بقلم/ منير شفيق

صورة الوضع الراهن في العراق وفلسطين تتلخص باختصار فيما يلي: أميركا هزمت في العراق فكل إستراتيجيتها العسكرية والأمنية ومن ثم الإدارية والسياسية فشلت فشلاً شبه تام، ويمكن أن يلمس هذا كل من يقارن بين التصريحات الأميركية بعد الانتصار العسكري على النظام السابق والتصريحات الحالية, والأمر كذلك بالنسبة إلى الإستراتيجية الإسرائيلية التي طبقت منذ اندلاع الانتفاضة في عهد باراك (حزب العمل) وتوبعت بزخم أقوى في عهد الائتلاف الأول (الليكود – العمل) برئاسة شارون ثم الائتلاف الثاني (الليكود والأحزاب الأشد تطرفا منه) وبرئاسة شارون.

كذلك ويذكر في هذا الصدد أن هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001 على نيويورك وواشنطن وما استتبعها فوراً من هجوم أميركي على العالم مبتدئا بعدوان عسكري على أفغانستان واحتلالها أعطت الإستراتيجية العسكرية الإسرائيلية دفعاً هائلاً لتصعد في اكتساح المدن والقرى والمخيمات.


هزيمة الإستراتيجية الأميركية في العراق والإستراتيجية الإسرائيلية -ولو جزئياً- في فلسطين يجب أن تحضر في كل تحليل للوضع الراهن
وكانت البداية في مخيم جنين وجنين ونابلس في إبريل/ نيسان 2002, لكن النتيجة وبالرغم من الظروف غير المواتية التي ولدتها هجمات سبتمبر/ أيلول 2001 بالنسبة إلى الفلسطينيين انقلبت إلى كسر الإستراتيجية العسكرية الإسرائيلية كما تجلى من خلال الانتقال إلى إستراتيجية بناء الجدار والانسحاب من قطاع غزة و 40% من الضفة الغربية وتفكيك عدد من المستوطنات وذلك من طرف واحد، وبلا تسوية أو شرط أو تنازلات مقابلة، أي كما يشبه القرار الذي اتخذ بالانسحاب من جنوبي لبنان.

هاتان الحقيقتان هزيمة الإستراتيجية الأميركية في العراق والإستراتيجية الإسرائيلية-ولو جزئياً- في فلسطين يجب أن تحضر في كل تحليل للوضع الراهن فلا يسمح لما يطرح من سياسات وإستراتيجيات في الوقت الحاضر ولاحقاً بأن يشاغب عليهما وذلك لسببين رئيسيين:

الأول: التأكيد على أن إستراتيجية الانتفاضة والمقاومة والصمود الشعبي وإفشال فرض قيادة فلسطينية بديلة أثبتت صحتها وقدرتها على الإنجاز ولو الجزئي ومن ثم يمكن أن تواجه الأوضاع اللاحقة أو الإستراتيجيات الجديدة من جانب القيادة الإسرائيلية أو السياسات الدولية وبعض العربية انطلاقاً من ذلك الانتصار الأولي

الثاني: هو الانتهاء من الوهم الدائم الذي يعتبر أن ما تطرحه إسرائيل وأميركا سوف يتحقق ولا راد له ومن ثم فإن ما يطرح الآن ينبع من حقيقة حصول هزيمة (ولو جزئية) لإستراتيجية طبقت أكثر من (35) شهراً وأن ثمة اضطرابات وارتباطات شديدة تحكم السياسات الإسرائيلية فشارون يواجه مأزقاً مع حزبه وداخل وزارته وأما الجيش الإسرائيلي فيعاني من مأزق لا يقل خطورة (قرار الانسحاب هو قرار هيئة أركان الجيش) وكذلك الوضع الاجتماعي والاقتصادي فالرأي العام الإسرائيلي في حالة من اللايقين.

ثمة نقطة يتجاهلها البعض أخذت تضغط على الموقف الإسرائيلي للانتهاء من المواجهات العسكرية وبالتحديد مما يشن من عمليات اغتيال وتدمير بيوت وتجريف شوارع وحقول فضلاً عن ارتفاع مستوى قتل الأطفال والنساء والشيوخ (قتل المدنيين), أما تلك النقطة فهي الخسائر التي راحت تلحق بسمعة إسرائيل وأنصارها في العالم على مستوى الرأي العام الغربي (الأوروبي على الخصوص) وهي خسائر من الرصيد الإستراتيجي للمشروع الصهيوني.

فإذا كان الاستطلاع الذي أجراه الاتحاد الأوروبي أسفر عن نسبة 59% من الرأي العام الأوروبي تعتبر أن إسرائيل أخطر دولة بين الدول كافة على الأمن والسلم في العالم, علماً بأن هذا الاستطلاع قد يسجل نسبة تقترب من 70% لو أجري اليوم بعد اغتيال الشهيدين الشيخ أحمد ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي، وبعد ما ارتكب من جرائم حرب في رفح خلال شهر مايو/ آيار الفائت.

من هنا فإن لجوء حكومة شارون إلى مصر لتتدخل من أجل إيجاد مخرج للوضع (المأزق) الإسرائيلي الراهن في قطاع غزة كما في أجزاء من الضفة الغربية يدل بما لا يقبل النقاش على حالة التراجع والهزيمة, لكنه يتضمن إذا لم تحسن إدارة الصراع من جانب مصر ومن جانب السلطة الفلسطينية أن ينجو شارون من المأزق بما في ذلك تفكيك المستوطنات والانسحاب بلا قيد أو شرط من قطاع غزة و40% من الضفة, ومن ثم تكريس كل ما هو وراء الجدار وما يمس وضع القدس وبقية الأراضي المحتلة في حزيران 1967 وذلك من خلال فرض تهدئة مديدة وإحالة المشكلة كلها إلى المفاوضات في مراحل لاحقة وما أدراك ما المفاوضات عندئذ ؟


تدخل المصريين أمر لا يعترض عليه الفلسطينيون سلطة ومعارضة ومقاومة، لكن المشكل في نوع التدخل وشروطه ونتائجه لاسيما وأنه يتم بعد أن وصلت اللقمة إلى الفم في فرض انسحاب إسرائيلي مذل
أن يتدخل المصريون فأمر لا يعترض عليه الفلسطينيون سلطة ومعارضة ومقاومة لكن المشكل في نوع التدخل وشروطه ونتائجه لاسيما وأنه يتم بعد أن وصلت اللقمة إلى الفم في فرض انسحاب مذل كما حدث في لبنان للجيش الإسرائيلي, وفي ظرف دخلت فيه السياسة الإسرائيلية المأزق مهما فعلت.

فهي في وضع الخاسر مهما فعلت, وإذا استمرت في البطش والإيغال في الدم والدمار تضاعفت خسائرها ولولا ذلك لما أخذ قرار الانسحاب الذي فشل في كسب تأييد حزب الليكود, وإذا راوحت في المكان غير قادرة على الانسحاب وغير مستفيدة من البقاء فيما النزف المادي والمعنوي محلياً وعالميا بلا توقف, فالمأزق مستمر ومتفاقم وإذا انسحبت كما حدث في جنوب لبنان فهي أمام هزيمة معنوية وغير ضامنة لما سيكون عليه الوضع بعد ذلك.

ولهذا لجأت إلى مصر علها تجد مخرجاً مشرفا يحقق لها مكاسب خارج ميزان القوى الراهن مثل فرض تهدئة مريرة ونقل الصراع إلى الداخل الفلسطيني في حالة ربط تلك التهدئة والهدنة بالتطبيق المرحلي للانسحاب مع نزع السلاح وتفكيك منظمات المقاومة تحت شعار ضبط الأمن والتهويل بما يسمى فوضى السلاح المزعومة.

والسؤال لو نفذت مثل هذه المطالب التي تضغط أميركا عليها ويطلبها شارون مقابل إعطاء المصريين ذلك الدور فمن ذا الذي يضمن التنفيذ النهائي لبقية المراحل أو عدم عودة الاحتلال إذا اطمأن أن المقاومة ضربت أو نزع سلاحها وأن صمود الشعب ارتبك بسبب الوضع الجديد؟ ومن ذا الذي يطمئن إلى أن شارون حين يخرج من مأزقه ومعه هيئة أركان الجيش الإسرائيلي لن يعود إلى إستراتيجية إبعاد المصريين وفرض التسوية الإسرائيلية للوضع.

من هنا فإن حسن إدارة الصراع في هذه المرحلة -وشارون يتراجع وبوش في المأزق- أشد تعقيداً وحساسية مما كانت عليه حين كان الجيش الإسرائيلي يريد أن يحسم الوضع عبر الميدان وباختصار فإن الخطورة تتمثل في هذه المعادلة من خلال خسارة انتصار وفقدان مكاسب بالنسبة إلى الفلسطينيين ومصر والعرب والمسلمين في فلسطين.

تكاد الصورة تكون نفسها فيما آل إليه الوضع في العراق الآن، فقد هزمت الإستراتيجية الأميركية أمام ما أبداه الشعب العراقي من مقاومة شجاعة متواصلة وممانعات وسياسة واسعة التقتا في المواجهات العالية المستوى التي شهدتها الفلوجة والنجف وكربلاء والكوفة, واتساع نطاق كل من المقاومة المسلحة والسليمة في ظلها.

ومن بعد أن فشل في اقتحام أي منها من قبل القوات الأميركية بل عقدت اتفاقات غير مكتوبة مذلة للجيش الأميركي حتى لو حافظ على البقاء في بعض المواقع وغابت المظاهرة المسلحة للمقاومة الشعبية (أصبحت الآن شعبية) في تلك المدن, فأهدافه وإستراتيجيته لم يتحقق منها ما أعلن وأرد.


المعادلة الجديدة التي دخلها العراق بعد تشكيل الحكومة وبعد قرار مجلس الأمن ستكون شديدة التعقيد والحساسية، الأمر الذي يحتاج إلى دقة عالية في إدارة الصراع لإنجاز عملية التحرير
من هنا بدأت سلسلة التوجهات على المستويين الداخلي والعالمي وصولاً إلى تصريحات تسلم بانسحاب قوات الاحتلال وإعطاء الحكومة حين تتسلم السلطة حق طلب سحبها وإن قيل إن تركيبتها المؤمركة لن تفعل ذلك لأن مجرد إعطاء هذا الحق هام جداً أما الباقي فسيتقرر على ضوء التطورات اللاحقة فهذه الحكومة غير قادرة على إبقاء قوات الاحتلال حتى لو كانت راغبة في ذلك.

والتراجع الثاني تمثل في القرار الأخير الصادر عن مجلس الأمن حيث عدل خمس مرات مما يكشف عن مستوى الضعف في الموقف الأميركي ولولا خوف روسيا وفرنسا وألمانيا والصين من نتائج وقوع هزيمة منكرة للاحتلال الأميركي في العراق فيأتي بعده ما لم يكن في الحسبان لما خرج القرار محققا للأميركيين بعض ما ينقذ ماء الوجه ويترك مجالاً للمناورة على أمل الخروج من المأزق بمكاسب وذلك تماما مع الفارق كما أشير إليه بالنسبة إلى شارون في موضوع الانسحاب من طرف واحد.

من هنا فإن المعادلة الجديدة التي دخلها العراق بعد تشكيل الحكومة التي ستتسلم السلطة وبعد قرار مجلس الأمن ستكون شديدة التعقيد والحساسية الأمر الذي يحتاج إلى دقة عالية في إدارة الصراع لإنجاز تحرير العراق من قوات الاحتلال وتحقيق وحدته وسيادته في ظل مصالحة وطنية بعيدة عن كل تدخل أميركي أو دولي.
ــــــــــــــــــ
كاتب فلسطيني

المصدر : غير معروف