بقلم/ منير شفيق

كان من الطبيعي أن تتعدد الآراء في فهم الدوافع الأساسية التي تحملها الضغوط الأميركية على الأنظمة العربية في مطالبتها بإجراء إصلاحات وتحقيق الديمقراطية، فهنالك من يعتمد التصريحات الأميركية ويقرأ من خلالها الدوافع فيخرج بنتيجة أن أميركا جادة في مطالبتها بالإصلاح والديمقراطية، وهذا هو السبب وراء تأزم علاقاتها مع عدد من الأنظمة العربية التي ترفض بسبب طبيعتها الدكتاتورية أو الاستئثارية بالثروة والسلطة مطالب الإصلاح والديمقراطية.


أولوية الإصلاح والديمقراطية تواجه الأنظمة فهي معركة في الداخل، وأولوية مواجهة تحديات الهيمنة معركة مع الخارج بالضرورة
لكن من الواضح أن فهم الدوافع الحقيقية من خلال تصريحات الطرف المعني إنما هو نهج تبسيطي وسطحي، لأن الدوافع الحقيقية تظهر في قراءة جوهر الإستراتيجية أو في طبيعة الدولة وأهدافها ومطامعها، والأهم قراءة ممارستها على أرض الواقع.

أما التصريحات المعلنة فهي الستار الذي يخفي الدوافع أو الحقيقة، بل ستكون النتيجة أن ترى جميع الدول تتمسك بالمبادئ وحقوق الإنسان وهي مثالية في معاملتها لشعوبها إذا ما قرأنا حقيقتها من خلال تصريحاتها.

لكن على كل حال، فإن أصحاب هذه القراءة ليسوا سذجا إلى هذا الحد فهم يعلمون أن هناك أجندة أميركية أخرى –دوافع أخرى– يراد الوصول إليها من وراء الضغوط التي تطالب بالإصلاح والديمقراطية، وهم يرحبون بها وربما ربطوا مستقبلهم السياسي بنجاح تلك الأجندة.

وهناك اتجاه آخر تمثله قوى ديمقراطية عانت من جور هذا النظام أو ذاك فقادتها تجربتها المريرة إلى اعتبار الدكتاتورية أساس كل بلاء حل ويحل بالعرب بما في ذلك استدعاء التدخلات الخارجية وتسهيل مهمتها.

فالإصلاح والديمقراطية أصبحا شغلها الشاغل إلى حد ربط قضية فلسطين ومسائل التبعية والتحرر بهما. وهذا الذي يميز اتجاه هذه الفئة عن اتجاه الفئة السابقة فهي ترفض التدخل الخارجي وتدين السياسات الأميركية والإسرائيلية، ولا تريد أن تحسب عليها أو تعتبر منسجمة معها في المطالبة بالإصلاح والديمقراطية.

ولكن هذا الموقف حمل ارتباكه في قراءة دوافع المطالبة الأميركية بالإصلاح والديمقراطية، أو تحليل ما نشأ من أزمة بين السياسات الأميركية وبعض الأنظمة العربية، بما فيها السلطة الفلسطينية.

وأخيرا -وليس آخرا- تضمن ارتباكا في تحديد الأولويات، فبالنسبة إلى النقطة الأخيرة ثمة حرج في القول إن الأولوية للإصلاح والديمقراطية في حين تتعرض البلاد العربية لهجمة أميركية إسرائيلية عاتية لا يمكن تأجيل مواجهتها حتى تنجز مرحلة الإصلاح والديمقراطية وتصبح البلاد مهيأة للمواجهة الناجحة.

ولهذا كان المخرج في القول بالأولويتين: أولوية المواجهة الخارجية وأولوية الإصلاح الداخلي. لكن وضع هاتين الأولويتين على قدم المساواة غير ممكن عمليا، لأن لكل منهما حين توضع في الأولوية منطقها وخطابها وتحالفاتها وآليات عملها وإستراتيجيتها وتكتيكها، الأمر الذي يفرض في الواقع وضع الأولوية لأحدهما على الأخرى.

فأولوية الإصلاح والديمقراطية تواجه الأنظمة فهي معركة في الداخل، وأولوية مواجهة تحديات الهيمنة معركة مع الخارج بالضرورة، والأهم أن الصراع الداخلي سيرتبط بها إذ تصبح التبعية للخارج جزءا أساسيا من المعركة الداخلية وليس الاستبدال والفساد فقط. وبعبارة أخرى لا مفر من الخيار بين الأولويتين.


التحليل الذي لا يقرأ السياسات الأميركية في منطقتنا انطلاقا من تماهيها مع المشروع الصهيوني وتبني أجندته بالكامل سيفهم طرحها موضوع الإصلاح والديمقراطية فهما خاطئا
فإذا اختيرت أولوية الإصلاح والديمقراطية لا يمكن أن تقرأ الضغوط الخارجية المطالبة بالإصلاح والديمقراطية إلا من خلال مدى خدمتها لمسعى الداخل للإصلاح والديمقراطية.

هذا هو السبب الذي يفسر القراءة الخاطئة أو الناقصة أو اللينة في تحليل الدوافع الأميركية وراء المطالبة بالإصلاح والديمقراطية. فتراها تهاجمها باعتبارها "غير جادة" لأنها لو كانت جادة لضغطت من أجل الديمقراطية والإصلاح بأشكال أخرى. ولاتخذت مواقف مختلفة أو قل لفعلت كيت وكيت.

وحين تتهمها بأنها غير جادة تعتبر نفسها قد صفت الحساب معها، وفاصلت مع القوى المؤيدة للمشروع الأميركي. وقد يذهب الفقد إلى أبعد من ذلك مضيفا أن الهدف من المطالبة الأميركية بالإصلاح والديمقراطية هو التغطية على جرائم حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون.

ثم يطرح تصور تفسيري آخر يقول إن أميركا وأوروبا تشعران أن بقاء الجحود الراهن للدكتاتوريات العربية لم يعد يحقق الاستقرار، وقد أصبح من الضروري ترحيل الماء الآسن، أو إدخال دماء جديد إلى شرايين السلطة العربية بعد طول انسداد أو انغلاق راحا يولدان الإرهاب.

ومن هنا نشأ التناقض الراهن بين أميركا وبعض الأنظمة. فسبب الأزمة يرجع إلى معارضة النظام العربي للإصلاح، ومن ثم ليس صحيحا أن ثمة خلافات سياسية وراء أزمة أميركا مع بعض الأنظمة العربية التي هي جميعا أميركية ولا خلاف مع أميركا من هذه الزاوية.

لكن إذا صح هذا التحليل فنتيجته متناقضة مع اتهام أميركا بأنها غير جادة في موضع الإصلاح الديمقراطية أو اعتبار طرحها للموضوع يستهدف التغطية على جرائم شارون.

بيد أن هذا التحليل المرتبك في قراءة ما ترمي إليه الإدارة الأميركية من وراء ضغوطها في موضوع الإصلاح والديمقراطية لا يلحظ -أولا- أن ضغوطها على الأنظمة تتسم بالتفاوت من حيث التركيز على البعض، و-ثانيا- أن الموضوع (الإصلاح والديمقراطية) مرتبط بالإستراتيجية الأميركية المتماهية مع المشروع الصهيوني والأهداف الإسرائيلية فلسطينيا وعربيا وإسلاميا، بل هو جزء لا يتجزأ من تلك الإستراتيجية التي حملت العدوان على أفغانستان والعراق واحتلالهما ودعمت شارون في حربه الشاملة على الشعب الفلسطيني.

فإذا لم يقرأ مطلب الإصلاح مرتبطا بالإستراتيجية والهجمة على المنطقة لتغيير جوهري في بنيتها وجغرافيتها فسيفهم قائما بذاته فيحاسب على "عدم جديته"، وينزع من البعد السياسي الإستراتيجي ويفهم التناقض بين أميركا وبعض الأنظمة باعتباره خلافا حول الإصلاح.

ولكي يفهم موضوع الإصلاح والديمقراطية من حيث الدوافع الأميركية وراءه، يجب أن تتابع قائمة الطلبات المحددة التي أبلغتها الإدارة الأميركية لعدد من الدول العربية -ربما أغلبها إن لم يكن كلها- بعد الحرب على العراق واحتلاله، وكان في مقدمتها كما ورد في القائمة التي قدمها وزير الخارجية الأميركي كولن باول لعدد من الدول وقد نشرت الصحف بعضها ما يلي:


لم تعد أميركا تكتفي من حلفائها العرب بما كانت تكتفي به سابقا من معاهدات تلبي المطالب الإسرائيلية، فقررت خوض جولة جديدة من الصراع ضد المنطقة لاستكمال تلبية تلك المطالب
التطبيع الفوري مع الدولة العبرية واعتبار المقاومة الفلسطينية والانتفاضة وصمود الشعب الفلسطيني إرهابا وتأييد حكومة شارون في المجيء بقيادة فلسطينية بديلة على قياسه. وهناك مطالب أخرى من هذا الوزن تتضمن فتح الأبواب لتغلغل النفوذ الصهيوني والأميركي حتى في صلب أجهزة الدولة.

فالتحليل الذي لا يقرأ السياسات الأميركية في منطقتنا انطلاقا من تماهيها مع المشروع الصهيوني وتبني أجندته بالكامل سيفهم طرحها لموضوع الإصلاح والديمقراطية فهما خاطئا، ومن ثم لا يدرك أن الهدف من إثارته من قبل إدارة الرئيس جورج بوش يقصد منه ابتزاز الأنظمة المعنية لتقدم ما تبقى من تنازلات مطلوبة إسرائيليا، سواء أكان بالنسبة إلى الاعتراف والتطبيع وصولا إلى قبول الهيمنة الإسرائيلية مع الأميركية على المنطقة، أم بالنسبة إلى المشاركة المباشرة مع بوش وشارون في محاربة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وحركة الجهاد الإسلامي وكتائب الأقصى وكتائب الشهيد أبو علي مصطفى (الجبهة الشعبية)، والمجيء بقيادة فلسطينية بديلة تصفي القضية الفلسطينية بعد قمع الشعب الفلسطيني ومصادرة حقوقه.

هذه المطالب الأميركية التي لا تستطيع الأنظمة العربية تلبيتها بالكامل هي سبب ما نشأ أو ينشأ من أزمات، وهي وراء ما يشن من حرب على المنطقة ومن ثم وراء إثارة موضوع الإصلاح والديمقراطية.

فالنظام العربي الأقرب لأميركا لا يستطيع أن يصل في تحالفه معها إلى تلبية كل هذه المطالب ومنذ الآن، لأن ذلك قد يفجر شرعيته من الداخل.

فأميركا لم تعد تكتفي من حلفائها العرب بما كانت تكتفي به في مرحلة الحرب الباردة، وليست بمكتفية بما قدم في المعاهدة المصرية الإسرائيلية أو مؤتمر مدريد أو اتفاق أوسلو أو معاهدة وادي عربة أو المبادرة العربية التي صدرت عن القمة العربية في بيروت، ولهذا قررت خوض جولة جديدة من الصراع ضد المنطقة لاستكمال تلبية المطالب الإسرائيلية.

لقد كانت هذه هي المشكلة مع إدارة الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون مما أدى إلى فشل المفاوضات حول الجولات وفي كامب ديفد وإخفاق مشروع الشرق أوسطية الذي أطلق في المؤتمر الاقتصادي العالمي للشرق الأوسط بالدار البيضاء أواخر عام 1994.


لم تتخل أميركا عن إستراتيجية الانفراد وإقامة نظام القطب الواحد، وما فعلته إدارة بوش في التقرب من الدول الكبرى جاء لخدمة معركته الانتخابية أساسا وليس تعبيرا عن نظام دولي جديد أو اتفاقات دولية قيد التنفيذ
ثم جاءت إدارة جورج دبليو بوش لتفرض التنازلات المطلوبة من خلال القوة العسكرية والضغوط المباشرة والحملات التشهيرية على العرب والمسلمين. وعندما فشلت في العراق وفلسطين ولم تتساقط أحجار "الدومينو" راحت تلوح بأقوى من ذي قبل بشعاري الإصلاح والديمقراطية. وقد استنجدت بقمة الدول الثماني لمساعدتها في ابتزاز دول المنطقة كما ظهر في قمة سي آيلاند وقمة إيرلندا الأوروبية الأميركية وقمة الأطلسي في تركيا.

صحيح أن تراجع إدارة بوش عن سياساتها التي أدارت ظهرها لهيئة الأمم المتحدة والدول الكبرى الأخرى، ومن ثم انتقالها إلى دعوتهما لمشاركتها في العراق وفي مشروع "الشرق الأوسط الكبير" كانا نتيجة الفشل والإخفاقات، وأريد منهما إنقاذ الموقف في العراق وفلسطين، والأهم الظهور أمام الناخب الأميركي بأن إدارة بوش غير معزولة عن العالم كما يتهمه منافسه على الرئاسة جون كيري.

لكن من جهة أخرى أخذ البعض يشيع قراءة مغلوطة للوضع الدولي موحيا بأن شراكة أميركية مع الدول الكبرى الأخرى انعقدت الآن للضغط باتجاه الإصلاح والديمقراطية في المنطقة، ومن ثم هنالك اتفاق دولي لوضع البلاد العربية تحت الوصاية من جديد لغرض الإصلاح والديمقراطية.

هذا التهويل غير دقيق لأن الدول الكبرى ما زالت بعيدة من أن تتفق وتعمل سويا ضمن أهداف محددة. فأميركا لم تتخل عن إستراتيجية الانفراد وإقامة نظام القطب الواحد، وما فعلته إدارة بوش في التقرب من الدول الكبرى جاء لخدمة معركته الانتخابية أساسا وليس تعبيرا عن نظام دولي جديد أو اتفاقات دولية قيد التنفيذ. فكل دولة ستنفذ على طريقتها، وإدارة بوش ما زالت في موقع التماهي مع حكومة شارون مما يجعل موضوع الإصلاح والديمقراطية غير مقصود لذاته وإنما لابتزاز التنازلات السياسية لحساب المطالب الإسرائيلية، وبعد ذلك يتبخر شعارا الإصلاح والديمقراطية.
_________
كاتب فلسطيني

المصدر : غير معروف