بقلم: المصطفى ولد سيدي محمد*

-اليورو وتأثيره على الأسواق المالية
-حظوظ اليورو في مزاحمة الدولار الأميركي
-العرب والتعامل مع اليورو.. المزايا والمخاطر
-اليورو بعد عام من التداول.. نجاح ولكن

بدأت دول المجموعة الأوروبية منذ نهاية الستينيات تسعى جاهدة للوصول لاتحاد اقتصادي ونقدي كامل. وقد اكتملت صورة هذا الحلم الأوروبي مع مطلع العام 2002 بطرح العملة الأوروبية الموحدة "اليورو" بديلا لعملات 12 دولة ضمن الاتحاد الأوروبي مشكلة بذلك ما أصبح يعرف بمنطقة "اليورو". وقد تناول عدد من الدراسات والندوات في السنوات الأخيرة مسألة اليورو بالتحليل والنقاش عن الدور الذي يمكن أن تلعبه هذه العملة بصفتها عملة دولية إلى جانب الدولار الأميركي وغيره.. وبعد ثلاث سنوات من إصدارها وسنة من تداولها وحدها، لا تزال تثير عددا من التساؤلات، منها على سبيل المثال: قدرتها على منافسة الدولار وحظوظ نجاحها كعملة دولية وتأثيرها على الاقتصادات الأخرى.

وسوف نحاول في هذا الإطار تقييم تجربة اليورو بعد مرور سنة على تداولها أولا، ثم نتطرق لفرص منافستها للدولار الأميركي قبل أن نتعرض لمصلحة الوطن العربي في التعامل مع اليورو.

اليورو وتأثيره على الأسواق المالية

إن قيام اليورو كعملة موحدة استغرق ثلاث سنوات امتدت من 1999 إلى 2002. وشهد مطلع العام 2002 إقرار اليورو كعملة موحدة ووحيدة في الدول الأوروبية الـ12 الداخلة في الاتحاد الاقتصادي والنقدي. ومع بداية طرح اليورو في الأسواق حدد سعر صرفه بالتكافؤ مع الدولار الأميركي تقريبا, إلا أنه في بضعة أسابيع بدأ يفقد قيمته، حيث وصل إلى أدنى مستوياته ببلوغه 0,82 مقابل الدولار في أكتوبر/ تشرين الأول 2000، أي ما يعادل قيمة أقل من قيمته عند الانطلاق بـ27%. وإن شهد تحسنا بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001، إلا أنه سرعان ما عاد إلى التقهقر أمام الدولار.

شعار اليورو
وبداية النصف الثاني من العام 2002 بدأت عافية اليورو جلية ولوحظ ذلك في تجاوز حاجز الدولار الأميركي في يوليو/ تموز الماضي. ومنذ ذلك الوقت ظل اليورو يتأرجح بين التعادل مع الدولار ارتفاعا وانخفاضا. ويرى بعض المحللين أن اليورو محدد بقيمة أقل من قيمته التي يجب أن يكون عليها، نظرا لاعتبارات اقتصادية في نفوس الأوروبيين مثل عدم إضعاف القدرة التنافسية للصادرات والتدرج في قيمتها.

وقد شهد المسرح العالمي أحداثا وتطورات هامة في الأعوام الأخيرة يتمثل أهمها في أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001 وبداية التعامل الفعلي بالعملة الأوروبية الموحدة. وقد ترتب عن هذه التطورات تغيير في خارطة توزيع الاستثمارات الدولية وتراجع حجم تدفق رؤوس الأموال. وإذا كانت الولايات المتحدة الأميركية أكثر متضرر مباشر من هذا التغيير فإن منطقة اليورو وبلدان جنوب شرق آسيا -وخاصة الصين- كانت من أكثر مناطق العالم استفادة وجذبا للاستثمارات الدولية.

وأظهرت إحصائيات البنك المركزي الأوروبي أن الاستثمارات المباشرة والاستثمارات في الحافظة أو الأوراق المالية في منطقة اليورو شهدت ارتفاعا ملحوظا في الأشهر الماضية من هذا العام، فعلى سبيل المثال ارتفع حجم الاستثمارات المباشرة في مايو/ أيار إلى 37,1 مليار دولار مقابل 19,3 مليار دولار في أبريل/ نيسان من هذا العام. كما تضاعفت الاستثمارات في الأوراق المالية بأكثر من الضعفين خلال الفترة نفسها، مما يعكس جذب منطقة اليورو للمستثمرين باعتبارها سوقا آمنا للاستثمارات، كما تشير هذه البيانات إلى تراجع الأموال المتجهة من منطقة اليورو إلى السوق الأميركي، فقد سجلت حركة رؤوس الأموال من هذه المنطقة إلى السوق الأميركي خلال الأشهر الستة الأولى من هذا العام تباطؤا ملحوظا.

إن تغير خارطة توزيع الاستثمارات الدولية وتراجع حجمها ستكون له انعكاسات مباشرة وغير مباشرة على الاقتصاد العالمي، إذ سوف تعزز مكانة اقتصادات في صدارة الاقتصاد العالمي وإضعاف مكانة اقتصادات أخرى. ويشير معظم الخبراء والاقتصاديين إلى أن استقطاب منطقة اليورو لجزء هام من الاستثمارات الدولية من شأنه أن يعزز سعر صرف اليورو مقابل الدولار الأميركي والعملات الأخرى. كما أن تعزيز الثقة في أسواق منطقة اليورو كمكان آمن للاستثمارات من شأنه تدعيم استخدام هذه العملة كعملة احتياط دولية، وهو ما يبدو جليا من خلال تنامي اهتمام البنوك المركزية بزيادة كميات اليورو في احتياطاتها من النقد الأجنبي.

حظوظ اليورو في مزاحمة الدولار الأميركي

إن قابلية اليورو ليكون عملة دولية قابلة لمنافسة الدولار الأميركي مسألة مصداقية أو ثقة هذه العملة لدى المستثمرين والوكلاء الاقتصاديين عموما. وإن كانت تجربة العام 2002 قد عكست قوة منطقة اليورو على كسب عدد من المستثمرين الدوليين فإن مصداقية اليورو ترتكز على جملة من المرتكزات أهمها:

  • مدى سلامة الأداء الاقتصادي الأوروبي في دول منطقة اليورو على المدى القصير والمتوسط.
  • تقليص معدلات البطالة وتحقيق العدالة الاجتماعية بين الدول المنتمية لهذه العملة وداخل البلد الواحد.
  • مقدرة البنك المركزي الأوروبي على إدارة السياسات النقدية للدول الأعضاء والعمل على الالتزام بالضوابط والمعايير المتفق عليها.
  • حسم التردد والشك في انضمام بريطانيا إلى هذه العملة بحكم وزنها الاقتصادي والسياسي ولأهمية سوق لندن المالية.
  • مدى نجاح سياسة التوسع في عضوية الاتحاد الاقتصادي والنقدي لتشمل دول شرق ووسط أوروبا.
  • بالإضافة إلى مدى استعداد الولايات المتحدة والهيئات المالية الدولية الكبرى في التعاون مع بلدان منطقة اليورو في مجال استقرار أسعار صرف الدولار واليورو.

ومن أجل أن يكون اليورو عملة أكثر تدويلا يجب أن يصبح ذا مكانة في التجارة الدولية والاحتياطات النقدية لدى البنوك المركزية العالمية. ومن أجل بلوغ هذه الغاية يرى الاقتصاديون أنه ينبغي تطوير الأسواق المالية لبلدان المنطقة وتعزيز سلامة السياسات النقدية والضريبية وكذلك تحقيق معدلات نمو اقتصادية تعكس ثقل الاقتصاد الذي يصدر هذه العملة ووزنه في التجارة الدولية والاحتياط النقدي العالمي.

و بصورة عامة فإن بلوغ اليورو درجة منافسة الدولار الأميركي بصورة جدية تقتضي توافر شرطين على الأقل:

  • أولهما: نجاعة السياسات النقدية والمالية والاقتصادية عموما المطبقة من طرف الدول الأعضاء في المنطقة.
  • وثانيهما: تطوير وتحديث الأسواق المالية الأوروبية حتى تكون أكثر جذبا لرؤوس الأموال الأجنبية وتوفر فرصا استثمارية أكثر مما هو متاح في السوق الأميركي.

إلا أنه نظرا للتجربة الفتية نسبيا للعملة الموحدة لا يتوقع في المنظور القريب -حتى ولو تحقق هذان الشرطان- أن يحل اليورو محل الدولار الأميركي في مكانته في المعاملات الدولية، إلا أنها ستصبح عندئذ أكثر تدويلا وتنافسية للدولار الأميركي أو أي عملة دولية أخرى (الين الياباني أو عملة آسيوية موحدة محتملة...).

ولعل الأهم بالنسبة للعملة الأوروبية الموحدة ليس فقط أن تكون قوية أو ضعيفة مقارنة بالدولار الأميركي، وإنما الأهم أن تكون أكثر مصداقية وأوسع استخداما داخل الاتحاد الأوروبي وخارجه.

إن تذبذب أسعار صرف اليورو مقابل الدولار الأميركي سوف يستمر لوقت من الزمن والأسواق المالية والتجارية والسلطات النقدية هي الحكم في تحديد هذه الأسعار.

ويرى بعض الاقتصاديين أن اليورو مسعر دون قيمته الحقيقية تفاديا لإضعاف القدرة التنافسية لصادرات الدول الأعضاء، إذ إن قوة اليورو تجعل صادرات منطقة اليورو أقل تنافسية في الأسواق العالمية بسبب ارتفاع أثمانها. لكن هذه القوة تجعل أيضا من واردات المنطقة أقل تكلفة، مما يساعد على خفض النفقات وكبح التضخم. ولعل الأمر المهم هنا هو أن استقرار وتصاعد سعر صرف اليورو مقابل الدولار الأميركي في الفترة الأخيرة يعكس التصدع في الاقتصاد الأميركي الذي يمر بمرحلة إفلاسات متتالية ومعدلات بطالة لا سابق لها منذ عقود وحالة الركود التي يعاني منها هذا الاقتصاد.

العرب والتعامل مع اليورو.. المزايا والمخاطر

إن توثيق وربط المعاملات العربية باليورو من شأنه أن يجنب عددا من الأقطار العربية انعكاسات تقلب أسعار الصرف المكلفة ويؤسس للقرار الاستثماري على مقاييس أكثر موضوعية ويقلل من سلبيات تحديد هذه المعاملات بعملة واحدة وهي الدولار الأميركي وانعكاس السياسة النقدية الأميركية على دول المنطقة سلبيا. إلا أن الحكم على فوائد اليورو بالنسبة للدول العربية ككتلة واحدة يعتريه كثير من التعميم نظرا لاختلاف أهمية السوق الأوروبية والأميركية في التجارة الخارجية والتعاملات الرأسمالية للأقطار العربية. لهذا فإنه قد يصبح من الأجدى دراسة حالة دولة عربية أو مجموعة دول عربية معينة في التعاطي مع اليورو دراسة تقييمية- تطبيقية للحكم على مزايا ومخاطر هذا التعامل.

الدول الأعضاء في اليورو
والشراكة الأورو- متوسطية المعقودة تحت راية إعلان برشلونة 1995 بين مجموعة من الدول العربية والاتحاد الأوروبي مدعومة ببرامج تعاون اقتصادي ومالي وتقني وسياسي ... تجعل من هذه الدول أكثر ارتباطا من أي مجموعة أخرى بالعملة الأوروبية الموحدة وتتأثر سلبا وإيجابا بتقلب أسعار صرف هذه العملة. وهنا يجدر التذكير أنه على الدول العربية الداخلة في هذه الشراكة التعاون والتنسيق في ما بينها لمواجهة الكتلة الأوروبية موحدة بدل التعامل معها منفردة بالإضافة إلى ضرورة تطوير وعصرنة وتحرير أنظمتها الاقتصادية والنقدية.

أما مخاطر التوجه العربي إلى منطقة اليورو فإنه يثير عددا من المخاطر والمجازفات التي ينبغي التوقف عندها لمعرفة مضاعفاته على السياسات الاقتصادية والنقدية العربية. فاليورو عملة نقدية موحدة بين مجموعة من الدول الأوروبية لا تحتاجها الدول العربية جميعها أو على الأصح بنفس القدر من الأهمية في شؤونها التجارية والمالية. وإذا أخذنا مجال تحديد أسعار الصرف وربطها فإنه لا يوجد بلد عربي يعتمد بصفة كلية على البلدان الأوروبية الداخلة في هذه العملة كشريك تجاري ومالي دون غيره. وبالتالي فإن اليورو لا تشكل أداة رئيسية لتمويل الصفقات التجارية والرأسمالية أو في تكوين الأرصدة الاحتياطية لمعظم الدول العربية. كما أن اعتماد البلدان العربية على اليورو دون غيره من العملات الدولية الأخرى في معاملاتهم قد يؤدي إلى إخضاع السياسة النقدية في الدول العربية لما يفرضه البنك المركزي الأوروبي من شروط وإملاءات كتحديد معدلات الفائدة وإصدار النقود ... وما يترتب عن هذا الإخضاع من تحكم القرار الأوروبي الأكثر قدرة على المناورة في مخططات التنمية العربية.

إن الدول العربية مطالبة أكثر من أي وقت مضى بلم شملها وحشد مواردها لتكوين كيان اقتصادي قوي في عصر التكتلات وإذا أرادت فرض وجودها في الاقتصاد المعولم. فإذا كان الاتحاد الأوروبي قد وصل إلى ما هو عليه الآن من حضور فاعل في منظومة الاقتصاد العالمي بعد حروب عديدة وانقسامات وعدم تجانس فإن الأمة العربية لها من مقومات التجانس المشتركة كاللغة والدين والعرق ... والإمكانات البشرية والطبيعية ما يؤمن فرص النجاح إذا تحققت الإرادة السياسية الجادة لتحقيق هذا الهدف.

اليورو بعد عام.. نجاح ولكن

إن إقرار اليورو كعملة موحدة ووحيدة في مطلع العام 2002 يعتبر تتويجا لمسار طويل وشاق قطعته البلدان الأوربية، ساعد على تقارب السياسات الاقتصادية والمالية والاجتماعية... للدول المنضمة إلى هذه العملة.

وإذا كانت قوة الاقتصاد وعافيته تعكس قوة العملة المعمول بها، فإن ارتفاع قيمة اليورو أمام الدولار الأميركي في الآونة الأخيرة قد لا يعكس صحة الاقتصاد الأوروبي -يعاني الاقتصاد الألماني المحرك الأساسي لليورو من انكماش حاد- وإنما بالأحرى وهن وتخلخل الاقتصاد الأميركي. كما أن تحسن الأداء الاقتصادي في الاتحاد الأوروبي في المتوسط لا يعني بالضرورة تحسنه في كل دول المنطقة، فهناك تباين واضح في أداء اقتصادات منطقة اليورو.

وبصورة عامة فقد نجحت العملة الأوروبية بعد مرور عام على تداولها وحدها في كسب ثقة الوكلاء الاقتصاديين، ويتجلى ذلك في تزايد تدفق رؤوس الأموال الاستثمارية إلى منطقة اليورو وتصاعد سعر صرفها أمام الدولار الأميركي.

ويعود هذا التفوق الذي حققه اليورو إلى نجاح عملية إحلالها محل العملات الوطنية دون عوائق كبيرة بفضل التدرج المحكم الذي عمدته السلطات النقدية الأوروبية.

إن مزاحمة ملك أو سيد العملات، أي الدولار الأميركي، ليست مسألة يسيرة نظرا لتراكم ثقة وهيمنة هذه العملة لعقود طويلة من الزمن، إلا أن تداول أوراق وقطع اليورو في 12 بلدا أوروبيا أعلن بداية التحدي الفعلي الذي يواجه الدولار. لكن هذا التحدي لن يحسم في سنة أو ثلاث –عمر اليورو- وإنما يلزم انتظار سنوات وربما عقود لحسمه.

_______________
*اقتصادي موريتاني مقيم في إسبانيا

المصدر : غير معروف