بقلم / محمد بن المختار الشنقيطي*

- من مقارعة الخمر إلى الأصولية المسيحية
- مكانة بوش على الخريطة الدينية الأميركية
- جدلية الدين والسياسة في تفكير الرئيس بوش
- هل تديّن بوش مصدر قوة أم مصدر ضعف؟
- اعتراضات من داخل المؤسسة المسيحية
- امتزاج المشاعر الدينية بمطامح السلطة والثروة

كثرت الكتابة في الصحافة الأميركية هذه الأيام عن الخلفية الدينية المؤطرة لتفكير الرئيس بوش. فقد أعدت مجلة "نيوزويك" الأميركية ملفا في عددها الأخير (10/03/2003) عن الاعتقادات الدينية التي تدفع جورج بوش إلى سلوكه السياسي والعسكري الحالي. وكيف ركب بوش موجة الأصولية البروتستانتية الصاعدة، وهو أحد أبنائها، ليقود أميركا في مغامرات يطغى فيها الحماس الديني على البصيرة السياسية.

يتألف الملف من ثلاث مقالات، إحداها –وهي الأطول والأعمق– بعنوان "بوش والرب" بقلم "هاوارد فاينمان" أحد كتاب المجلة، والثانية بعنوان "خطيئة التكبر" بقلم البروفيسور "مارتن مارتي" وهو قسيس وأستاذ بجامعة شيكاغو ترأس "الجمعية التاريخية الكاثوليكية" في أميركا سابقا، أما المقالة الثالثة فهي بعنوان "البيت الأبيض: إنجيل على نهر البوتوماك" وهي بقلم "كينيث وودوارد" من كتاب نيوزويك. كما نشرت صحيفة واشنطن بوست عن الموضوع من قبل مقالا بعنوان "بالنسبة لبوش.. إنه الإحساس بالتاريخ والمصير" يوم 09/03/2003 وآخر بعنوان "عن الرب والإنسان في المكتب البيضاوي" بقلم القسيس "فريتس ريتسش" يوم 02/03/2003 وهو مقال تحليلي عميق تناول المنطق الداخلي لفلسفة بوش الدينية وآثارها السلبية على أميركا بلدا وعلىالمسيحية دينا.

وإذا كان العديد من الأميركيين بدؤوا يدركون المخاطر المترتبة على سياسات الرئيس بوش التي تأطرها رؤية دينية متحمسة، دون اعتبار للمصالح البعيدة المدى للأمة الأميركية، أولمطالب الضمائر الإنسانية في كل مكان، فإن الإنسان العربي والمسلم أولى بالاطلاع على خلفيات هذه السياسات التي تُرسم بدمه، وعلى وجه صحرائه النقي.

من مقارعة الخمر إلى الأصولية المسيحية


الرجل الذي الذي أثر في حياة بوش الدينية هو القسيس "بيل غراهام" الذي قال عنه بوش "إنه الرجل الذي قادني إلى الرب". و"غراهام" هو أبرز وجوه اليمين المسيحي الصهيوني في أميركا.. وقد سمع العرب والمسلمون عن "غراهام" وابنه "فرانكلين" بسبب تهجماتهما على الإسلام ووصفه بشتى الأوصاف المشينة

ولد جورج دبليو بوش لأبوين متدينين هما جورج بوش الأب وباربارا بوش في ولاية كونيتيكت الأميركية عام 1946، وانتقل به أبواه وهو صبي إلى ولاية تكساس التي أصبحت موطنه ومكان صعود نجمه السياسي. لكن بوش الشاب لم يسر في البداية على خطى أبويه المتدينيْن، بل كان مدمنا على الخمر حتى سبب أكثر من إزعاج لزوجته "لورا" التي كانت صاحبة الفضل في إقناعه بالكف عن الشراب، والأخذ بيده إلى الكنيسة التي اعتادت الذهاب إليها.
لكن الرجل الذي أثر في حياة جورج بوش الدينية ونقله نقلة جذرية من حياة الإدمان إلى حياة الأصولية المسيحية هو القسيس "بيلي غراهام", وقد أثنى بوش على شيخه "غراهام" مرة فقال "إنه الرجل الذي قادني إلى الرب".
وبيل غراهام -لمن لا يعرفه- هو أبرز وجوه اليمين المسيحي الصهيوني في الولايات المتحدة اليوم. وكان ابنه "فرانكلين" هو الذي قدم الصلوات في تدشين رئاسة جورج بوش.
وقد سمع العرب والمسلمون عبر العالم الكثير عن "غراهام" وعن ابنه "فرانكلين" السنة الفارطة بسبب تهجماتهما على الدين الإسلامي، ووصفه بشتى الأوصاف المشينة.
وقد ذكر بوش في حملة الانتخابات الرئاسية الماضية أنه يبدأ حياته كل يوم بقراءة في الإنجيل، أو على الأصح في "الكتاب المقدس" الذي يشمل الإنجيل والتوراة العبرانية. ومن كتبه المفضلة التي يقرؤها يوميا في البيت الأبيض –طبقا لنيوزويك– كتاب للقسيس "أوزوالد شامبرز" الذي مات في مصر عام 1917 وهو يعظ الجنود البريطانيين والأستراليين هناك بالزحف على القدس وانتزاعها من المسلمين.

لكن ما يهمنا هنا أكثر هو التعبير السياسي لهذه الخلفية الدينية. وفي هذا السياق تحسن الإشارة إلى أن امتزاج الدين والسياسة في شخصية الرئيس بوش لم يسفر عن وجهه إلا في العام 1988، حينما بدأ بوش المشاركة في حملة أبيه الانتخابية الرئاسية، وقد أوكل إليه أبوه تولي ملف العلاقات بالقسس والوعاظ المسيحيين وتعبئتهم للتوصيت له. فكانت هذه أول مرة اكتشف فيها بوش الشاب القوة الدينية اليمينية الصاعدة، خصوصا في الجنوب الأمريكي. وكانت فراسة بوش في أولئك اليمينيين المسيحيين فراسة صائبة، فقد سيطرت تلك المجموعات فيما بعد على الحزب الجمهوري، وتحولت إلى قوة سياسية ضاربة، استفاد منها بوش في تقلد منصب حاكم ولاية تكساس، ثم في انتخابه رئيسا فيما بعد.

وتتسم الخريطة الدينية للولايات المتحدة بشيء من التعقيد، فلا يمكن رسم حدودها واضحة وبيان مكانة بوش فيها بشكل مفصل في هذا المقال، لكن يمكن القول إجمالا إن أنصار بوش هم في الغالب الأعم من البيض البروتستنت، وممن ينتمون للكنيسة المعمدانيةBabtist أو الكنيسة المنهجية Methodist التي ينتمي إليها بوش، أما الكنيسة الكاثوليكية التي يقدر أتباعها بحوالي 60 مليون شخصا، فلا تربطها علاقة ود بالرئيس بوش، لأسباب سياسية ودينية وتاريخية كثيرة. لكن أغلب اليهود الأمريكيين بمختلف طوائفهم المتدينة والليبرالية يؤيدونه بقوة في سياساته في فلسطين وفي العراق، بل يمكن القول بدون مبالغة إنهم صاغة تلك السياسة ومخططوها.


ذكر بوش في حملة الانتخابات الرئاسية الماضية أنه يبدأ حياته كل يوم بقراءة الكتاب المقدس الذي يشمل الإنجيل والتوراة العبرانية. ومن كتبه المفضلة التي يقرؤها يوميا في البيت الأبيض كتاب للقسيس "أوزوالد شامبرز" الذي مات في مصر عام 1917 وهو يعظ الجنود البريطانيين والأستراليين للزحف إلى القدس وانتزاعها من المسلمين
وقد تحدث كثيرون عن مجموعة "ريتشارد بيرل" وزملائه في "معهد الاسراتيجيات المتقدمة والدراسات السياسية" الذين هم أصل فكرة غزو العراق. فقد أعد ريتشارد بيرل منذ أعوام ضمن فريق ترأسه من مثقفي اليهود الأمريكيين دراسة عن "الاستراتيجية الإسرائيلية إلى العام 2000" قدموها إلى بنيامين نتنياهو فور نجاحه في الانتخابات الإسرائيلية، ودعوا فيها إلى دفع أمريكا إلى غزو العراق باعتبار ذلك جزءا محوريا من الاستراتيجية الإسرائيلية لاستمرار التفوق العسكري والاستراتيجي في الأمد المنظور. كما دعوا إلى انتهاج سياسة هجومية عدائية ضد الفلسطينيين، والتخلي عن فكرة "السلام الشامل" لصالح فكرة "السلام القائم على ميزان القوى". وقد رأينا كيف بدأت هذه الاستراتيجية في التعاطي مع الفلسطينيين، والآن يبدو أن البند المتعلق بالعراق من تلك الوثيقة قد أوشك على دخول حيز التطبيق.

وقد ورد في سيرة حياة ريتشارد بيرل الذي ترأس فريق الدراسة آنذاك، أنه عمل عضوا في مجلس إدارة "المعهد اليهودي لدراسات الأمن القومي" ومديرا لصحيفة "الجروسالم بوست" الإسرائيلية. لكن الأهم والأغرب أنه اليوم يترأس "مجلس سياسات الدفاع" في الولايات المتحدة، ويعمل مستشارا لوزير الدفاع دونالد رامسفيلد، مع العديد من اليهود الأمريكيين المحيطين بوزير الدفاع الأمريكي، وليس أقلهم شأنا نائب الوزير "بول ولفويتز".

وقد قدمت قناة "سي أن أن" منذ أيام ريتشارد بيرل في مقابلة معه، على أنه "الرجل الذي ينظر إليه باعتباره صاحب فكرة غزو العراق".. ولا يترك "أفرايم كام" الباحث في "مركز جافي للدراسات الاستراتيجية" بجامعة تل أبيب شكا في أن إسرائيل هي صاحبة المصلحة الأولى والأخيرة في غزو العراق، وذلك في دراسة له منشورة الشهر المنصرم بعنوان: "صبيحة ما بعد صدام".

لكن ما هي علاقة كل ذلك بتدين جورج بوش؟ الحق أن العلاقة وطيدة، لأن اليمين المسيحي الذي ينتمي إليه جورج بوش يؤمن بأن إسرائيل مشروع إلهي، ومحطة تاريخية لازمة لعودة المسيح. وكل رجال الدين الأقوياء الذين يقفون وراء بوش ويمثلون القاعدة الانتخابية للحزب الجمهوي معروفون بولائهم لإسرائيل في عقائدهم ومشاعرهم. وهذا المعتقد الديني الراسخ هو الذي يجعل رجلا مثل بوش يتبنى الخطة الإسرائيلية لغزو العراق، حتى ولو عنى ذلك إشعال الحرب مع العالم الإسلامي وانهيار العلاقات التاريخية بأوربا.

جدلية الدين والسياسة في تفكير الرئيس بوش

وقد لاحظ كثيرون أثر الدين في رؤية بوش السياسية، بشكل غير معهود في الحياة الأمريكية: فهو يميل إلى التفسير الديني للأحداث السياسية الحالية، وقد قال في حديث للمذيعين الدينيين مؤخرا :"إن الإرهابيين يمقتوننا، لأننا نعبد الرب بالطريقة التي نراها مناسبة". كما يكثر في أحاديثه وخطاباته إيراد المصطلحات الدينية. فهو كثير الحديث عن "الرب" وعن "الصراع بين الخير والشر". وما مصطلح "محور الشر" إلا مثالا واحدا على ذلك.

وقد لاحظ أحد الكتاب أن بوش يفضل استخدام مصطلح "الحرية" على مصطلح "الديمقراطية"، وأن الحرية في عرف بوش ذات مدلول ديني، فهي ليست حرية الخيار السياسي بالضرورة، بل "حرية اكتشاف الرب" بكل المدلول المسيحي التبشيري لذلك. وذكرت مجلة نيوزويك أن أنصار بوش من الإنجيليين يأملون أن تكون الحرب القادمة على العراق فاتحة لنشر المسيحية في بغداد (نيوزويك 10/03/2003) كما يشير موقع القس بيلي غراهام على الإنترنت – وهو الأب الروحي للرئيس بوش- إلى "الجوع الروحي في العراق في الوقت الحاضر"، ولذلك مدلوله الخاص في السياق الحالي.

ويميل الرئيس بوش إلى اعتماد البرامج الاقتصادية والاجتماعية، التي ترسخ الدين المسيحي في المجتمع الأمريكي وفي العالم. ومن أمثلة ذلك داخليا تخصيصه بندا من الميزانية لتمويل المؤسسات التربوية والاجتماعية الدينية، من كنائس ومدارس دينية وغيرها، وهي سابقة في تاريخ الولايات المتحدة، اعتبرها كثيرون بداية النهاية للموقف الحيادي من الدين الذي يلزم الدستور الأمريكي الحكومة به. أما خارجيا فمن أمثلة ذلك تخصيص بوش 15 مليار دولارا لمكافحة الأيدز في إفريقيا، وهو برنامج يحمل مضمونا تبشيريا أيضا، فقد ورد في النيوزويك أن حلفاء بوش من الحركة الإنجيلية يطمحون إلى استعمال تلك الأموال في نشر المسيحية في إفريقيا.

ويشير الكاتب الصحفي بوب وودوارد في كتابه الجديد: "بوش في الحرب" Bush at War إلى قصة طريفة تكشف عن جانب من جدلية الدين والسياسة في تفكير الرئيس بوش. فقد حكى بوش للكاتب في إحدى مقابلاته معه أثناء إعداد الكتاب قصة لقائه الأول مع الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" يوم 19/06/2001. يقول بوش:"دخل الرئيس بوتين وجلس ... وحضر المترجمان.. وأراد بوتين أن يبدأ الكلام، لكني بادرته بالقول: السيد الرئيس.. دعني أبدأ بالإشارة إلى أمر لفت انتباهي، وهو أن والدتك أعطتك صليبا، وأنكم باركتم ذلك الصليب في إسرائيل الأرض المقدسة. فقال: صحيح. فقلت: إن هذا الأمر يثير عجبي، لأنك كنت شيوعيا وضابطا في (الكي جي بي) ومع ذلك كنتَ راغبا في حمل الصليب، إن هذا الأمر بالنسبة لي يحمل من المعنى أكثر مما تحمله مجلدات". ثم يضيف الرئيس بوش: "..وبدأ بوتين يتحدث عن ديون روسيا... لكني كنت مهتما أكثر بمعرفة هذا الرجل [بوتين] الذي علي أن أتعامل معه، ولهذا أردت التأكد من صحة قصة الصليب" (بوش في الحرب ص 119-120).

هل تديّن بوش مصدر قوة أم مصدر ضعف؟

لكن هذا الحماس الديني الذي هو مصدر قوة الرئيس بوش وطاقته، هو أيضا مصدر ضعفه وسوء تقديره للأمور. وليس هذا رأي أعداء الرئيس بوش ومنتقديه فحسب، بل هو قول مساعديه ومقربيه كذلك. وقد ذكرت مجلة "نيوزويك" أن مستشاري الرئيس بوش يدركون أن "العديد من الأمريكيين – وكثيرين عبر العالم - يعتبرونه رجلا أعمته معتقداته .. عن فهم تعقيدات العالم المحيط به كما هي". ولاينكر مساعدو بوش هذه التهمة، بحسب المجلة، التي تضيف: "يقول مساعدو بوش إن معتقداته المسيحية المتأججة تحت السطح تمنحه قوة وعزما، لكنها لا تعينه على فهم السياسات اللازم اتباعها" (نيوزويك 10/03/2003).

لقد عميَ بوش عن رؤية الآثار السلبية التي قد تنتج عن حربه ضد العراق، ومنها: سقوط عدد وافر من المدنيين العراقيين والعسكريين الأمريكيين في القتال، ومزيد من الهجمات داخل أمريكا، وحدوث أزمة نفطية عالمية، وتعميق الجفوة بين العالم الإسلامي وأمريكا، واحتمال انهيار بعض الحكومات الموالية لواشنطن، وعزلة الولايات المتحدة في العالم، وبث الكراهية لها في أركان الأرض..الخ وبدلا من الرد على هذه الاعتبارات العملية بحجج عملية مناقضة، فإن جورج بوش، يصوغ خطابه بلغة المطلقات: صراع بين الخير (أمريكا) والشر (العرب والمسلمون) ورسالة أمريكا التاريخية لنشر الحرية، منحة الرب المقدسة لكل البشر.. وهو خطاب يجذب اليمين المسيحي، ويرضي اليمين اليهودي، ولا يهم ما يحدث بعد ذلك.

ولا بد أن خطاب الرئيس بوش يذكر بخطاب المستعمرين في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وحديثهم عن "مسؤولية الرجل الابيض" و"الهم الذي يحمله بين جنبيه" و"العبء الملقى على عاتقه" لنشر الحضارة، وتمدين الشعوب المتوحشة!!
ويأخذ البعض على بوش النظرة الجبرية التي تسم رؤيته الشخصية والسياسية، إذ تشير الكاتبة "دانا ميلبانك" إلى أن الحرب على العراق "يراها كثيرون مغامرة، لكن بوش يعتبرها حتمية تاريخية" وتضيف الكاتبة: "إن هذه الثقة رغم المخاطر ورغم قوة المعارضة [للحرب] تكشف الكثير عن شخصية بوش ورؤيته للعالم.

ويقول المقربون منه إن هجمات 11 سبتمبر لم تعطه معنى لرئاسته فقط، بل منحته مهمة ورسالة في الحياة. فبوش يعتبر قيادته لأمريكا بعد 11 سبتمبر أمرا إلهيا واختيارا ربانيا" (الواشنطن بوست 09/03/2003). وربما كانت هذه الجبرية الدينية هي مصدر ما وصفته الكاتبة بـ"التفاؤل الساذج" الذي يطبع خطاب بوش وقراراته، حتى أن أصدقاءه يأخذون عليه ذلك.

أما اتهام الرئيس بوش بالغباء وانعدام البصيرة فقد أصبح اتهاما كلاسيكيا، تواترت عليه آراء العديد من الناس من مذاهب ومشارب شتى: من رئيس جنوب إفريقيا السابق نلسون مانديلا إلى الكاتب الأمريكي "مايكل مور" مؤلف كتاب "رجال بيض أغبياء".

اعتراضات من داخل المؤسسة المسيحية


ريتشارد بيرل هو أصل فكرة غزو العراق إذ ضمّنها دراسة أعدها منذ أعوام ضمن فريق ترأسه من مثقفي اليهود الأميركيين عن الإستراتيجية الإسرائيلية. وعمل بيرل من قبل عضوا في مجلس إدارة "المعهد اليهودي لدراسات الأمن القومي" ومديرا لصحيفة "جيروزالم بوست". لكن الأغرب أنه اليوم يترأس "مجلس سياسات الدفاع" في الولايات المتحدة، ويعمل مستشارا لوزير الدفاع دونالد رمسفيلد مع العديد من اليهود الأميركيين، وليس أقلهم شأنا نائب الوزير "بول ولفويتز"

ولعل أعمق تحليل ونقض لفلسلفة بوش وحماسه الديني الذي يطغى على حكمته السياسية، هو ما كتبه القس "فريتس ريتسش" في مقاله في الواشنطون بوست "عن الرب والإنسان في المكتب البيضاوي" فقد تتبع القس فريتس المصطلحات الدينية في خطاب جورج بوش، والنزعة الوثوقية في أحاديثه بأن الرب إلى جنبه دوما. مثل قول بوش: "إن الحرية والخوف، العدل والفظاعة، ظلا دوما في صراع، ونحن نعرف أن الرب ليس حياديا في هذا الصراع". ومن ذلك تكراره الدائم أن أمريكا "أمة مؤمنة وخيِّرة ومثالية"، وأحيانا "أمة رحيمة وسخية". وبالطبع فإن أطفال العراق وفلسطين يعرفون عن تلك الرحمة وذلك السخاء أكثر من غيرهم!!

ويعلق القس فريتس داعيا إلى قدر أكبر من التواضع وقدر أقل من التبجح، فيقول: "إن أغلب المصلين الذين يحضرون إلى كنيستي الصغيرة لا يعتبرون أنفسهم ، ولا يعتبرون الأمة الأمريكية، مجموعة من القديسين"، وهم "ليسوا مستيقنين من الورع الأمريكي" الذي يتحدث عنه جورج بوش. وهم "يرون أن انتصارنا على صدام حسين ليس دليلا كافيا على فضيلتنا أمام الناس ولا أمام الله، وهو لا يبدو حتى دليلا كافيا على انتصارنا علىالإرهاب".

"إن تقديم جورج بوش تبريرات دينية لحربه على العراق لأمر مقلق بل مرعب للكثيرين" حسب تعبير القس فريتس. وهو بدون نزاع أكثر جرأة من أي رئيس سبقه في هذا المضمار، باتفاق الجميع.

ثم يقدم القس فريتس خلفية تاريخية لما يبدو حماسا دينيا متأججا لدى الرئيس بوش، فيجد جذوره في تراث المستوطنين الأوربيين الأوائل في القارة الأمريكية الذين كانوا "متدينين لحد التعصب، يؤمنون بأن أمريكا هي صهيون الجديدة، والأرض الموعودة. والأمريكيون اليوم هم ورثة أولئك روحيا". وهو يشير إلى أن الآمريكيين الحاليين مثل أجدادهم السابقين "يؤمنون بأنهم محط عناية إلهية وقدر إلهي محتوم".لكن اليمين المسيحي الذي ينتمي إليه جورج بوش صاغ هذه الأفكار الثيولوجية صياغة سياسية عملية.

إن ما كان يطمح إليه أنصار اليمين المسيحي الأمريكي على الدوام – بحسب القس فريتس – هو "قائد على منوال شخصية داود الإنجيلية، يوحد مطامحهم السياسية مع رؤاهم الدينية. وكل المؤشرات تدل على إيمانهم بأنهم وجدوا هذا القائد اليوم في شخص الرئيس بوش، كما تدل أن الرئيس نفسه يؤمن بذلك" حسب تعبيره.

لكن ما يقلق القس فريتس وأمثاله هو أن هذه الظاهرة تقلب العلاقة التقليدية بين الكنيسة والدولة في التاريخ الأمريكي رأسا على عقب، وتجعل رجل الدين في خدمة رجل الدولة، بكل ما يعنيه ذلك من استغلال المسيحية في تبرير الغزو والاستعمار، وإشعال الحروب مع ديانات أخرى وخصوصا الإسلام. فالعلاقة بين الرئيس بوش والقاعدة الدينية اليمينية التي حملته إلى الرئاسة ليست علاقة صحية، ذلك أن "أنصار بوش المتدينين يتصدرون المصفقين له. وبدلا من أن يقدموا له الهداية الأخلاقية فإنهم يرضون بأن يكونوا تلاميذ ومريدين له" حسب تعبيره. ويقصد القس فريتس بذلك قادة اليمين المسيحي من أمثال بيلي غراهام وابنه فرانكلين، وجيري فالويل، وبات روبرتسون، وغيرهم .. وكلهم معروف بصداقته الحميمة للرئيس بوش ودعمه المطلق له، وكلهم معروف بعدائه السافر للمسلمين، وهجومه على الإسلام ومقدساته، وبإيمانه الراسخ بالدولة اليهودية.

بالنسبة للقس فريتس فإن بوش ومَن وراءه من الأصوليين المسيحيين واليهود في أمريكا يمثلون فلسفة دينية أساها العنف والكراهية والتكبر، في وقت تحتاج فيه البشرية إلى التواضع والإنصاف واعتماد النسبية في تقويم الأفراد والأمم، فلا يوجد بين البشر من هو شرير بشكل مطلق ولا مَن هو خيِّر بشكل مطلق، ولا يوجد في البشرية "محور شر" ومحور خير" كما يريد بوش أن يقنعنا بذلك اليوم.
ويعترف القس فريتس بحقيقة تأثير الدين في السياسة الأمريكية اليوم أكثر من أي وقت مضى، فيقول: "لم يحدث في التاريخ أن كانت أمريكا مسيحية سياسيا وبشكل علني مثل ما هي اليوم" لكنه يحذر بأن "اقتناعنا بأن الرب إلى جانبنا، يجعل الحاجة إلى مراجعة الذات وإلى التواضع أقل".

ويختم القس فريتس مقاله العميق بدعوة رجال الدين المسيحيين إلى بث رسالة التواضع والإنصاف، ويحذر قائلا: "إن التكبر الأمريكي في العصر النووي، ليس انحرافا أخلاقيا فقط، بل هو يحمل بين جنبيه أيضا بذور الكارثة ".

امتزاج المشاعر الدينية بمطامح السلطة والثروة

ويبقى تحفظ لا بد منه، فالرئيس بوش ليس الإنسان ذا البعد الواحد، الذي يمكن تفسير شخصيته تفسيرا آحاديا. والحقيقة أن شخصية الرئيس بوش شخصية مركبة من الحماس الديني والمنفعية السياسية والمالية. فهو متدين يميني عن صدق، لكنه سياسي طموح، وهو أيضا "رجل نفطي" كما وصفه أحد الكتاب الفرنسيين. وربما تصدق هذه الازدواجية على العديد من المحيطين به: فقد ذكرت مجلة "نيوزويك" أن زوجة "أندرو كارد" مدير مكتب بوش قسيسة، وأن والد مستشارته للأمن القومي "كونداليزا رايس" عمل واعظا في إحدىكنائس ولاية "آلاباما" (نيوزويك 10/03/2003) ومن المعروف أن "كونداليزا" كانت تاجرة نفط ناجحة قبل تقلد منصبها، ومثلها نائب الرئيس "ديك تشيني" وآخرون.

لقد امتزجت المشاعر المسيحية المتأججة مع ألق الذهب الأصفر في نشأة الدولة الأمريكية، واندفع المهاجرون البيض من شاطئ المحيط الأطلسي إلى شاطئ المحيط الهادئ، وأبادوا حوالي 100 مليون من الهنود الحمر لما وقفوا في وجه تلك الاندفاعة. ويبدو أن التاريخ يعيد نفسه اليوم: كل ما تغير هو أن الذهب الأسود حل محل الذهب الأصفر، وأصبحت الاندفاعة إلى الغرب القريب (كاليفورنيا) اندفاعة إلى الشرق البعيد (الخليج العربي). وقد اعتاد المهاجرون البيض إلى أمريكا رشوة قادة قبائل الهنود الحمر بقطع من الزجاج الملون أو حفنة من السكر الأبيض مقابل أراضي تلك القبائل وما فيها وما عليها ومن عليها.. وقد برهن قادة الدول - وإن شئت القبائل - العربية الحالية أنهم أهل لهذه الصفقة من جديد. فهل يلام الرئيس بوش أن يسعى إلى تحقيق أحلامه الدينية ومطامحه الشخصية في أرض يوجد بها من يقبل هذه الصفقات؟!

يبقى الأمر أكثر تعقيدا مما يتصور الرئيس الأمريكي الذي غطى الحماس الديني على بصيرته السياسية، وأعماه عن الصراعات الدينية والسياسية القادمة التي سيفتح لها الباب بحربه على العراق، وبرجوعه إلى عصر الاستعمار المباشر بعد أن أصبح الضمير البشري يرفض هذا النمط من الاستعمار.

إن مما يبشر بالخير أنه لا يزال في أمريكا اليوم أصوات – مثل صوت القس فريتس - تدعو إلى التواضع والإصناف، وهي أصوات قد يكون لها شأن في المستقبل، لكن من المحزن أن هذه الأصوات لا تكاد تسمع الآن بسبب طبول الحرب و صخب الأصولية المسيحية وأختها اليهودية.

فهل ستنجح أصوات العقل والحكمة في أمريكا في الكفكفة من غلواء الحماس الديني لدى الرئيس بوش ورهطه؟ أم أن الدم القاني هو وحده الذي سيتكفل بذلك في النهاية؟

_______________
*كاتب موريتاني مقيم في الولايات المتحدة

المصدر : غير معروف