بقلم/ إبراهيم غرايبة*

- بداية الولايات المتحدة
- مرحلة التوسع
- مرحلة الحرب الباردة
- مرحلة التفرد بالقوة
- حروب غير محسوبة

تبدو الولايات المتحدة كما يصفها أستاذ الجغرافيا السياسية الدكتور جمال حمدان في كتابه "إستراتيجية الاستعمار والتحرير" في تطورها ومسارها كدولة طفلا يحبو في نهاية القرن الثامن عشر واستمرت كذلك حتى نهاية القرن التاسع عشر لتدخل في مرحلة فتوة وشباب تمثلت في نشاطها خارج الحدود واستمرت حتى سبعينات القرن العشرين بانتهاء حرب فيتنام ثم مرحلة النضج التي بدأت بالوفاق مع الاتحاد السوفياتي.

بداية الولايات المتحدة

يبدأ تاريخ الولايات المتحدة منذ عام 1783 بعد حرب الاستقلال، وقد خرجت من هذه الثورة برقعة محدودة 13 ولاية وقوة بشرية لا تزيد على الأربعة ملايين، وكانت تلك النواة التي نمت بسرعة هائلة لتصبح أعظم قوة في العالم وأغناها في خلال 150 عاما، ومازالت تحتفظ بتفوقها وقوتها منذ أكثر من خمسين عاما.

انطلقت الولايات المتحدة من نواتها باتجاه المحيط الهادئ على حساب السكان الأصليين من الهنود الحمر، واشترت لويزيانا من فرنسا عام 1803 واستولت على فلوريدا من إسبانيا عام 1819 وضمت تكساس من المكسيك عام 1848 واستطاعت خلال فترة زمنية قصيرة أن تتحول من دولة صغيرة متشرنقة على سواحل المحيط الأطلسي إلى دولة قارة تسيطر على المحيطين الأطلسي والهادئ، وبدأت اتحادا كونفيدراليا قبل أن تتحول إلى فيدرالي، وربما يكون القطار إضافة إلى بساطة التركيب الجغرافي قد ساعد على قيام ونجاح هذه الدولة المتسعة، وهكذا فإن حدودها الحالية قد تشكلت واستقرت قبل أقل من 150 سنة.

مرحلة التوسع


تحولت الولايات المتحدة بسرعة إلى أعظم وأغنى دولة صناعية وأضخم قوة حضارية حديثة تقود العالم في كل مجالات الإنتاج وتحتكر الأولوية والصدارة في أغلب قطاعاته

وبعد انتهاء الحرب الأهلية اشترت الولايات المتحدة آلاسكا وجزر ألوشيان من روسيا ثم توسعت في الجزر الباسيفيكية على حساب إسبانيا، جزر هاولاند وبيكر عام 1857 وميدواني عام 1859 وهاواي وفينكس في نهاية القرن التاسع عشر وانتزعت الفلبين من إسبانيا واستعمرتها عام 1899 إلى أن منحتها الاستقلال عام 1946.

وفي بداية القرن العشرين بدأت تتوسع في منطقة الكاريبي فاحتلت بورتوريكو وبنما التي شقت فيها قناة بنما الواصلة بين المحيطين الأطلسي والهادي والتي تعد من أهم النقاط الإستراتيجية في تركيبتها كقوة عالمية.

بدأت الولايات المتحدة باقتصاد زراعي واسع وبمجتمع ريفي مخلخل، وظلت طوال القرن التاسع عشر دولة زراعية تصدر الخامات الزراعية وتستورد المصنوعات وتمثل حضارة ريفية غير مدنية (الكاوبوي) ولكنها تحولت بسرعة إلى أعظم وأغنى دولة صناعية وأضخم قوة حضارية حديثة تقود العالم في كل مجالات الإنتاج وتحتكر الأولوية والصدارة في أغلب (الكاوبوي) وتضاعف عدد سكانها خلال قرن ونصف أكثر من خمسين ضعفا.

لقد بدأت الولايات المتحدة من حيث انتهت أوروبا فأخذت عنها نقاط قوتها وتخلصت من نقاط ضعفها ونشأت مع الآلة البخارية والقطار متجاوزة مرحلة الإقطاع، ولم تعاني من المنافسة والحروب في القارة الأميركية فجميع دول القارة تقريبا إما أنها امتداد جغرافي وبشري مثل كندا أو تابع مستكين يدور في فلكها تمثل مزرعة ومناجم وحدائق خلفية لها.

مرحلة الحرب الباردة

وكانت في الأربعينات قوة عظمى تكاد تحتكر التفوق والهيمنة وعبرت عن ذلك بالقنبلة الذرية امتلاكا وردعا واستخداما كما حدث في اليابان، ولكن الاتحاد السوفياتي بدأ ينافسها في الخمسينات وإن بقيت متفوقة كما تجلى في الحرب الكورية والعدوان الثلاثي على مصر، وحدث تعادل نسبي في الستينات تجلى في أزمة الصواريخ في كوبا، ثم اتجه القطبان إلى التعايش والوفاق كما تجلى في اتفاقية سالت، وإن تفوق السوفيات في حرب فيتنام وحرب رمضان عام 1973 ثم في إيران عام 1979.

واستعادت الولايات المتحدة المبادرة وعادت في تسعينات القرن العشرين قوة متفردة مهيمنة ومتفوقة وتفوقت بالضربة القاضية (تقريبا) على الاتحاد السوفياتي الذي انهار وانسحب من أوروبا إلى الشرق مسافة ألف كيلومتر مخليا المجال لحلف الأطلسي بقيادة أميركا، وانسحب السوفيات من أفغانستان انسحابا مهينا ومدويا.

وربما كان الاحتلال السوفياتي لأفغانستان في نهاية السبعينات بسبب شعوره بالتفوق، وأن الولايات المتحدة خسرت كثيرا في فيتنام ثم خسرت إيران، وربما كان أيضا من أسباب تراجعه وانهياره، فأفغانستان دولة أنشئت قبل أكثر من مائتي سنة لتكون حاجزا محايدا بين القوى العظمى المتنافسة في آسيا وكان على رأسها بريطانيا وروسيا. وقد أخل السوفيات بهذا الاتفاق التاريخي مما أعطى الولايات المتحدة الفرصة لضربه تحت الحزام فقد قدمت مساعدات عسكرية ومالية هائلة للأفغان وباكستان كان من أهمها صواريخ ستينجر التي تصيدت الطائرات السوفياتية كالذباب وشلت قدرة القوات السوفياتية الجوية.

فهل تكرر الولايات المتحدة الخطأ السوفياتي نفسه؟ فتوقع نفسها في عزلة ومواجهة مع الصين وروسيا والهند وإيران؟ وأخيرا أوروبا؟ أم أنها واثقة بأنه ليس ثمة قوة قادرة على معاقبتها كما فعلت هي بالاتحاد السوفياتي؟ يبدو واضحا أن هذه الدول مجتمعة أو متفرقة تتجنب المواجهة مع الولايات المتحدة ولكنها بالتأكيد ليست متحمسة للوجود الأميركي في أفغانستان وآسيا الوسطى والعراق والخليج ولا تريده، وتصر هذه الدول على المشاركة في صياغة مستقبل أفغانستان والخليج والمنطقة، وربما يكون هذا من أسباب عدم وضوح وحسم البديل لحركة طالبان في أفغانستان، وضعف حكومة كرزاي وانعدام حضورها وتأثيرها تقريبا، فالدول المحيطة تريد حكومة متوازنة ودولة محايدة.

مرحلة التفرد بالقوة


جاءت أحداث 11 أيلول برغم فداحتها والخسائر الكبيرة التي نتجت عنها فرصة كبيرة بل وهدية لتستعيد الولايات المتحدة مبادرتها في الهيمنة

لقد احتلت الولايات المتحدة العراق كما فعلت من قبل في أفغانستان، وقد تنجح في إقامة أنظمة حكم تابعة لها ولكنها تحتاج إلى مواصلة الحفاظ عليه بالقوة والمال إلى الأبد وسوف تنهار هذه الأنظمة بمجرد تراخي قبضتها أو انسحابها فهل تقدر أو ترغب في الاستمرار في وجود قوات ضخمة لها في أفغانستان والخليج والعراق والمنطقة كما في كوريا مثلا؟ وبخاصة إذا استدرجت في تلك الصحارى والمدن القاسية والكارهة لها؟

لقد انتصرت الولايات المتحدة بانهيار الاتحاد السوفياتي وحسمت الحرب الباردة لصالحها ووصلت كما وصفها فوكو ياما إلى نهاية التاريخ، ولكن هذا الانتصار وضعها أمام محددين إستراتيجيين، كيف تستمر في تفردها بالقوة والتفوق والهيمنة والقيادة العالمية، وكيف تتعامل مع أزمات وتحديات وفرص ما بعد الحرب الباردة، وكانت قد قطعت شوطا في توسعة حلف الأطلسي وعزل روسيا ومواجهة الصين، ورتبت لنظام ردع صاروخي لقي معارضة قوية من الصين وروسيا وبالطبع من إيران، وحتى من أوروبا، وكان لها خططها ومشروعاتها الخاصة لتوفيق أوضاع المنطقة في آسيا والتي لقيت أيضا معارضة روسية وصينية وهندية.

وكان مجيء حركة طالبان إلى الحكم عام 1994 في سياق مشروعها للتفرد بأفغانستان بالتنسيق مع باكستان، ولكن استثمارها في طالبان فشل وارتد عليها، وواجهت قبل 11 سبتمبر/ أيلول مأزقا كبيرا بفشلها في كشف أو ملاحقة المسؤولين عن تفجير سفارتيها في أفريقيا والمدمرة "كول" ومقتل بعض جنودها في السعودية، كما بدأت تخوض منافسات ونزاعات تجارية مع حلفائها الأوروبيين، بل ويبدو الأمر كما لو أنها تخوض حربا مع فرنسا في أفريقيا، وعادت أجواء الحرب الباردة مع روسيا عندما كشف النقاب عن جواسيس لروسيا في الولايات المتحدة وإبعاد أربعين دبلوماسيا روسيا من واشنطن، وقضية طائرة التجسس فوق الصين التي أجبرتها على الهبوط بالقوة وألزمت الولايات المتحدة بالاعتذار.

وجاءت أحداث 11 سبتمبر/ أيلول برغم فداحتها والخسائر الكبيرة التي نتجت عنها فرصة كبيرة بل وهدية لتستعيد الولايات المتحدة مبادرتها في الهيمنة على آسيا وحصار وعزل الصين وروسيا واحتواء إيران ودمج الهند وباكستان في منظومتها وتبعيتها، وعلى الخليج والهيمنة على النفط، وتحقيق انتصار في العراق يعيد للإدارة الأميركية التماسك الداخلي ويوظف اللحظة التاريخية التي قد لا تتكرر والتي تدرك الولايات المتحدة أن اقتناصها مسألة وقت أو لعب في الوقت الضائع، فأوروبا بقيادة فرنسا وألمانيا تسعيان بتصميم لتحجيم الولايات المتحدة وتحقيق توازن عسكري وسياسي معها، وتبدو الولايات المتحدة ماضية في ذلك دون متاعب أو معارضة رادعة ولكن هل ستقدر على الاستمرار في المحافظة على هذا التفرد؟

حروب غير محسوبة

لقد أبدت فرنسا وألمانيا ثم روسيا مواجهة حقيقية مع الولايات المتحدة يمكن أن تتحول إلى حرب باردة وتنافس، وقد أجبرت فرنسا ومن ورائها مجموعة دول أخرى أجبرت الولايات المتحدة على تجاوز الأمم المتحدة، وجعلها في عزلة عالمية، وكشف عنها غطاء الشرعية الدولية، وهو ما لم تكن تريده بالطبع، وإن لم يكن يلزمها من ناحية إمكانات وقدرات فنية وحربية، ولكن استمرار هذه العزلة سيجعلها في مواجهة العالم، ويضعها في حرب استنزاف سياسية وإعلامية واقتصادية.

كان هنري كيسنجر وزير الخارجية الأميركية الأسبق يدعو حكومة الولايات المتحدة إلى السعي للهيمنة العالمية والتصرف كما لو أن للولايات المتحدة شركاء متكافئون معها، ولكن الإدارة الأميركية أبدت استخفافا بالعالم حتى أقرب شركائها من الأوروبيين وكاد الأمر يصل إلى خلاف كبير مع بريطانيا الحليفة التاريخية.

ويمكن إحصاء عشرات الأمثلة عن الاستفزاز الأميركي للعالم كله، فقد رفض بوش استقبال وفد وزاري عربي يمثل القمة العربية، ووصف المسؤولون الأميركان دول أوروبا المعارضة بأوروبا القديمة، وهو تعبير كان قبل سنوات قليلة يعد فضيحة وتجاوزا دبلوماسيا تعتذر عنه الولايات المتحدة حتى لو كان بحق دولة صغيرة، وتعلن الإدارة الأميركية بصراحة عن خطط ومشروعات كانت في السابق أسرارا تخفيها وتنفيها، مثل دعم الانقلابات العسكرية كما حدث في باكستان والمعارضة العراقية، وتذكر الإدارة الأميركية دول العالم بعلن ومنة بمساعداتها وتهددها أيضا بوضوح لم تكن تلجأ إليه من قبل.


واشنطن ستتعرض لمعارك وعمليات غير محسوبة، ستجعلها في حرب ومواجهة مع أفراد وتنظيمات وأشباح لا تصلح عدوا حتى لو انتصرت عليه

ربما تكون المرحلة الجديدة من مسار العالم تأخرت عشر سنوات على الأقل، فقد بقي الفراغ قائما وسائدا في العالم منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، وانتهت تقاليد الصراع السابقة، وبالمناسبة فإن مرحلة الحرب الباردة والتي كان فيها قطبان كبيران متنافسان ومتوازنان منعت قيام عمليات إرهابية على غرار مهاجمة برجي مركز التجارة في نيويورك برغم الإمكانات الفنية التي كانت متوافرة.

ولكن الاتحاد السوفياتي وإن كان يدعم ويمول ويدرب حركات ثورية مناوئة للولايات المتحدة فإنه كان يمنعها في الوقت نفسه من مواجهة غير محسوبة، وجاء هذا الفراغ ليجعل الصراع بلا قواعد وتقاليد، وهو وإن كان يبدو في صالح الولايات المتحدة في أحيان كثيرة فإنه ليس في صالحها دائما، فقد جعلها ذلك عرضة لمعارك وعمليات غير محسوبة، وجعلها في حرب ومواجهة مع أفراد وتنظيمات وأشباح لا تصلح عدوا حتى لو انتصرت عليه، إنها تبدو مثل صراع العملاق والأقزام فهو وإن كان قويا فإن الأقزام الصغيرة والتي يعجز عن رؤيتها تزعجه وتجعله موضع سخرية حتى عندما يبطش بأحدها.
ــــــــــــــ
* كاتب وباحث أردني

المصدر : غير معروف