د. عبد الوهاب المسيري

اتسمت المواقف الغربية تجاه أعضاء الجماعات اليهودية بازدواجية واضحة تكاد تخلو من العقلانية. إذ يُنظر إلى اليهود لا باعتبارهم أقليات مختلفة فيهم ما في البشر العاديين من الخير والشر، بل باعتبارهم كياناً جماعياً واحداً يُسمى "اليهود" أو الشعب اليهودي، وهو في الوقت نفسه شعب مختار، ومقدس، وروحاني. ومع ذلك، فقد كان يُنظر إليهم على الدوام بوصفهم تجاراً ومرابين، أو أشياء بشرية يمكن نقلها من مكان إلى آخر طبقاً لاحتياجات الطبقة الحاكمة، أي إنهم باختصار جماعة وظيفية.

ولهذه الازدواجية تاريخ طويل، فالمفهوم الكاثوليكي لليهود يصنفهم باعتبارهم شعباً شاهداً، يقف في تدنيه وضِعَته "شاهداً" على عظمة الكنيسة، وهو ما يقتضي أن يحظى اليهود بحماية الكنيسة الكاثوليكية، حتى أن الكنيسة استثنت اليهود من عمليات التنصير الإجباري. وفي الوقت نفسه، فإن بقاءهم في ذلك الوضع المتدني الوضيع -على النقيض من وضع الذين تشملهم مظلة الإيمان المسيحي- هو دليلٌ حي على انتصار الكنيسة الكاثوليكية.


تتجلى الازدواجية الأوروبية في العقيدة البروتستانتية التي ترى أن عودة اليهود إلى أرض الميعاد هي شرطٌ أساسي لعودة المسيح إلى الأرض وتأسيس مملكته التي يتحقق من خلالها الخلاص النهائي
وتتجلى نفس الازدواجية في العقيدة الألفية الاسترجاعية البروتستانتية التي ترى أن عودة اليهود إلى أرض الميعاد هي شرطٌ أساسي لعودة المسيح مرة أخرى إلى الأرض وتأسيس مملكته التي ستدوم ألف عام، ويتحقق من خلالها الخلاص النهائي.

لكن عودة اليهود هذه كان يُنظر إليها أيضاً باعتبارها وسيلةً لتنصيرهم، ومن ثم يصبح الخلاص النهائي هو تخلص نهائي من اليهود في الوقت ذاته. كما طبعت هذه الازدواجية بطابعها المواقفَ العلمانية الغربية الحديثة من اليهود. فخلال القرن التاسع عشر -على سبيل المثال- كان يُنظر إلى اليهود في أوروبا باعتبارهم شعباً متفرداً موهوباً يجيد الأعمال الشاقة، وشعباً عضوياً له هوية متفردة ويرتبط ارتباطاً عضوياً بأرض الميعاد.

ولكن هذه المقولة نفسها كانت تعني أنهم غير متجذرين في المجتمع الأوروبي ولا ينتمون إليه تماماً، وما دام الأمر كذلك فمن الضروري نقلهم إلى فلسطين لخدمة المصالح الغربية.

ومن المفارقات الملفتة للنظر أن إضفاء صفة القداسة على "الشعب اليهودي"، أو النظر إلى اليهود كشعب متفرد مكتف بذاته ولا مرجعية له خارجه قد سهلت "حوسلتهم" (أي تحويلهم إلى وسيلة أو توظيفهم لتحقيق غاية ما)، ذلك أن إضفاء القداسة على شخص وجعله مرجعية ذاته يعني أيضاً استبعاده من نطاق الإنسانية المشتركة، مما يجعل "حوسلته" أمراً سهلاً. وهكذا يتضح أن التحيز لليهود (أي الصهيونية) وعداء اليهود هما وجهان لعملة واحدة.

وتبدو نفس الازدواجية في موقف العالم الغربي ويهود الغرب من حادثة مهمة في تاريخ الحضارة الأوروبية الحديثة، ألا وهي إبادة أعداد كبيرة من يهود الغرب على أيدي النظام النازي. وأحياناً ما يُستخدم مصطلح "الإبادة" Extermination أو "المذابح الجماعية" Genocide في وصف هذه الحادثة، ولكن المصطلح الأكثر شيوعاً هو "الهولوكوست" Holocaust, وهي كلمة يونانية لا تعني مجرد "التدمير حرقاً"، كما تشير الموسوعة البريطانية، ولكنها كانت في الأصل مصطلحاً دينياً يهودياً يشير إلى القربان الذي يُضحَّى به للرب ويُحرق حرقاً كاملاً غير منقوص على المذبح.

ولهذا كان "الهولوكوست" يُعد من أكثر الطقوس قداسةً، وكان يُقدم تكفيراً عن خطيئة الكبرياء. وفي العبرية يُشار إلى هذه الحادثة باستخدام كلمة "شواه"، التي تعني الحرق، كما تُستخدم أحياناً كلمة "حُربان" وتعني الهدم أو الدمار، وكانت تُستخدم للإشارة إلى "هدم الهيكل". وهكذا، فإن اختيار المصطلحات في حد ذاته -سواء في الإنجليزية أو العبرية- لوصف حادثة تاريخية محددة هي القضاء على جزء من يهود أوروبا، يخلع على هذه الحادثة صفة القداسة وينزعها من سياقها التاريخي والحضاري المتعين.

إلا إن نفس المفارقة التي ينطوي عليها توظيف الحادثة التاريخية تنطبق بالمثل على كلمة "هولوكوست" ذاتها. فقد أصبحت الكلمة تُستخدم حالياً للإشارة إلى معان شتى تبتعد تماماً عن المعنى الأصلي. فعلى سبيل المثال، يشير بعض الصهاينة إلى ظاهرة الزواج المختلط بين اليهود وغير اليهود بأنه "الهولوكوست الصامت" Silent Holocaust, ووصف إسحق رابين فيلم "قائمة شندلر" بأنه "ليس هولوكوستياً بما فيه الكفاية".

ونتيجةً لهذا التوظيف المستمر والممجوج لكلمة الهولوكوست لخدمة الأغراض السياسية والمصالح الاقتصادية، راح بعض المنتقدين، من أمثال نورمان فنكلشتاين، يعبرون عن احتجاجهم على عملية التوظيف هذه، وينحتون مصطلحات مثل "هولوكيتش" Holokitsch و"هولوكاش" Holocash (ويشيران إلى الكتب والأفلام التي تُنتج عن موضوع الهولوكوست بغرض وحيد هو تحقيق الربح)، أو "هولوكوست مانيا" Holocaust Mania (وتعني الانشغال المرضي أو الجنوني بالإبادة).

ويُعد كتاب نورمان فنكلشتاين صناعة الهولوكست: تأملات في استغلال المعاناة اليهودية، بمثابة احتجاج موثق بالأدلة والبراهين على توظيف موضوع الهولوكوست وتحويله إلى صناعة ترمي إلى خدمة المصالح السياسية للنخبة من اليهود الأميركيين، والتي تتوافق مع مصالح السياسة الخارجية للحكومة الأميركية.

ويميز فنكلشتاين بدايةً بين "الإبادة النازية لليهود"، باعتبارها حادثةً تاريخية، و"الهولوكوست"، أي التعبير الأيديولوجي عن هذه الحادثة، مشيراً إلى أن الهولوكوست قد تحول إلى شيء لا مثيل له في التاريخ الإنساني، إذ إن "تفرده مطلقٌ تماماً"، ومن ثم "لا يمكن فهمه بشكل عقلاني".

وهذا ما أسميه "الأيقنة"، أي تجريد ظاهرة إنسانية من طبيعتها التاريخية الزمنية، وتقديمها باعتبارها شيئاً فذاً متفرداً لا يمكن فهمه أو تفسيره من خارجه، شأنه شأن الأيقونة، وهو مرجعية ذاته ولا يمكن مناقشته إلا من خلال مصطلحات ممعنة في الغيبية والغموض، هذا إذا تمت مناقشته أصلاً. وبهذه الطريقة يتم التحول من الزمني التاريخي إلى اللازمني الكوني.


مع نمو صناعة الهولوكوست، أخذ المنتفعون من هذه الصناعة يتلاعبون في أرقام الناجين، وذلك بغرض المطالبة بمزيد من التعويضات، وبدأ الكثيرون يتقمصون دور الضحية
ويتتبع فنكلشتاين المنطق الذي يشكل أساس صناعة الهولوكوست، فيرى أنه "إذا كان الهولوكوست حدثاً لم يسبق له مثيل في التاريخ، فلابد أنه يقف خارج التاريخ، ومن ثم لا يمكن فهمه بالمنطق التاريخي". ولما كان نفي القداسة عن الأحداث التاريخية هو بمثابة كُفر بيِّن من وجهة نظر المؤمنين الأتقياء فإن "محاولة فهم واقعة الهولوكوست بشكل عقلاني تُعد -طبقاً لوجهة النظر هذه- بمثابة إنكار لهذه الواقعة، لأن العقلانية تنكر الطابع المتفرد والغامض للهولوكوست".

ويلاحظ فنكلشتاين أنه مع نمو صناعة الهولوكوست، أخذ المنتفعون من هذه الصناعة يتلاعبون في أرقام الناجين، وذلك بغرض المطالبة بمزيد من التعويضات، وبدأ الكثيرون يتقمصون دور الضحية. ويعلق على ذلك ساخراً "لا أبالغ إذا قلت أن واحداً من كل ثلاثة يهود ممن تراهم في شوارع نيويورك سيدعي بأنه من الناجين.

فمنذ عام 1993، ادعى القائمون على هذه "الصناعة" أن 10 آلاف ممن نجوا من الهولوكوست يموتون كل شهر، وهو أمر مستحيل كما يبدو، لأنه يعني أن هناك ثمانية ملايين شخص نجوا من الهولوكوست في عام 1945 وظلوا على قيد الحياة، بينما تؤكد الوثائق أن كل اليهود الذين كانوا يعيشون على الأراضي الأوروبية التي احتلها النازيون عند نشوب الحرب لا يزيد عن سبعة ملايين فقط".

ولكن وفقاً للحسابات الرياضية البسيطة، كما يقول فنكلشتاين، يتبين أن هذا التلاعب يؤدي في واقع الأمر إلى تقليل عدد الضحايا الذين يُقال إنهم أُبيدوا، وهكذا ينتهي الأمر برقم الستة ملايين إلى أن يصبح من الصعب التمسك به أو الدفاع عنه. ويعلِّق فنكلشتاين على هذا الأمر ساخراً فيقول إن القائمين على صناعة الهولوكوست يتحولون تدريجياً إلى منكرين للإبادة.

ولا يقف الأمر عند حدود التلاعب بالأرقام بل يتجاوز ذلك إلى التلاعب بالحقائق نفسها. فيلاحظ فنكلشتاين أن "متحف إحياء ذكرى الإبادة النازية" في واشنطن، على سبيل المثال، "يتغاضى عن أثر السياسة التمييزية التي اتبعتها الولايات المتحدة بتحديد أعداد المهاجرين اليهود إليها قبل الحرب، بينما يبالغ في دور الولايات المتحدة في تحرير معسكرات الاعتقال النازية، ولا ينبس ببنت شفة عن إقدام الولايات المتحدة على تجنيد أعداد كبيرة من مجرمي الحرب النازيين في نهاية الحرب".

كما يشير فنكلشتاين إلى أن المتحف يمر مرور الكرام على موضوع المذابح الجماعية التي ارتكبها النظام النازي في حق الغجر والسلافيين والمعاقين فضلاً عن المعارضين السياسيين. ويخصص الكاتب جزءاً كبيراً من كتابه لمسألة الأموال المجمدة من الحقبة النازية في المصارف السويسرية، ويتساءل عن الأموال المماثلة في المصارف الأميركية، والتي لا يشير إليها أحدٌ من قريب أو بعيد.

وقد يتساءل المرء -على ضوء الشواهد المتوفرة- عما إذا كانت الولايات المتحدة تستخدم المنظمات اليهودية، من خلال مسألة الأموال المجمدة في المصارف الأوروبية، من أجل زيادة الضغوط على البلدان الأوروبية لإجبارها على الوقوف إلى جانب الدولة الصهيونية.

ويحاول فنكلشتاين أن يخرج بقضية "الهولوكوست" من نطاق المقدس إلى نطاق التاريخ، بأن يضعها في سياق محدد هو الصراع العربي الإسرائيلي. فيبين مثلاً أن "كل الأدلة تقريباً تؤكد أن موضوع الإبادة النازية لليهود لم يصبح أمراً راسخاً في حياة اليهود الأميركيين إلا بعد اندلاع هذا الصراع (حرب يونيو/حزيران 1967 بين العرب وإسرائيل)".

أما قبل عام 1967، فكانت المؤسسات اليهودية تميل إلى التقليل من شأن الإبادة النازية ليهود أوروبا، وذلك تمشياً مع الأولويات السياسية للحكومة الأميركية في فترة الحرب الباردة، والتي كانت تتطلب تأييد فكرة إعادة تسليح ألمانيا بل وتجنيد أعداد كبيرة من الجنود السابقين في "قوات الأمن الخاصة" للنظام النازي.


تفرد المعاناة التي كابدها اليهود تضاعف من الادعاءات الأخلاقية والعاطفية القائلة إن بوسع إسرائيل أن تفعل الشيء نفسه مع شعوب أخرى"
إلا إن هذا الوضع أخذ في التغير منذ منتصف الستينيات، كما يبين فنكلشتاين. فعناصر مثل تصاعد السياسات القائمة على الهوية أو الانتماء العِرقي، من ناحية، وسيادة المناخ المتمثل في احتكار دور الضحية، من ناحية أخرى، فضلاً عن تزايد معدلات اندماج اليهود في المجتمع الأميركي وتحولهم التدريجي من مواقف اليسار ويسار الوسط إلى اليمين، ساعدت كلها على بروز مسألة الإبادة النازية لليهود باعتبارها مصدراً لتدعيم الإحساس بالهوية العِرقية اليهودية، التي تضع اليهود في منزلة مختلفة عن الجماعات العِرقية والدينية الأخرى باعتبارهم شعباً مختاراً، وإن كان الاختيار هنا في إطار علماني.

ويرى فنكلشتاين أن انضواء الدولة الصهيونية بشكل كامل في فلك الترتيبات الأمنية الدولية للولايات المتحدة، و"التحالف الإستراتيجي" بين الولايات المتحدة وإسرائيل، يمثل عاملاً حاسماً. ويمكنني أن أضيف هنا أيضاً أن تزايد التنافس بين الدول الأوروبية والولايات المتحدة قد وضع حداً لكل الموانع والمحاذير المتعلقة بتوظيف حادثة الإبادة النازية واستغلالها.

فهذه الحادثة -كما سبقت الإشارة- يمكن أن تُستخدم كهراوة لابتزاز بعض الدول الأوروبية لإرغامها على مساندة إسرائيل. كما يمكن استخدامها لتسويغ الممارسات الإسرائيلية إزاء الفلسطينيين. وفي هذا الصدد، يستشهد فنكلشتاين بكلمات بيتر بالدوين التي يقول فيها إن "تفرد المعاناة التي كابدها اليهود تضاعف من الادعاءات الأخلاقية والعاطفية القائلة إن بوسع إسرائيل أن تفعل الشيء نفسه مع شعوب أخرى". والله أعلم.
ــــــــــــــــــ
مفكر مصري

المصدر : غير معروف