بقلم/ إبراهيم غرايبة

-الديمقراطية التركية
-حزب العدالة والتنمية
-حكومة حزب العدالة والتنمية
-السياسات العامة لحكومة العدالة والتنمية
-الحركة الإسلامية في تركيا حزب تركي

تقوم على خريطة العالم الإسلامي نماذج عدة لحكم الحركة الإسلامية، مثل إيران والسودان وأفغانستان وتركيا. وهناك نموذجان لدولتين قامتا على أساس إسلامي، وهما السعودية وباكستان. وشاركت الحركة الإسلامية في الحكم في دول عدة، مثل الأردن واليمن وماليزيا والكويت والمغرب والجزائر.

وكانت جميع هذه المشاركات والمواقف متعددة الصيغ والتمظهر على نحو يشجع على التأكيد أن النموذج الإسلامي في الحكم ليس واحدا، وأن الفهم الصحيح للحكم والدولة في الإسلام يجب أن يفهم على أنها دولة مسلمين وليست دولة إسلامية.

وستركز هذه الدراسة على التجربة التركية باعتبارها النموذج المعبر عن وصول الحركة الإسلامية إلى الحكم على أساس الانتخابات، وباعتبار تركيا مركز آخر دولة إسلامية كانت تقود العالم الإسلامي لحوالي 600 سنة، وكانت في مرحلة من التاريخ الدولة الأكثر أهمية في العالم.

وتقوم الدراسة على رؤية لنائب رئيس حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا وهو مراد ميرغان، وهو أيضا عضو في مجلس النواب التركي ورئيس الوفد التركي البرلماني إلى المجلس الأوروبي، التي قدمها في مؤتمر الأحزاب السياسية والتنمية المنعقد في عمان في الأيام القليلة الماضية.

الديمقراطية التركية


كان يوجد خطان سياسيان في تركيا حتى أوائل 1970 حيث مثل حزب الشعب الديمقراطية الاجتماعية, والحزب الديمقراطي الاتجاه المحافظ، لكن مع فشل الحزبين ظهر حزب الخلاص بزعامة أربكان كتعبير عن التوجه الديني
أسس مصطفى كمال أتاتورك جمهورية تركيا عام 1923 على أنقاض الإمبراطورية العثمانية التي عمرت ستة قرون, وقد أديرت الإمبراطورية بنجاح في القرون الأربعة الأولى, وبدأ انحدارها في حوالي العام 1750. وحتى ذلك الحين كانت هناك محاولات متعددة لتحديث الدولة.

مع ذلك فشلت جميع هذه المحاولات لأسباب عديدة، وقد اتجهت الدولة العثمانية في محاولاتها للإصلاح والتحديث في القرن الثامن عشر إلى أوروبا ونموذجها المهيمن. وأسس أتاتورك أول حزب سياسي للجمهورية وسماه حزب الشعب الجمهوري. وأنشئ حزب ثان خلال عهد أتاتورك في توجه إلى ديمقراطية متعددة الأحزاب.

وكان يوجد خطان سياسيان رئيسيان في تركيا حتى أوائل العام 1970 حيث مثل حزب الشعب الجمهوري الديمقراطية الاجتماعية, والحزب الديمقراطي الاتجاه المحافظ. وقد أسس جلال بايار وعدنان مندريس الحزب الديمقراطي عام 1946، وخسر حزب الشعب الجمهوري الحاكم الانتخابات عام 1950 وتسلم الحزب الديمقراطي السلطة.

وعام 1960 وقع انقلاب عسكري ووضع دستور جديد, وتم وضع نهاية للحزب الديمقراطي. وإثر انتهاء هذا الحزب تأسس حزب العدالة، وكانت الشخصية الرئيسية فيه سليمان ديميريل الذي حكم البلاد حتى العام 1980، وكانت السنوات الأولى لحكومة حزب العدالة مشابهة لسنوات حكومة الحزب الديمقراطي.

وفي جو من فشل الحزبين الرئيسيين في البلاد وتنامي الإرهاب والعنف ظهر حزب الخلاص الوطني بقيادة نجم الدين أربكان، الذي تحول إلى حزب الفضيلة ثم الرفاه ثم السعادة أثناء المرحلة الممتدة بين العامين 1970 و2000، معبرا عن الاتجاه المتدين والمحافظ وعن شريحة الفقراء الذين لم يستفيدوا من تجارب الحكم للأحزاب الأخرى. وقد شارك هذا الحزب في الحكم عامي 1974 و1996، وسادت فترة من الحكم الائتلافي بين الأحزاب.

حزب العدالة والتنمية
أسس حزب العدالة والتنمية على يد رجب طيب أردوغان و72 عضوا مؤسسا. وكان أردوغان رئيس بلدية ناجحا لإسطنبول بين العامين 1994 و1998 وسجن مدة عام قبل أن يكمل فترته بسبب قراءته قصيدة وصفت بأنها تثير العداء بين الناس، وهو يتميز بشخصية "كاريزمية" قيادية وقبلته أغلبية المواطنين الأتراك.

وكانت الفكرة الأساسية لحزب العدالة أنه يجب التخلي عن الخطاب الديني الذي التزمه حزب الفضيلة بقيادة أربكان، وأن يستخدم خطابا يتفق مع الواقع التركي والعالمي أيضا.

ويعبر عن حزب العدالة والتنمية برنامجه الذي يعالج قضايا تركيا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ومستقبل المواطنين الأتراك. وقد جرت استطلاعات للرأي واسعة جدا للتعرف على احتياجات الناس ومطالبهم وتوقعاتهم من الحزب.

وتقوم فكرة البرنامج على أن مشاكل تركيا ليست مستعصية الحل طالما أن تركيا لديها موارد طبيعية غنية فوق الأرض وتحتها، ولديها شعب يتميز بالشباب والديناميكية، وتراث حكم عميق الجذور وشديد الغنى، وموقع جيوستراتيجي يمكن أن يساعدها على أن تلعب دورا مؤثرا في منطقتها، وفرص سياحية مستمدة من التاريخ والجغرافيا، وشخصية وطنية قائمة على التدين والتضامن، وسجل من الإنجازات. وقد حظي هذا البرنامج بقبول شعبي كبير عبرت عنه الانتخابات النيابية التي جرت عام 2002.

يهدف الحزب إلى تقديم حلول أصيلة ودائمة لمشاكل تركيا بالتوازي مع الوقائع العالمية, ومن خلال التراكم التراثي والتاريخي, وجعل غرض الخدمة العامة الأساسي هو القيام بالنشاطات السياسية في برنامج من القيم الديمقراطية المعاصرة, بدلا من البرامج الأيدولوجية.

وعلى هذا الأساس فإن حزب العدالة والتنمية ينظر بمساواة وعدل إلى جميع المواطنين الأتراك بغض النظر عن الجنس والأصول الإثنية, والمعتقدات والآراء. وعلى أساس هذا المفهوم التعددي فإن الأهداف الأساسية للحزب تأتي في تطوير وعي المواطنة والاشتراك مع جميع الأتراك بامتلاك الوطن الذي يعيشون فيه والانتماء إليه.

ومن مبادئ الحزب الرئيسية المثل القائل إن لم يكن الجميع أحرارا فما من أحد حر, فالحزب يعتبر أحد مهامه الأساسية تأكيد الديمقراطية عن طريق دمقرطة الفرد وتوفير وحماية حقوق الإنسان الأساسية.

وباختصار فإن الجمهورية التركية في نظر حزب العدالة والتنمية تقوم على العلمانية والديمقراطية والقانون والعمليات الاجتماعية والحضارية وحرية المعتقد وتكافؤ الفرص. وللحزب فروع محلية في 81 منطقة وأكثر من 3000 بلدة, بمجموع يبلغ ثلاثة ملايين عضو.

حكومة حزب العدالة والتنمية


تقوم الجمهورية التركية في نظر حزب العدالة والتنمية على العلمانية والديمقراطية والقانون، والعمليات الاجتماعية والحضارية, وحرية المعتقد وتكافؤ الفرص
جرت الانتخابات العامة يوم الثالث من نوفمبر/ تشرين الثاني 2002 وكانت نتيجتها مذهلة، فقد خرجت جميع الأحزاب السياسية التي كان لها مقاعد في البرلمان قبل الانتخابات, ولم تكن قادرة على تأمين حتى مقعد واحد.

وحصل حزب العدالة والتنمية على 34% من الأصوات وأحرز 365 مقعدا من أصل 550، وأحرز حزب الشعب الجمهوري على 176 مقعدا و19% من الأًصوات. وفاز ببقية المقاعد مرشحون مستقلون.

وشكل عبد الله غل -وزير الخارجية الحالي- الحكومة التركية, لأن أردوغان كان قد منع من الترشيح للانتخابات، ثم أزال البرلمان منع أردوغان فأصبح رئيسا للوزراء.

ومنذ تسلم الحزب السلطة وشعبيته آخذة في الازدياد، وفي آخر انتخابات محلية جرت يوم 28 مارس/ آذار 2004 أحرز الحزب 42% من الأصوات في جميع أنحاء البلاد.

السياسات العامة لحكومة العدالة والتنمية
يعمل الحزب لتحقيق المبادئ التالية في السياسة الداخلية:
1- الديمقراطية والعلمانية وحكم القانون هي المبادئ الأساسية للجمهورية، فالحزب يؤمن بأن الازدهار والرفاه يقومان على تطبيق المبادئ المذكورة سابقا تطبيقا كاملا، وأن الانفتاح والشفافية هما مبدآن حيويان للحكومة, فالقطاع العام يموله المواطنون, ولهم الحق في معرفة أين وكيف يتم إنفاق أموالهم, وضمن هذا السياق أجرى الحزب تغييرات في الدستور والنظام القضائي لتعزيز الديمقراطية وتقوية الشفافية في فترة وجيزة جدا.

2- كل مواطن في تركيا يستحق كامل حرية الرأي والمعتقد والفكر, ويجب أن يكون قادرا على التعبير عنها بحرية.

3- يجب أن يكون للمواطنين الحق في تشكيل اتحادات ليعيشوا ثقافاتهم الخاصة كما يشاؤون، ولن يكون هناك تمييز على أساس الجنس والأصل الإثني والدين واللغة.

4- لن يكون هناك حزب سياسي يقوم على الدين و/أو القومية، فهما قيمتان جامعتان للمجتمع, الدين هو قيمة يشترك فيها الناس فهو فوق جميع الاهتمامات السياسية، والأحزاب السياسية التي تعمل على استثماره تقود الناس والمجتمع إلى الانقسام. وباعتبار أن الحزب يعرف نفسه بأنه ديمقراطي محافظ فإنه يعمل على احترام وتعزيز الثقافة وقيم المجتمع التراثية والاجتماعية, في نفس الوقت الذي يعمل فيه على تحديث وتحسين مستوى الحياة في المجتمع، ويعتقد أن هذه القيم لا تتعارض بعضها مع بعض.

5- العمل على رفع تركيا إلى مستوى الدول المتقدمة, ولتحقيق هذا الهدف يجب أن تجرى إصلاحات بنيوية "رئيسية" في القطاع العام والاقتصاد, وهكذا يشكل تطبيق اقتصاد السوق الحر والخصخصة وزيادة فاعلية القطاع العام أهدافا رئيسية للحزب.

لقد مرت تركيا بأزمة "حادة" عام 2000 أدت إلى تراجع الاقتصاد وخلل في توزيع الثروة, وكان الفساد متمكنا، واستولت الدولة على العديد من البنوك الخاصة, بسبب سوء تصرفها، فقد عرضها مالكوها إلى إفلاس وتفريغ متعمد من الأموال، متسببين في خسائر كلفت تركيا حوالي 30 مليون دولار أميركي.

وقد غيرت حكومة العدالة والتنمية في القوانين لتجعل من أصحاب البنوك مسؤولين عن سوء تصرفاتهم, وتواصل الحكومة العمل والتنسيق مع صندوق النقد الدولي لتحقيق انخفاض في معدلات التضخم والفائدة. ويعتقد قادة الحزب أن الاقتصاد التركي الآن مستقر، وأن التصدير والاستيراد في حالة ازدهار. وقد أخذ الاقتصاد بالنمو بمعدل 5% سنويا.

وفي مجال السياسة الخارجية يقول ميرغان نائب رئيس الحزب "إننا نعيش في عهد جديد في السياسة الدولية يمكن تعريفه بزيادة العلاقات بين الدول وضمن المنطقة, والتكامل في العالم المتعولم، وذلك يجعل الديمقراطية والحكم الصالح هما المبدأين الأساسيين للمجتمع الدولي".

والدول التي لا تتبنى هذه المبادئ سوف تعاني اقتصاديا واجتماعيا, وفي المقابل فإننا نستطيع أن نبني مستقبلا أفضل لمواطنينا وبلادنا حين نطبق بالكامل هذه المبادئ، ولذلك فإننا ومن أعماق قلوبنا ندعم القيام بهذه التغييرات في كل مجتمع.

ويلخص ميرغان أهداف حكومته في السياسة الخارجية في:
1- تغير البنية الديناميكية لظروف العالم يفرض تأسيس علاقات عقلانية وتعزيز هذه العلاقات.

2- الافتقار إلى السلام والاستقرار في منطقتنا يؤثر مباشرة على مجتمعنا, ولذا يجب على تركيا أن تكون فاعلة في وقف الصراع وتأمين الاستقرار في المنطقة.


يظن الكثير من المثقفين والباحثين أن الإسلام يقدم قواعد وأفكارا ونظريات شاملة وجاهزة, ولا يدركون أن النظام الإسلامي تفاعل إيجابي بين الفكر والعقيدة والثقافة والدعوة
3- التحديث مشروع دائم لتركيا، وأصبحت هذه القضية سياسة رسمية للدولة مع تأسيس الجمهورية، وجهود التحديث حين لا تعرض للخطر تراث ومعتقدات الناس تكون موضع تقدير لديهم. ومن التداعيات الطبيعية للتحديث بالنسبة لتركيا هي أن تكون عضوا في الاتحاد الأوروبي, ويريد معظم الشعب التركي (أكثر من 75%) هذه العضوية, ولذا فإن تركيا تبذل قصارى جهدها لإجراء التحول الضروري من أجل البدء في محادثات القبول.

4- يقول رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان عن الديمقراطية في الشرق الأوسط "إنني لا أشارك في النظرة التي ترى أن الثقافة الإسلامية والديمقراطية لا يمكن أن يتصالحا, فالسياسي الذي يحترم القناعات الدينية في محيطه الشخصي, وينظر إلى السياسة باعتبارها مجالا خارج الدين إنما يحمل نظرة مختلة تماما.

فالديمقراطية في الشرق الأوسط هي هدف يجب بلوغه، والسؤال ليس عما إذا كانت تلك الدمقرطة ممكنة, بل بدلا من ذلك كيف نلبي توق الجماهير في الشرق الأوسط إلى الديمقراطية؟ وبكلمات أخرى كيف نحقق الديمقراطية في المنطقة؟

الحركة الإسلامية في تركيا حزب تركي
إن المحصلة الرئيسية التي يمكن استخلاصها من تجربة الحركة الإسلامية في تركيا، أنها تفاعل مع الزمان والمكان، وعلى هذا الأساس فإن تجربة حركة طالبان في الحكم مستمدة من ظروف الانغلاق والعزلة والتخلف والفقر التي عاشتها أفغانستان قرونا متواصلة، فالأفكار والبرامج تحل في الزمان والمكان وتتفاعل معهما.

إن الكثير من المثقفين والباحثين يظنون أن الإسلام يقدم قواعد وأفكارا ونظريات شاملة وجاهزة، وأن الاجتهاد السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي مستمد فقط من فهم النصوص والمراجع ودراستها، ولا يدركون أن النظام الإسلامي تفاعل إيجابي وسليم بين الفكر والعقيدة والثقافة والدعوة والتحرك بها وسط الواقع والبيئة والمتغيرات والمحددات الكثيرة والممتدة والمتجددة. ولذلك فإن النظام الاجتماعي الإسلامي ينمو ويتجدد ويضمر ويتراجع ويبدع ويتخلف حسب واقع وحال البيئة المحيطة به من ناس ومجتمعات وحضارة وفاعلية اجتماعية.
________
كاتب أردني

المصدر : غير معروف