بقلم: ياسر الزعاترة*

- برنامج شارون الأمني والسياسي
- تصعيد فبراير ومهمة زيني
- المبادرة العربية والقمة والعراق
- أطراف الصراع والمعادلة الصعبة

عندما وقعت هجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول في الولايات المتحدة ودخل الثور الأميركي في حالة غير مسبوقة من الهياج وأدرجت المقاومة الفلسطينية في قوائم الإرهاب، كان ياسر عرفات جادا إلى حد كبير في قراره وقف إطلاق النار ووقف انتفاضة الأقصى أو الشق العسكري منها على وجه التحديد، بيد أن المعادلة قد دخلت مربعا آخر، فقد اعتقد شارون أن فرصته في تحقيق برنامجه الأمني والسياسي قد حانت على نحو رائع، ولذلك لم يعر قرار وقف إطلاق النار الفلسطيني أدنى اهتمام على رغم محاولة قوى المقاومة الانسجام مع ذلك القرار خلافا لاقتناعها.

برنامج شارون الأمني والسياسي

لشارون ابتداء برنامجه الأمني القائم على إعادة الأمن إلى الشارع الإسرائيلي، وهو الشق الذي حمله إلى سدة رئاسة الوزراء. أما الشق السياسي فيقوم على فرض ما يسميه "الحل المرحلي بعيد المدى" على السلطة الفلسطينية والذي يتلخص في ترحيل قضايا الوضع النهائي إلى سنوات بعيدة مع منح الفلسطينيين حكما ذاتيا بمسمى دولة على قطاع غزة و42% من الضفة الغربية.

لتحقيق هذه الأهداف دخل شارون في معركة حامية الوطيس لإذلال الرئيس الفلسطيني وضرب البنية التحية للمقاومة الفلسطينية كيلا تعود إلى نشاطها حتى في حال قررت ذلك، سواء أكان بضوء أخضر من السلطة أم بقرارها الذاتي. على هذه الخلفية بدأ شارون حملة عسكرية واسعة النطاق لإذلال الفلسطينيين ومطاردة قوى المقاومة ورموزها وبناها التحتية، واجتاح عددا كبيرا من المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية ونفذ عمليات اغتيال وخطف على درجة كبيرة من الخطورة.

هنا اضطرت قوى المقاومة إلى التماسك من جديد وبدأت حملة مطاردة لاستهداف الإسرائيليين والعودة إلى توازن الرعب الذي حققته خلال شهور طويلة من انتفاضة الأقصى. وبذلك عادت الساحة الفلسطينية إلى غليانها من جديد بين هجوم إسرائيلي ورد فلسطيني.

ثمة جانب آخر عوّل عليه رئيس الوزراء الإسرائيلي إضافة إلى أجواء الضغط الأميركي على العرب والفلسطينيين، وتمثل ذلك الجانب في العمل على مواصلة الضغط العسكري والسياسي انتظارا للهجوم الأميركي على العراق الذي ينبغي أن يغير النظام في العراق ويدخل الوضع العربي والفلسطيني في حالة من التراجع بحيث يمكن فرض الحل الأمني والسياسي عليه.

رئيس تحرير صحيفة معاريف فضح هذا التفكير في عقل شارون حين توجه إليه قائلا "ثمة من يقول سيدي رئيس الحكومة إنك تنتظر الهجوم على العراق الذي في أعقابه سيكون هناك ترتيبات أميركية جديدة في المنطقة من الممكن في إطارها أن تفرض على الفلسطينيين اتفاقيات مرحلية طويلة المدى....".

تصعيد فبراير ومهمة زيني


عرفات الذي وصلت الدبابات الإسرائيلية إلى مقره ودخل الجنود مكتبه ما يزال الأقوى بصمود شعبه وبطولات قواه المقاومة وانحياز الشارع العربي إلى خيار المقاومة
تراجع شعبية شارون
من المؤكد أن المجتمع الإسرائيلي عول كثيرا على حوادث سبتمبر/ أيلول في الولايات المتحدة للتخلص من حالة الاستنزاف التي عاشها طوال عام كامل، بيد أن غطرسة شارون فوتت الفرصة، فبدأ التململ في الأوساط الإسرائيلية من سياساته وأخذت استطلاعات الرأي تكشف عمق التراجع في شعبيته يوما إثر آخر.

مع تواصل عمليات التوغل والاغتيال في المناطق الفلسطينية عادت قوى المقاومة إلى العمل بقوة بعد وقت من التراجع النسبي، وفي التاسع من فبراير/ شباط الماضي بدأت موجة من الأعمال العسكرية القوية استهلتها "حماس" في مستوطنة حمرا في غور الأردن ثم في معسكر بئر السبع، تلتها عمليات نوعية لكتائب الأقصى التابعة لحركة فتح، ثم عملية أخرى في عين عريك لكتائب القسام وأخرى أكثر قوة لكتائب الأقصى، وتواصل المسلسل.

هنا كشفت استطلاعات الرأي مزيدا من التراجع في شعبية شارون، وهو ما ترك آثاره على قرار القيادة الفلسطينية التي أدركت أن بالإمكان -من خلال التصعيد- دفع شارون نحو الهاوية، وأعطى الضوء الأخضر لكتائب الأقصى وقوى المقاومة للتصعيد، وبالفعل بدأت حرب استنزاف غير مسبوقة منذ بدء انتفاضة الأقصى سجلت فيها المقاومة تفوقا نوعيا أذهلت شارون وجيشه ومستوطنيه ودخل المجتمع الإسرائيلي في حالة من النزيف المعنوي لم يحدث من قبل، رغم كل أشكال الاستنفار الأمني وعشرات الآلاف من الحراس الذين جندوا للتصدي لشباب المقاومة.

زيني وإنقاذ شارون
أدرك الأميركيون وصهاينتهم أن دولتهم قد دخلت في مرحلة تهديد الوجود، وبات النموذج اللبناني ناقوسا يدق في رؤوسهم، فكان قرار واشنطن بإرسال الجنرال (زيني) لإنقاذ الموقف، ولم يكن لديه سوى تعاويذ (تينيت) و(ميتشل) لطرد الشياطين التي تعصف برأس شارون وجنرالاته وجمهوره.

لم يكن بإمكان عرفات الانسجام مع متطلبات العودة إلى وثيقة (تينيت) التي لا تحمل سوى بعد أمني بائس، لا يمكن للشارع الفلسطيني أن يقبله بحال من الأحوال، ولذلك فشل (زيني) في فرض رؤيته، سيما وهو الذي حمل التفسيرات الإسرائيلية لتطبيق الوثيقة السيئة والمرفوضة حتى لو نفذت وفق التفسير الفلسطيني لها.

المبادرة العربية والقمة والعراق


إنني أسمح لنفسي بأن هذا هو الصراع الوجودي الأول الذي نخوضه منذ حرب الاستقلال وهو مغاير للمعارك الأخيرة التي كانت في السابق بما فيها حرب لبنان

عاموس جلعاد

في هذه الأثناء كان الأمير عبدالله ولاعتبارات داخلية بحتة يقدم مبادرته للتسوية، ولتقدم لاحقا للقمة العربية التي فشل خلالها الزعماء العرب في دفع شارون للسماح للرئيس الفلسطيني بحضورها.

أقرت القمة العربية المبادرة مع استبعاد مصطلح التطبيع وإقرار حل قضية اللاجئين، وهو الأمر الذي رفضه الإسرائيليون.

ولا شك أن القمة رغم ما حملته من ضعف قد انطوت على مفاجآت معقولة مثل المصالحة العراقية الكويتية، إضافة إلى بعض المداخلات المهمة الداعمة لخيار المقاومة كما هو شأن كلمة الرئيس السوري، كما أن مداولات القمة وبيانها الختامي لم تأت وفق ما تشتهي واشنطن لا من زاوية الموقف من المقاومة ولا نص المبادرة ولا من زاوية دعم العراق ورفض استهدافه. في اليوم الأول لانعقاد القمة نفذت كتائب القسام عملية نوعية في (نتانيا) أسفرت عن قتل عشرين إسرائيليا وجرح 170 آخرين، وهي العملية التي عصفت برأس شارون قبل أن تتبعها أخرى في مستوطنة قرب نابلس.

مبارك والأمير عبد الله وعرفات

العملية في نتانيا كانت مجرد ذريعة استغلها شارون لإعلان حرب شاملة ضد الشعب الفلسطيني، ذلك أن الرجل لم يجد سبيلا آخر لإخضاع الفلسطينيين، فرحلة زيني فشلت والمبادرة العربية مرفوضة، والشارع الإسرائيلي يصرخ ونتنياهو يطارده في استطلاعات الرأي، ولا حل في ضوء ذلك سوى الهروب إلى الأمام والعمل على إذلال الرئيس الفلسطيني ومطاردة المقاومة أملا في ضرب البنية التحتية للمقاومة وإعادة الأوضاع إلى مستوى الهدوء انتظارا للعمل العسكري الأميركي المأمول ضد العراق والذي يبشر صهاينة واشنطن بأنه بات قاب قوسين أو أدنى، سواء وافق صدام حسين على إعادة المفتشين أم رفض ذلك، وحتى لو فشل (تشيني) في إقناع العرب بالضربة، وهو قد فشل بالفعل. وهكذا بدأ شارون هجوما شاملا على الشعب الفلسطيني باجتياح رام الله والمدن الفلسطينية الأخرى وتهديد الرئيس الفلسطيني شخصيا.

أطراف الصراع والمعادلة الصعبة

تصميم فني يعبر عن عدم مشاركة بعض القادة العرب في القمة العربية في بيروت
في ضوء ذلك كله يمكن القول إن معادلة المنطقة قد دخلت في حالة صعبة وغير مسبوقة، فالرئيس الفلسطيني لم يعد قادرا بعد كل هذا الدم والبطولة على التراجع إلى الخلف، عبر العودة إلى قصة (تينيت) أو تقرير (ميتشل) ولا بد له من إنجاز سياسي يحمله لشارعه الصامد والفخور بإنجازات المقاومة، لا سيما قدرتها الفائقة على استنزاف العدو. ولا شك أن سقف المبادرة العربية التي طرحت في قمة (بيروت) قد بات هو الحد المقبول بالنسبة له.

شارون في المقابل يدرك أن المبادرة العربية هي أكثر مما يحتمله قادة حزب العمل فضلا عنه هو، ولذلك فهو يعول على مزيد من الدعم الأميركي لبرنامجه الأمني على أمل إخضاع الرئيس الفلسطيني، ودفعه نحو التهدئة.

واشنطن بالمقابل لم تعد تملك السطوة نفسها التي تلت هجمات سبتمبر/ أيلول لا دوليا ولا عربيا ولا إقليميا، كما أن الرفض العربي والدولي للهجوم على العراق الذي يعول عليه شارون قد أخذ في التراجع، وإن يكن من المستبعد أن يحول دون تنفيذ صقور البيت الأبيض المدفوعين من صهاينة الولايات المتحدة للمخطط الرامي لتغيير النظام في العراق.

لقد بات واضحا أنه وعلى رغم هجوم شارون الواسع فإنه لايزال الأضعف وأن عرفات الذي وصلت الدبابات الإسرائيلية إلى مقره ودخل الجنود مكتبه لايزال الأقوى بصمود شعبه وبطولات المقاومة وانحياز الشارع العربي إلى خيار المقاومة.

اللواء عاموس جلعاد الرئيس السابق لكتيبة الاستخبارات العسكرية (أمان) ومنسق عمليات الجيش الإسرائيلي في المناطق قال لصحيفة (يديعوت أحرونوت) في (29/3) ما نصه "إنني أسمح لنفسي بأن هذا هو الصراع الوجودي الأول الذي نخوضه منذ حرب الاستقلال، وهو مغاير للمعارك الأخيرة التي كانت في السابق بما فيها حرب لبنان".


تواصل المقاومة وحرب الاستنزاف قد يشكل رافعة للوضع العربي وعائقا في وجه استهداف العراق كما قد ينطوي على فرصة حقيقية لتحقيق انتصار كذلك الذي تحقق في لبنان
في ضوء ذلك يمكن القول إن بإمكان عرفات أن يعلن حسم خيار المقاومة حتى لو تورط شارون بإنهاء السلطة، ذلك الخيار الذي يسهل حرب الاستنزاف أكثر فأكثر. أما إذا فقد "البلدوزر" عقله واستهدف الرئيس الفلسطيني فإن الموقف سيغدو أكثر حسما. وفي هذا الصدد يقول المحلل العسكري لصحيفة "هآرتس" أليكس فيشمان "حسب التجربة الماضية في احتلال المدن الفلسطينية مرحلة احتلال المدينة ليس هو المرحلة الإشكالية، المشكلة ليست في اليوم الأول بل ولا الأسبوع الأول بل ماذا يكون فيما بعد، وحسب التجربة العسكرية في كل العالم عندما يهاجم القوي يختفي العنف ببساطة في الثقوب ولكنه يطل مرة أخرى بعد أن يستقر وينتظم الجيش، وعندها يبدأ التفوق النسبي للكتلة بالذوبان، ويبدأ قتال الشوارع وتصاب دبابات ويسقط الضحايا والجيش سيرد وسيصاب مدنيون وصور الدمار ستؤثر على الرأي العام العالمي وسرعان ما سينسون لماذا دخلنا إلى هناك".

إذا لم يحدث هذا الاحتمال أو ذاك فإن الموقف سيواصل مراوحته بين اللقاءات والمفاوضات والمبادرات والمقاومة وحرب الاستنزاف، سواء سقط شارون أو بقي في السلطة، أما إذا حدث ما يتمناه وضرب العراق واستبدال نظام أميركي آخر بنظامه الحالي فإن الوضع الفلسطيني والعربي سيدخل في حالة من التراجع لا يعلم مداها إلا الله. بيد أن ما ينبغي قوله هو أن تواصل المقاومة وحرب الاستنزاف قد يشكل رافعة للوضع العربي وعائقا في وجه استهداف العراق. كما قد ينطوي على فرصة حقيقية لتحقيق انتصار كذلك الذي تحقق في لبنان.

_______________
* كاتب صحفي فلسطيني

المصدر : غير معروف