بقلم/ أكرم البني

تثار إشكالية العلاقة بين السياسة والأخلاق باهتمام متميز في هذه الظروف العصيبة التي ينبغي لتجاوزها أن نعد ما نستطيع من عزم وإصرار، الأمر الذي زاد من فرص حضور منطق القوة والعنف في رسم مسارات حياتنا وتوجيهها، وتنامي شعور يميل نحو التحلل من الضوابط الأخلاقية وإباحة كل الطرق والوسائل لتحقيق أهدافنا السياسية ومصالحنا.

إذا كانت السياسة في تعريفها البسيط هي طرائق قيادة الجماعة البشرية وأساليب تدبير شؤونها لما يعتقد أنه خيرها ومنفعتها، فالأخلاق هي مجموعة القيم والمثل الموجهة للسلوك البشري نحو ما يعتقد أيضا أنه خير وتجنب ما ينظر إليه على أنه شر.

وكلتاهما -السياسة والأخلاق- تستهدفان تمليك الناس رؤية مسبّقة تجعل لحياتهم هدفا ومعنى، وبالتالي تلتقيان على الدعوة لبناء نمط معين من المبادئ والعلاقات الإنسانية والذود عنهما، لكن تفترقان في أن طابع المبادئ والعلاقات التي تعالجها السياسة تختلف نوعيا عن تلك التي تتناولها الأخلاق تصل إلى حد التعارض عند ميكافيلي الذي يغلّب السياسة على الأخلاق في كتابه "الأمير"، ليظهر السلوك الميكافيلي كما لو أنه يتنكر صراحة لجميع الفضائل الأخلاقية حين يبرر استعمال كل الوسائل لتحقيق الغايات السياسية!!

لا يقصد إذا بالأخلاق في ميدان السياسة حزمة القيم الشائعة عن الصدق والوفاء والشجاعة، على أهمية هذه القيم وضرورتها في العمل السياسي النظيف، بل أساسا تلك العلاقة الشائكة والمعقدة بين الهدف السياسي والوسائل المفضية إليه، أو بمعنى آخر ماهية التحديات والمعايير الأخلاقية التي تعترض أصحاب غاية سياسية عند اختيارهم وسيلة نضال ورفض أخرى، أتستند هذه المعايير إلى محتوى الغاية أم إلى طابع الأساليب أم إلى القيم الإنسانية العامة؟! وما صحة القول إن عدالة أي هدف تبيح عند أصحابه استخدام ما يحلو لهم من وسائل حتى لو داسوا بأغلظ الأقدام على خير ما راكمته البشرية من قيم ومثل ؟!


صور العنف والجوع والجثث أعادت معضلة السياسة والأخلاق إلى دائرة الجدل الساخن، بين من يغفر اللجوء إلى كل الأساليب المتاحة لنصرة قضيته, وبين من يرفض ذلك مهما تكن الغاية نبيلة
أعاد الجو المحموم بالعنف ومناظر القمع والدم والجوع وصور الجثث التي تروعنا يوميا، هذه المعضلة إلى دائرة الجدل الساخن، بين من يغفر أو لنقل لا يعارض اللجوء إلى كل الأساليب المتاحة لنصرة قضية يجدها مشروعة وعادلة، وبين قائل بأن طريق القتل والعنف مسدودة ومليئة بالآلام والنكبات مهما تكن الغاية التي تقف وراءها نبيلة وسامية، مشددا على أهمية الأسلوب المدني الديمقراطي بوصفه وجه النضال الوحيد المجدي.

ربما هي صرخة في واد أو مدعاة للسخرية اليوم حين نستحضر مقولة تولستوي الشهيرة : "إن الشر لا يقتل الشر كما النار لا تطفئ النار"، أو نّذكر بسلوك رواد النضال السلمي كالمهاتما غاندي ومارتن لوثر كينغ ومن ثم نيلسون مانديلا، وقد نجحوا في إيقاظ ضمائر الناس وحفز هممهم عبر مختلف الوسائل المدنية لمقاومة الاستبداد والاحتلال في آن معا، ما حدا بالكثيرين إلى القول إن الشعبين الهندي والجنوب أفريقي ما كانا ليهنئا ببلاد ديمقراطية محررة لولا أسلوب النضال السلمي الذي أشاعه كل من غاندي ومانديلا كطريق رئيسة لنيل الاستقلال الوطني.

بالمقابل يحكى أن هتلر كان يخفي تحت وسادته كتاب "الأمير" لميكافيلي لينام هانئا فوق وصيته الشهيرة "الغاية تبرر الوسيلة"، وتروى ذات الحكاية عن ستالين وموسوليني وفرانكو وغيرهم من الدكتاتوريين الذين أباحوا لأنفسهم استخدام أشنع أساليب القمع والاضطهاد من أجل غايات رسموها لأنفسهم وأهداف وضعوها فوق كل اعتبار !!

فالاستيلاء على السلطة والاحتفاظ بها خدمة لمصالح فئة أو جماعة سياسية على حساب جموع الناس ورغما عنهم، يقتضي استعمال ما يلزم من قهر واستبداد لفرض نظام سياسي من علٍ يروج له على أنه الخير العام، وتعاد من منظور أخلاقي صياغة التسميات والتوصيفات ليصبح كل معارض لهذا النظام أو مناهض لمصالح سادته، شرا مطلقا لا يستحق الوجود وحتى الحياة.

ليقلب الاستبداد كل المثل الخيرة والقيم الإنسانية كي يديم امتيازاته ويحمي مكاسبه فيعمم أخلاق الخنوع والذل والدجل والوشاية، الأمر الذي نبه إليه الكواكبي قبل أكثر من مائة عام في نص لا يزال يحتفظ بحيويته ودفئه حتى اللحظة الراهنة "إن الاستبداد يتصرف في أكثر الأميال الطبيعية والأخلاق الحسنة، فيضعفها أو يفسدها أو يمحوها, هو يقلب القيم الأخلاقية رأسا على عقب ليغدو طالب الحق فاجرا وتارك حقه مطيعا، والمشتكي المتظلم مفسدا، والنبيه المدقق ملحدا، والخامل المسكين صالحا أمينا. وتصبح تسمية النصح فضولا والغيرة عداوة والشهامة عتوا والحمية حماقة والرحمة مرضا، وأيضا يغدو النفاق سياسة والتحايل كياسة والدناءة لطفا والنذالة دماثة، وأنه -أي الاستبداد- يرغم حتى الأخيار من الناس على ألفة الرياء والنفاق، ولبئس السيئتان، وأنه يعين الأشرار على إجراء غيِّ نفوسهم آمنين من كل تَبِعة، ولو أدبية، فلا اعتراض ولا انتقاد ولا افتضاح".

إن تغييب حريات البشر واستباحة حقوقهم هي مقدمة لا بد منها لقتل بنيتهم الأخلاقية الإنسانية، وبالمقابل فإن إرساء عقد اجتماعي على أسس الديمقراطية وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان يعتبر المناخ الأمثل لبناء علاقة صحية بين السياسية والأخلاق تضمن احتكام كلتيهما لنظام مشترك يحتويهما ويتجاوزهما.

فالأخلاق والسياسة ماهيتان مختلفان بطبيعتيهما، ومن المحال احتواء إحداهما للأخرى، لكن يمكن دمجهما في تفاعل متبادل ترعاه أجواء الحرية والاعتدال، لأن الفضيلة السياسية أو الأخلاق في السياسية لا يمكن أن تنمو عيانيا في مناخات التطرف والعنف والغلو ومع غياب حقوق المواطنة والعدالة والمساواة والمشاركة. وقد ميز المفكرون والفلاسفة منذ أفلاطون الفارق الكبير في البنية الأخلاقية بين الفرد الذليل والمدفوع وراء أهوائه ونزواته، وبين الذي يتمتع بكامل حقوقه الطبيعية المدنية والسياسية ويصبو لقيم الخير والحق والجمال والعدل، مما يجعل الديمقراطية الخيار الأكثر إلحاحا لبناء مجتمع معافى وإنسان سوي وأيضا لإرساء قواعد سلوك سياسي كفاحي تنظمه القيم الأخلاقية الإنسانية في مواجهة أخلاق العنف وشيوع الأساليب البربرية في حسم صراعات المصالح السياسية.


تغييب حريات البشر مقدمة لا بد منها لقتل بنيتهم الأخلاقية الإنسانية، وبالمقابل فإن إرساء عقد اجتماعي على أسس الديمقراطية يعتبر المناخ الأمثل لبناء علاقة صحية بين السياسية والأخلاق
وما يزيد الأمر جدوى أن الشعوب عموما بدأت تظهر في ظل ثورة الاتصالات وسرعة تبادل المعلومات تفاعلا أكبر مع الأحداث أنى كانت، وبدأ شعورهم بالتضامن المشترك حول القيم الإنسانية العامة يتنامى بصورة ملحوظة إلى جانب إحساسهم بانتماءاتهم الأخرى، مما ينعش الثقة بإمكانية نمو موقف عالمي قادر على نصرة الشعوب وقيم الخير والحق، يرفض العنف والحروب ويساعد على إنضاج آلية وتكريس قانون عادل عمادهما صون حقوق الناس المتساوية ورعاية العلاقات بين الدول على أساس التنافس السلمي والاحترام المتبادل.

في الماضي القريب أدى انهيار النموذج السوفياتي وشيوع الأفكار الديمقراطية وقيم الحريات وحقوق الإنسان إلى تنامي حس إنساني عام راغب في محاكمة أساليب الصراع السياسي ومعايرتها أخلاقيا، ولم يعد مقبولا اللجوء إلى وسائل غير مشروعة إنسانيا أو لا ديمقراطية من أجل تحقيق هدف أو غرض سياسي ما، الأمر الذي ساعد على حضور موقف عالمي مؤثر يأنف من العنف ويضع حياة الإنسان وحريته في مركز كل اهتمام.

تلقى هذا الوعي الحضاري، قبل أن ينضج أو يستقر، صفعة قوية وقد نجحت عقلية العنف والقوة في جر البشرية إلى ماضيها المؤلم، إلى أخلاق الحروب والقتل، وإلى المناخات التي تسوغ لكل طرف استخدام مختلف الوسائل الإجرامية ضد الآخر.

وشاع من جديد المنطق القائل بأن قهر الشر، هكذا يسمي كل طرف الطرف الآخر، لا يمكن أن يتم إلا بالقوة والعنف وبأساليب الشر ذاتها، وأن أي ممارسة هي فعل مسموح به ومباح مهما وصلت من البؤس والانحطاط الأخلاقي طالما أنها تقود إلى النصر، وهو ما أظهر العالم كما لو أنه عاد إلى نقطة الصفر وإلى شرائع الغاب، وبدا أنه لا خلاص من تلك اللعنة الأبدية التي تفصل الأخلاق عن السياسة وتبيح لهذه الأخيرة التحلل من أي وازع أو ضمير !!

هل نغمز من هذه القناة إلى أسباب انهيار الاتحاد السوفياتي وما كابدته شعوبه من ويلات القمع الاستبدادي الشمولي تحت اليافطة الاشتراكية؟! أم إلى من لا يزال يغفر -تحت خدر "الهيام القومي"- لصدام حسين كل الآثام والفظائع التي ارتكبها بحق الشعب العراقي؟! أم إلى من لا يزال يتفهم دور القوة الأجنبية في الإطاحة بدكتاتورية من طراز السلطة العراقية، مبررا للولايات المتحدة ذرائعها ولجوءها إلى أفتك أنواع الأسلحة؟!

ثم هل يفترض أن نصل إلى ما هو أسوأ مما وصلنا إليه ليكتشف أنصار عمليات التصفية والتطهير التي تمت في البلدان "الثورية جدا" أو "القومية جدا" أي إثم ارتكبوا؟! أو لنتبين كم أساءت عمليات الإرهاب والتدمير وقتل المدنيين لهدف الحرية النبيل ولواجب التحرير المقدس؟!

قد تؤمن فئة ما بأن ما تبيحه من وسائل نضالية هو حق مشروع لها ضد عدو دموي وظالم، لكن لم تعد المسألة اليوم -طالما هدفها رفع الظلم وضمان الحقوق- مسألة ثأر أو رد فعل أو قضية اجتهاد خاص، فئوي أو ديني، بل ترتهن إلى قاعدة أخلاقية إنسانية عامة بات الاحتكام إليها من مصلحة أصحاب المظالم والحقوق والبشرية جمعاء.


ليس ثمة غاية مهما بدت سامية أو مقدسة يمكن أن ترتفع فوق حق الإنسان المتساوي في الحياة والحرية والكرامة وبالتالي من الخطأ أن نحرر وسائل الكفاح من معاييرها الأخلاقية
وربما هو قدر المجتمعات الضعيفة والمتخلفة الاستقواء بهذه القاعدة الأخلاقية واللجوء إلى أساليب صحية تنسجم مع أهدافها في الحرية والتحرر، لتكسب إنسانها أولا وتحصّن بيتها جيدا وتربح تاليا معركتها السياسية، ضد عدو مدجج بأعتى أنواع الأسلحة ويملك تفوقا اقتصاديا وتكنولوجيا مذهلا.

فليس ثمة غاية مهما بدت سامية أو مقدسة يمكن أن ترتفع فوق حق الإنسان المتساوي في الحياة والحرية والكرامة، وبالتالي من الخطأ أن نحرر وسائل الكفاح من معاييرها الأخلاقية ونقرنها فقط بما تسوغه المصالح والغايات الوطنية أو الطبقية أو الطائفية الضيقة مهما كانت عادلة أو مشروعة، فالوسائل والغايات حلقتان مترابطتان وكل منهما شرط للأخرى، وإنجاز الهدف العادل يتطلب صحة اختيار الوسائل التي تخدمه وتلائمه، وبغير ذلك ستفضي الأمور إلى تشويه الهدف وهزيمة أصحابه في نهاية المطاف، بدليل الانهيارات المروعة في غير بلد اشتراكي جراء اعتماد عملية البناء على وسائل القمع والإرهاب.

خلاصة القول أن الوسيلة النضالية هي قيمة أخلاقية بحد ذاتها، وحامل القيمة الإنسانية الأعلى في عالم اليوم، عالم القرية الصغيرة، يملك من فرص النجاح الكثير لإجبار العدو على الخضوع للقواعد الأخلاقية والقانونية وإكراهه على تنحية وسائل القتل وأساليب العنف والتدمير جانبا.

وهذا يستدعي مزيدا من الصبر والمثابرة لربح المعركة في الحقل الأخلاقي السياسي حقل التعاطف الإنساني، ربطا مع اختبار وسائل النضال الديمقراطي بكل صورها وأشكالها، كالاحتجاج والتظاهر والإضراب العام والاعتصام المدني، كطريق رئيسة لإظهار إرادة الشعب وعزمه الأكيد على مقاومة الظلم والاستبداد والاستعمار، وتحضرنا هنا نتائج الكسب الأخلاقي والإنساني ومن ثم السياسي الذي حققته انتفاضة الحجارة بمثابرتها وصبرها وجلدها لترد على كل من يعتبر أن هذه الطريق مضيعة للوقت والتضحيات أو دعوة للخنوع والاستسلام!!
ــــــــــــــــــ
كاتب سوري

المصدر : غير معروف