش الداخلي، والاعتراف بحق الاختلاف، والمساواة في الحرية. لقد رفض عرب العراق طويلا منح إخوانهم الأكراد حقهم في التميز الثقافي والسياسي، وتعصَّب الشيعة ضد السنة والسنة ضد الشيعة، وسالت أنهار من الدماء في حروب بين الأشقاء. ورأينا جثث الأكراد في حلبجة وقد تجمدت في مراقدها الموحشة، بعد أن قصفها الجيش العراقي بالسلاح الكيمياوي.. واليوم نرى الأكراد يرقصون رقصاتهم الشعبية على جثث إخوانهم من العرب العراقيين في الموصل وكركوك، ويعبرون عن استعدادهم للتحالف مع الشيطان من أجل تحقيق مطامحهم السياسية.

لقد شهدتُ بنفسي منذ عام تقريبا رفع قضية من سيدة أميركية لدى المحكمة العليا ضد حكومة إحدى الولايات الأميركية، تطالب بحقها في إجراء امتحان قيادة السيارات لها باللغة الإسبانية لأنها لا تجيد الإنجليزية، ورأيت كيف سارعت حكومة الولاية إلى الاعتذار لهذه المواطنة وتقديم الامتحان لها باللغة التي تجيدها.. وتساءلت في نفسي: ما الذي يضير العرب العراقيين أو السوريين أو المغاربة أو الجزائريين أو الموريتانيين لو استخدم إخوانهم من الأكراد والبربر والأفارقة لغاتهم في معاملاتهم؟ وما الذي يضير لو تحولت تلك اللغات إلى لغات رسمية في المناطق التي توجد بها أكثرية من أولئك الأقوام؟ وما الذي يضير لو تمتعت تلك الأقليات بحكم ذاتي يضمن لها تميزها الثقافي، ويعطيها حسا بالكرامة والأمان؟ ألم تقم أقوى الدول اليوم على نظام اللامركزية وتوزيع السلطة؟ لماذا لا نفكر بحلول لمشكلاتنا غير القهر والإكراه؟ وهل نظل نرفض المساواة في الحرية حتى يأتي الأجنبي فيفرض علينا المساواة في العبودية؟

فشل في صداقة أميركا وفي عداوتها


إن ما يحتاجه العرب والمسلمون اليوم ليس عبادة أميركا كما يفعل بعضهم، أو مقتها كما يفعل آخرون، وإنما يحتاجون إلى معرفتها بدقة، وتشريحها وتحليلها، واكتشاف ديناميكية المجتمع الأميركي
ويبقى درس لا يقل أهمية، وهو يتعلق بالعلاقة بأميركا. إن كل الدلائل تشير إلى أن العرب والمسلمين مقدمون على مواجهات واحتكاكات مع أميركا في الأمد المنظور، وأن علاقتهم بها سيكون لها تأثير جوهري على مصير المنطقة ومآلها، بل وعلى العالم أجمع. والكل يدرك أن العراق بداية لا نهاية، فإستراتيجية "الحرب الوقائية" التي أعلنها الرئيس بوش وفريقه، والنفوذ التي تحظى به الجماعات الأصولية اليهودية والمسيحية في صياغة الإستراتيجية وصناعة القرار الأميركي اليوم، وترهل الوضع السياسي والاجتماعي في الدول العربية، وبداية نضوب مصادر الطاقة عبر العالم باستثناء الخليج، وبروز أقطاب دولية تحرص أميركا على استباقها إلى المنطقة، وفرض السلام الإسرائيلي على العرب بمنطق الحراب بعدما فشل فرضه بالمفاوضات، وسقوط لغة الدبلوماسية والمجاملة بعد 11 سبتمبر/ أيلول.. كلها أمور تكشف عن طبيعة الصراع الآتي.

ويستدعي هذا الواقع الجديد أن يعرف العرب والمسلمون أميركا معرفة أوسع، ويسبروا غورها سبرا أعمق، ويدرسوا خريطتها السياسية والدينية والاجتماعية بكل تفاصيلها، ويستوعبوا عملية صناعة القرار فيها ومحدداته الأيدولوجية والسياسية، ودور الدين والمال والإعلام في السياسة الأميركية، وخلفيات القوى السياسية والاجتماعية فيها، وصراع الأحقاد الدينية والاستعلاء العرقي مع النزعة الإنسانية والليبرالية السياسية في أحشائها، والفرق بين حزب يقوده رجال المال والسلاح والأصولية كالحزب الجمهوري، وحزب يقوده ليبراليون وللأقليات فيه تأثير مثل الحزب الديمقراطي.. إلخ.

إن ما يحتاجه العرب والمسلمون اليوم ليس عبادة أميركا كما يفعل بعضهم، أو مقتها كما يفعل آخرون، ولو كانت عبادة أميركا ومقتها يفيدان لهان الأمر وقرب المأخذ.. وإنما يحتاجون إلى معرفتها بدقة، وتشريحها وتحليلها، واكتشاف ديناميكية المجتمع الأميركي وقواه الاجتماعية والأيدولوجية المتبدلة.. من أجل صياغة إستراتيجية واضحة للتعاطي معها.

وبهذا التحليل والتشريح يستطيع العرب والمسلمون أن يَمِيزوا في أحشاء القوة الأميركية من يمكن التحاور معهم، ومن يتعين مقاومتهم، ومن يصلح تحييدهم.. بعيدا عن التعميم والتهويل والتبسيط المخل.

لقد استفادت دول كثيرة من صداقة أميركا خلال نصف القرن المنصرم، واستفادت دول كثيرة من عداوة أميركا في نفس الفترة. لكن الدول العربية لم تجن ثمرة من صداقة أميركا ولا من عداوتها، بل يمكن للمرء أن يتوصل بسهولة إلى مفارقة لا توجد في العلاقات بين الدول، وهي أن أعداء أميركا في الدول العربية من أمثال صدام حسين خدموها أكثر مما خدمها أصدقاؤها، ومكنوا لها في المنطقة أكثر مما مكن لها حلفاؤها.. ليس بالعمالة والعلاقات المستترة التي يحب أصحاب نظرية المؤامرة أن يفسروا بها كل شيء، بل بحماقاتهم وسوء إدارتهم للصراع معها.

إن المعرفة قوة، فمتى ندرك أهمية التعرف على القوة الأميركية التي تعبث بمصائرنا ومصير العالم وتتحكم فينا يوما بعد يوم؟

العراق الأميركي.. يابان عربية أم ذيل إسرائيلي؟!

ومهما يكن من أمر، فلا أحد يستطيع لوم الآباء العراقيين المفجوعين والأمهات العراقيات الثكالى على تطلعهم إلى حياة السلم والهناء بعد ربع قرن من الحروب العبثية، أو على طموحهم للحصول على غذاء وكساء ودواء لما بقي لهم من بنين وبنات، أو على فرحتهم بسقوط حاكم دموي طالما استعبدهم وأذاقهم سوء العذاب.. لكن من اللازم أن لا يستبدل العراقيون وهما بوهم، ورهانا خاسرا برهان أخسر منه.

لقد سمعنا بعض الواهمين يتحدثون عن تحويل العراق على أيدي الأميركيين إلى "يابان عربية" بعد الحرب. ونسي هؤلاء الدوافع وراء الحرب والفكر الإستراتيجي الموجه لها، كما وقعوا في قياس مع الفارق يهدم كل ما بُني عليه.

إن اليابان لا تدين بالإسلام ولا تتكلم لغة القرآن، ولا تربطها حدود أو جوار مع الدولة اليهودية، ولا تملك ثروة نفطية. أما العراق فهو يجمع كل هذه الخصال. وكل من يتصورون أن أميركا ستتعامل مع العراق تعاملها مع اليابان -مع اختلاف المعطيات والزمان– فهم يجهلون الماضي والحاضر معا.

  • فبينما حرصت أميركا على إقامة ديمقراطية حقيقية في اليابان تكون نموذجا في آسيا ومنافسا أيدولوجيا للبديل الشيوعي، هدفت في العراق إلى إقامة ما دعاه الدكتور النفيسي بحق "ديمقراطية وقائية" هدفها الحيلولة دون أي تغيير ديمقراطي صادق، إدراكا منها أن الشعوب العربية لو أعطيت الخيار فلن تختار من يخدم الأجنبي على حساب وطنه وأمته.
  • وبينما أنفقت أميركا مليارات من مالها الخاص لإعادة إعمار اليابان دفعا لصائلة الشيوعية، جاءت إلى العراق تبحث عن الربح وتحاول الخروج من مأزقها الاقتصادي، وحرصت على تأمين آبار النفط أكثر مما حرصت على تأمين الأرواح، وأمنت وزارة النفط وحدها من السلب والنهب من بين كل الوزارات، وبدأت شركاتها في التنافس على عقود الإعمار والدماء العراقية والأميركية لم تجف بعد، في جشع لم يعرف له التاريخ مثيلا. بل بلغ الحد إلى دعوة الإسرائيليين للاستعداد لاستقبال النفط العراقي عبر أنبوب يمتد من العراق إلى ميناء حيفا.
  • وبينما كانت أميركا حريصة على تأمين اليابان من الاتحاد السوفياتي وحلفائه في آسيا، لم تأت إلى العراق لتأمين العراق، وإنما لتأمين إسرائيل، بكل ما يعنيه ذلك من إعادة تشكيل المنطقة، وتجريدها من جميع أسباب قوتها ونمائها. بل الكل يعرف أن الحرب كانت حربا إسرائيلية تصورا وتخطيطا، ولم يكن للأميركيين فيها غير جهد العضلات وقوة النيران. وقد افتخرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية منذ أيام بأن "الحرب على العراق كانت من بنات أفكار خمسة وعشرين مثقفا أميركيا أغلبهم من اليهود، يدفعون الرئيس بوش إلى تغيير مسار التاريخ" (هآرتس 5/4/2003).

ويبقى شبَه واحد بين تعامل أميركا مع العراق وتعاملها مع اليابان جدير بالتنويه، وهو أن التجويع الذي فرضته أميركا على الشعب العراقي لثلاثة عشر عاما كان من أهدافه التهيئة النفسية للهزيمة، وإنضاج الظروف للخضوع، والإرغام على تسليم المصير للأميركيين.. تماما كما كان هدف إلقاء القنابل النووية على هيروشيما وناكازاكي. لم تكن هناك ضرورة عسكرية للقصف النووي على اليابان، ولا لفرض السنوات العجاف على الشعب العراقي المفجوع.. لكنها الطريقة الأميركية لبناء السلام الأميركي!!

إن المراهنة على حرية يأتي بها جورج بوش، لا تختلف عن المراهنة على مقاومة يقودها صدام حسين.. والذي يبيع الاستبداد بالاستعمار إنما هو كالمستجير من الرمضاء بالنار. وكل ما نرجوه أن يتخذ الشعب العراقي من حالة الانكسار الراهنة لحظة لالتقاط الأنفاس وسد الرمق وتضميد الجراح واكتشاف الذات ومراجعة المسيرة، ثم يهبُّ بعدها للإمساك بمصيره، بعد أن يستوعب ما وفرته الحرب الحالية وسابقاتها من دروس للزمن الآتي..
ــــــــــــــــــ
* كاتب موريتاني مقيم بالولايات المتحدة

المصدر : غير معروف