منشآت النفط العراقي (أرشيف)

بقلم: د. صباح نعوش*

-إيرادات النفط والنفقات العسكرية
-النفط والديون الخارجية
-مشكلة الصناعة النفطية
-أسعار النفط والحرب القادمة
-النفط في مواجهة الأزمة المالية

بعد تقسيم شرق المنطقة العربية بين فرنسا وبريطانيا بموجب اتفاق سايكس-بيكو وجدت الولايات المتحدة نفسها خارج القسمة. حسب وجهة النظر الأميركية لم يكن هؤلاء الحلفاء قادرين على الانتصار في الحرب العالمية الأولى لولا النفط الأميركي. في تلك الفترة كانت الولايات المتحدة أكبر منتج ومصدر للنفط في العالم. ومع ذلك لم تتوقف عن تهديداتها لبريطانيا وفرنسا باستخدام القوة ضدهما إن بقيت شركة نفط العراق حكرا على الأوربيين. واضطر الأوربيون إلى التنازل عن ربع أسهم هذه الشركة لها.


أصبحت الاحتياطيات النفطية للولايات المتحدة البالغة 22 مليار برميل أي 2% فقط من الاحتياطيات العالمية المؤكدة تتناقص باطراد رغم امتلاكها أحدث الأساليب والمعدات التكنولوجية وتوفرها على أعلى القدرات الاستثمارية

في الوقت الحاضر أصبحت الاحتياطيات النفطية للولايات المتحدة البالغة 22 مليار برميل أي 2% فقط من الاحتياطيات العالمية المؤكدة تتناقص باطراد رغم امتلاكها أحدث الأساليب والمعدات التكنولوجية وتوفرها على أعلى القدرات الاستثمارية. باتت أكبر مستورد للنفط ولكن لديها أقوى ترسانة عسكرية. كيف والحالة هذه تتردد بشن حرب على أي دولة تعتقد أنها تهدد مصالحها خاصة إن كانت غنية بالنفط ومعادية لإسرائيل. وإذا كانت الولايات المتحدة ولا تزال تدافع عن مصالحها بالسلاح إن اقتضى الأمر فإن العراق استخدم الإيرادات النفطية للتسلح فدمر مصالحه.

في السبعينيات كان البنك العالمي يصنف العراق ضمن الدول ذات الدخل الفردي المتوسط الواقعة في الشريحة العليا مع إمكانية الانتقال إلى الفصيلة التالية للدول ذات الدخل المرتفع. فالعراق ثاني اكبر بلد نفطي في العالم تبلغ احتياطياته المؤكدة 115 مليار برميل أي نحو 11% من الاحتياطيات العالمية. بسبب هذه المكانة اعتمدت الأنشطة الاقتصادية وكذلك المالية الداخلية والخارجية اعتماداً أساسيا على العوائد النفطية. وقد جرت العادة في السابق على تخصيص نسبة معينة من هذه العوائد للتنمية الاقتصادية. كانت هذه النسبة المحددة بموجب قانون خاص 30% في الخمسينيات ثم ارتفعت تدريجيا لتصل إلى 70% في بداية السبعينيات. أما المبلغ المتبقي فيمول الميزانية الاعتيادية. كما توجد في العراق إمكانات زراعية وصناعية عالية نسبيا وكفاءات علمية وفنية لا يستهان بها.

كانت مالية العراق الداخلية والخارجية سليمة. فإيرادات النفط كافية لتغطية نفقات الدولة وجميع وارداتها المدنية والعسكرية ومدفوعاتها غير المنظورة بل كانت الإيرادات تفوق المصروفات فسنحت الفوائض بتوفير 35,5 مليار دولار. وعلى عكس أموال بلدان الخليج لم تكن الفوائض العراقية مخصصة للاستثمار المباشر بل مودعة في مصارف خارجية وتدر فوائد سنوية بلغت 4200 مليون دولار عام 1979. كان هذا المبلغ وحده كافيا لشراء ما يحتاجه العراقيون من مواد غذائية وأدوية. أما الديون الخارجية فلا يتعدى حجمها ثلاثة مليارات دولار نجمت بصورة خاصة عن تسهيلات رسمية لصادرات الدول الغربية. لا يشكل هذا المبلغ سوى 6% من الناتج المحلي الإجمالي ولا تثير خدمته أي مشكلة. ثم إن العراق كغيره من أقطار الخليج كان يمنح مساعدات للدول العربية والنامية وبالتالي فهو دائن أكثر من كونه مدينا. أما البطالة فغير معروفة بل ممنوعة لأن العمل واجب حسب وجهة نظر المسؤولين العراقيين. وكانت الدولة مستوردة للعمالة العربية والأجنبية. كما لم يتجاوز التضخم 10% وهو معدل مقبول في تلك الفترة التي شهدت موجات تضخمية عالية في عدة دول.

إيرادات النفط والنفقات العسكرية

عراقي يعمل في تركيبات نفطية في حقل الرميلة (أرشيف)
منذ عام 1975 اتجه العراق نحو بناء جيش مزود بأحدث الأسلحة الممكنة الأمر الذي يتطلب رصد أموال طائلة. اتبع إذن سياسة نفطية تعتمد على زيادة الإنتاج مع الضغط على أوبك لرفع الأسعار. كان الوضع العالمي النفطي يسمح بنجاح هذه السياسة نظرا لارتفاع الطلب وانخفاض الإنتاج خارج مجموعة أوبك.

اندلعت الحرب ضد إيران عام 1980 واستمرت ثماني سنوات وأدت إلى تدهور مالية الدولة فتغيرت السياسة النفطية. للوهلة الأولى كان من اللازم الاستمرار بالسياسة السابقة لتمويل العمليات الحربية. لكن المواجهة العسكرية كانت ضد ثاني أكبر مصدر للنفط في العالم بعد السعودية. فالإنتاج الإيراني يعادل ضعف الإنتاج العراقي. في عام 1978 بلغت حصيلة صادرات النفط الإيراني 19 مليار دولار مقابل أقل من عشرة مليارات دولار للصادرات العراقية. استمرار المطالبة برفع الأسعار يحقق إذن مكاسب أكبر لإيران. بدأت الحرب الاقتصادية فاستخدمت الصواريخ العراقية لإصابة الناقلات وتعطيل الموانئ الإيرانية. وسعى العراق إلى التأثير على أسعار النفط باتجاه التدني. وهنا أيضا كان الوضع النفطي العالمي يستجيب لهذه السياسة بسبب هبوط الطلب وارتفاع الإنتاج داخل وخارج أوبك. بالنتيجة النهائية وبصورة تدريجية تغيرت المعطيات المالية للبلدين. ففي عام 1988 انخفضت الإيرادات الإيرانية إلى تسعة مليارات دولار وارتفعت الإيرادات العراقية إلى 11 مليار دولار.

لكن مالية الدولة لا تتحسن بالحروب. فقد ارتفعت بشدة النفقات العسكرية خلال الثمانينيات ولم تعد عوائد النفط كافية لتمويلها. أدت هذه الحرب والمشاكل المالية والسياسية مع سوريا إلى تصدير النفط عبر الأنبوب العراقي التركي فقط خلال السنوات الثلاث الأولى من الحرب. كانت قدرة هذا الأنبوب مليون ب/ي (برميل يوميا) في حين كان من اللازم بيع أربعة ملايين ب/ي على الأقل لمواجهة الأعباء العسكرية المتزايدة. فعلى سبيل المثال، في عام 1983 بلغت عوائد الخام 7816 مليون دولار وبالمقابل وصلت النفقات العسكرية إلى 28596 مليون دولار. لا بد إذن من اتخاذ الإجراءات السريعة لزيادة الصادرات من بينها استخدام الشاحنات البرية لنقل 200 ألف ب/ي إلى مرفأ الإسكندرونة التركي وميناء العقبة الأردني. أدى هذا الإجراء إلى تحسن عوائد النفط لتصل إلى 9354 مليون دولار عام 1984. غير أن تصاعد العمليات الحربية قاد إلى تزايد النفقات العسكرية فبلغت في تلك السنة 31590 مليون دولار. وهكذا تقرر زيادة قدرة الأنبوب العراقي التركي وبناء أنبوب عبر الأراضي السعودية. وعندما انتهت الأشغال التي كلفت 2,9 مليار دولار، هبطت أسعار النفط في السوق العالمية وبالتالي لم يستطع العراق طيلة فترة الحرب تمويل نفقاته العسكرية عن طريق النفط.

بين عام 1981 وعام 1988 حصلت الدولة على إيرادات نفطية بمبلغ 77,6 مليار دولار في حين صرفت 166,1 مليار دولار للدفاع والأمن. أي لم تعد هذه الإيرادات تغطي سوى 47% من النفقات العسكرية. بهدف معالجة هذه الفجوة والحصول على الأموال اللازمة لاستيراد المواد الغذائية والأدوية لجأت الدولة إلى السحب من أرصدتها الخارجية التي نفذت خلال فترة لا تتعدى أربع سنوات. فقد انتقل حجمها من 35,5 مليار دولار في منتصف عام 1980 إلى 0,8 مليار دولار في نهاية عام 1983. ومن المعلوم أن مصادر الإيراد الأخرى ضعيفة جدا كصادرات التمر وتحويلات العراقيين المقيمين بالخارج والسياحة الدولية. وهكذا لجأ العراق إلى التمويل الخارجي فارتفعت ديونه. فالعراق كغيره من البلدان العربية لم يقترض لأغراض التنمية بل لشراء الأسلحة وتمويل العمليات الحربية.


انتهت الحرب ضد إيران وضعف الطرفان المتحاربان وتحقق للغرب ما يصبو إليه، وانقطعت القروض الخارجية الجديدة وهبطت بشدة أسعار النفط فظهرت أزمة اقتصادية خانقة، بدأت الحالة الاقتصادية للمواطنين تتدهور بعد أن كانت الآمال معقودة على العودة إلى الحياة المدنية وإلى الرفاهية والأمن
انتهت الحرب ضد إيران وضعف الطرفان المتحاربان وتحقق للغرب ما يصبو إليه. انقطعت القروض الخارجية الجديدة وهبطت بشدة أسعار النفط فظهرت أزمة اقتصادية خانقة. بدأت الحالة الاقتصادية للمواطنين تتدهور بعد أن كانت الآمال معقودة على العودة إلى الحياة المدنية والرفاهية والأمن. لم يعد بالإمكان استيراد مواد غذائية كافية كما كان الحال وقت الحرب. لا يمكن سداد الديون أو إعادة بناء ما خرب في ظل مالية مهزوزة. باتت الدول تطالب بديونها. فقدت الثقة بقابلية الدولة على الدفع وأصبحت الشركات المتعاملة مع العراق تستوجب سداد مبالغ العقود الجديدة مقدما. انتهت حاجة الغرب لتقوية القدرة العسكرية العراقية بل اتجهت الأنظار نحو إضعافها لتدعيم أمن إسرائيل.

حاول العراق العودة إلى سياسة السبعينيات (زيادة الإنتاج ورفع الأسعار) لكن الوضع النفطي العالمي لم يحالفها هذه المرة. رفضت بلدان الخليج تقليص إنتاجها لصالح العراق وبات البلد في مأزق مالي كبير لم يكن معروفا حتى خلال الحرب ضد إيران فاحتل الكويت. عندئذ ارتفعت الأسعار من 18 دولارا للبرميل إلى 40 دولارا. استفادت جميع الدول النفطية من هذا الارتفاع باستثناء العراق الذي اصبح خاضعا لحصار دولي من ناحية ومدينا من ناحية أخرى.

النفط والديون الخارجية

يمكن تقسيم ديون العراق إلى ثلاثة أقسام:
ديون مصرفية. قيمتها 14 مليار دولار ناجمة عن قروض تجارية عقدت مع عشرات المؤسسات المالية وتتسم بارتفاع أسعار الفائدة وقصر مدتها..
وديون عسكرية. قدرها 29 مليار دولار ترتبت بسبب مشتريات من روسيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا.
وديون خليجية.
قدرها 41 مليار دولار. 27 مليار دولار بشكل قروض نقدية و14 مليار دولار بصورة مبيعات نفطية لصالح العراق.

بسبب حرب الناقلات خلال الحرب ضد إيران لم يستطع العراق تصدير النفط عبر الخليج. فوقع اتفاق عام 1983 مع السعودية والكويت لبيع لصالح العراق 200 ألف ب/ي من النفط السعودي و 125 ألف ب/ي من النفط الكويتي. تسلم الإيرادات للعراق على أن تسدد لاحقا ببيع كميات مماثلة من النفط العراقي لفائدة السعودية والكويت. وتجدر الإشارة إلى صعوبة تحديد الديون الخليجية بصورة دقيقة نظرا لعدم وجود إحصاءات حولها. فالأرقام المذكورة أعلاه تقديرية. أضف إلى ذلك أن مبلغ مبيعات النفط لم يحدد في الاتفاق. إذ لا يطلب من العراق سداد 14 مليار دولار بل أن يبيع في وقت لاحق وملائم 200 ألف ب/ي لصالح السعودية و125 ألف ب/ي لصالح الكويت إلى أن يتم سداد الحجم الكلي للمبيعات. وعلى هذا الأساس، ينبغي دفع 14 مليار دولار إن تعادلت أسعار النفط في فترة السداد قياسا بفترة التمويل. وبالتالي يرتفع الدين أو ينخفض تبعا لهذه المعادلة ومن دون فوائد.

مصفاة تكرير نفط توقفت إثر وقف العراق تصدير النفط احتجاجاً على قرار الأمم المتحدة بتمديد القرار النفط مقابل الغذاء لمدة خمسة أشهر (أرشيف)
في نهاية الثمانينيات كان العراق يدفع حوالي سبعة مليارات دولار سنويا لخدمة ديونه أي 64% من حصيلة صادراته الكلية وهي نسبة مرتفعة جدا لا يتحملها أي اقتصاد حتى لفترة قصيرة. عندئذ أبرم البلد عدة اتفاقات مع الدول والمؤسسات المالية الدائنة لإعادة جدولة ديونه المستحقة. وعلى اثر أزمة الكويت توقف العراق عن السداد. إذ لا توجد في قرارات مجلس الأمن أي إشارة إلى ضرورة الوفاء بالالتزامات المالية الناجمة عن حرب الخليج الأولى. وهكذا تراكمت متأخرات السداد لتصل حاليا إلى 40 مليار دولار. يصبح إذن الحجم الكلي لديون العراق حوالي 126 مليار دولار أي 152% من الناتج المحلي الإجمالي. وبذلك يحتل العراق المرتبة العربية الأولى من حيث حجم ديونه الخارجية.

لكن الأزمة المالية لا تتوقف عند هذا الحد بسبب الالتزامات المالية المفروضة عليه بموجب قرارات مجلس الأمن المتعلقة بالتعويضات عن احتلال الكويت والبالغة 240 مليار دولار (ذكر هذا الرقم في التقرير الاقتصادي العربي الموحد الصادر عام 1992 عن الأمانة العامة لجامعة الدول العربية). أضف إلى ذلك نفقات الحرب المقبلة التي ترمي الولايات المتحدة شنها والتي ستعتبر دينا على العراق إن تغير نظام الحكم واستقرت حكومة ببغداد موالية لواشنطن. ويتوقع أن تصل هذه النفقات إلى أكثر من 100 مليار دولار. ستدفع الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان جزءها الأكبر. وبسبب الحرب القادمة سيتعين إعادة تعمير البلد بمبلغ مماثل على الأقل.

يرى البعض أن الولايات المتحدة ستقدم المساعدات اللازمة للخروج من المأزق المالي شريطة إسقاط نظام الحكم ببغداد. والواقع، أن هذا الاعتقاد نجم عن رؤية ضيقة للعلاقات الدولية الأميركية وعن غياب تحليل المشاكل الاقتصادية التي تعاني منها الولايات المتحدة. فقد دلت التجارب أن مساعداتها تحكمها عدة شروط منها محاباة شركاتها وتقديم تسهيلات عسكرية لجيوشها وعقد معاهدة سلام مع إسرائيل تتباهى فيها الانتخابات وكذلك دعم مواقفها في المحافل الدولية ونقل نمط حياتها الاجتماعية. وبغض النظر عن هذه الشروط فإن المساعدات الأميركية محدودة ولا توجد نية لزيادتها بسبب المشاكل المالية. الولايات المتحدة أكبر مدين في العالم على الإطلاق وتشكو ميزانيتها الفدرالية وموازينها الخارجية من عجز مزمن. لو وجهت جميع المساعدات الأميركية للعراق لما أمكن معالجة الأزمة. ناهيك عن أن المساعدات ليست هبات بل قروض بشروط ميسرة يجب سدادها لاحقا.

مشكلة الصناعة النفطية

في ديسمبر/ كانون الأول 1991 اتخذ مجلس الأمن القرار رقم 706 القاضي بالسماح للعراق بتصدير كمية من النفط مقابل الغذاء والدواء. ثم اتخذ في أبريل/ نيسان 1995 قرارا آخر رقم 986 الذي رفع حجم الصادرات. وفي الحالتين لم يشرع بالتصدير في الوقت المحدد. وبعد جولات طويلة وعريضة من المفاوضات بين الجانبين العراقي والأممي استغرقت أكثر من سنة وضعت الترتيبات النهائية لتطبيق القرار رقم 986 في نهاية نوفمبر/ تشرين الثاني 1996. ولا يخفى على أحد الفرحة الكبرى التي غمرت العراقيين بعد معاناة دامت أكثر من ست سنوات. ولكن سرعان ما تبددت الفرحة عندما تبين أن هذه الكمية من النفط لا تكفي للغذاء ناهيك عن تعثر تطبيق القرار المذكور.

ينقسم برنامج النفط مقابل الغذاء إلى فترات. كل فترة تستغرق 180 يوما. ويبين الجدول التالي (مقتبس من نشرات مكتب برنامج العراق التابع للأمم المتحدة) حجم وقيمة الصادرات النفطية حسب كل مرحلة خلال الفترة الواقعة بين 10 ديسمبر/ كانون الأول 1996 (بداية المرحلة الأولى) و26 أبريل/ نيسان 2002 (نهاية المرحلة الحادية عشرة).

المرحلة

مليون برميل

مليون دولار

الأولى

120

2150

الثانية

127

2125

الثالثة

182

2085

الرابعة

308

3027

الخامسة

361

3947

السادسة

390

7402

السابعة

343

8302

الثامنة

376

9564

التاسعة

293

5638

العاشرة

300

5350

الحادية عشرة

207

3930

المجموع

3007

53520

في المراحل الأولى والثانية والثالثة لم يوافق مجلس الأمن على تخصيص أي مبلغ للصناعة النفطية العراقية. وغني عن البيان أن قطع الغيار ضرورية جدا ودونها تتدهور الصناعة النفطية وينخفض إنتاجها. ويختلف حجم المبالغ الذي يتعين رصده لهذه الصناعة حسب الدول. في بعض مناطق الولايات المتحدة يصل المبلغ إلى عشرة دولارات للبرميل الواحد وينخفض إلى خمسة دولارات في أوروبا. أما في بلدان الخليج والعراق فيتطلب إنتاج البرميل إنفاق 1,25 دولار. يوزع هذا المبلغ على عدة أبواب أهمها كلفة الإنتاج وتطوير إنتاجية الحقول القديمة واكتشاف حقول جديدة وإصلاح المنشآت.

إن رفض مجلس الأمن في المراحل الثلاث المذكورة يفسر تعثر الإنتاج حيث بلغ على التوالي 1,3 و 1,4 و 2,0 مليون ب/ي أي بمعدل يقل عن نصف قدرة البلد. لم يجد المجلس حكمة من الموافقة على تزويد العراق بقطع الغيار مادامت قراراته في تلك الفترة تضع حدا أعلى لقيمة الصادرات بملياري دولار. ويلاحظ أن حجم الإنتاج في المرحلة الثالثة ارتفع بنسبة 55% مقارنة بالمرحلة الأولى في حين هبطت قيمة الصادرات بنسبة 3%. ويعود السبب الأساس إلى تراجع أسعار الخامات في السوق العالمية. خلال هذه الفترات الثلاث اتضح أن الإيرادات المسموح بها لا تكفي لتمويل برنامج النفط مقابل الغذاء و"التعويضات". كما يشجع هذا الأمر على بيع النفط خارج نطاق هذا البرنامج. إذ لم يعد خافيا على أحد أن العراق يبيع كميات من النفط بأسعار منخفضة عبر الخليج وتركيا وإيران.

أما الصادرات إلى الأردن فلها وضع خاص، بعد توقف الإمدادات السعودية للأردن في سبتمبر/ أيلول 1990 أصبح العراق يصدر النفط له بموجب اتفاقات ثنائية تتجدد سنويا. في عام 2001 استورد الأردن 36.5 مليون برميل (منها 29,2 مليون برميل من الخام و7,3 ملايين برميل من المنتجات المكررة). بلغت القيمة الكلية لهذه المبيعات 763 مليون دولار. وتنقسم إلى قسمين. أولهما تجاري بقيمة 450 مليون دولار وثانيهما مجاني بقيمة 313 مليون دولار. وقد جرت العادة بين البلدين منذ عام 1991 على هذا التقسيم وعلى تحديد السعر التجاري للبرميل. ولا توجد اعتراضات دولية على هذه الاتفاقات رغم أن بعض الدبلوماسيين يضعونها في قائمة "المبيعات غير المشروعة الممكن قبولها".

في المرحلة الرابعة سمح مجلس الأمن برصد 300 مليون دولار تقتطع من حساب العراق لتمويل مستلزمات الصناعة النفطية فارتفع الإنتاج بنسبة 157% وازدادت قيمة الصادرات بنسبة 41% قياسا بالمرحلة الأولى. ووافق المجلس على مبلغ مماثل للمرحلة الخامسة. ثم طلب الأمين العام للأمم المتحدة مضاعفة المبلغ. ولم يتبن المجلس هذا الطلب إلا في نهاية الثلث الأول من عام 2000 (قراره رقم 1293) حيث خصص 564 مليون دولار (600 مليون يورو) على أن توافق لجنة العقوبات على كل عملية شراء لقطع الغيار والمواد الأخرى.

لا تقتصر المشاكل إذن على اتخاذ القرارات بل تشمل أيضا تطبيقها الفعلي. هنالك عقود كثيرة لم تنفذ بسبب معارضة أو مماطلة لجنة العقوبات بحجة أو بأخرى كالاستخدام المزدوج للمواد والمعدات أو دون حجة. وتتخذ هذه اللجنة قراراتها بالإجماع أي يحق لأي دولة ممثلة فيها استخدام الفيتو دون تقديم مسببات. لا توجد فيها قواعد واضحة لسير الأعمال وليست ملزمة باتخاذ القرارات خلال فترة زمنية محددة. إنها المؤسسة الوحيدة في الأمم المتحدة التي تعمل على هذا النحو. لذلك لم تصل إلى العراق قطع الغيار بالمبالغ التي تمت الموافقة عليها في مجلس الأمن. حسب تقارير وزارة النفط العراقية أنتج البلد خمسة مليارات برميل بين أغسطس/ آب 1990 ويونيو/ حزيران 2000. في هذه الفترة تمت الموافقات على شراء معدات للصناعة النفطية بمبلغ 1,8 مليار دولار.

وبعملية حسابية بسيطة نستنتج أن المبلغ المخصص للبرميل الواحد 0,36 دولار أي 29% فقط من المبلغ اللازم للصناعة النفطية العراقية (1,25 دولار). يضطر البلد إذن إلى الاعتماد على وسائل أخرى للحصول على قطع الغيار منها استخدام بعض إيرادات الصادرات الخارجة عن قرارات مجلس الأمن والاتفاق مع شركات أجنبية (روسية خاصة) مقابل امتيازات تجارية. ورغم هذه الوسائل لا تزال الصناعة النفطية العراقية تحتاج إلى إعادة بناء وتطوير، بل سيصيبها ضرر فادح إن قررت الولايات المتحدة توجيه ضربة عسكرية.

أسعار النفط والحرب القادمة


حال إطلاق الرصاصة الأولى سترتفع أسعار النفط في السوق العالمية ليصل سعر البرميل إلى 40 دولارا تقريبا. سيتوقف العراق نهائيا عن تصدير النفط لأسباب خارجة عن إرادته. لكن العرض على المستوى العالمي لن يهبط إذ سرعان ما يعوض هذا النقص بزيادة الإنتاج في دول أخرى كالسعودية

إضافة إلى المؤسسات العسكرية والحيوية وانطلاقا من تجارب حربي الخليج الأولى والثانية ستكون المنشآت النفطية خاصة الحقول مستهدفة في الحرب القادمة، حال إطلاق الرصاصة الأولى سترتفع أسعار النفط في السوق العالمية ليصل سعر البرميل إلى 40 دولار تقريبا. سيتوقف العراق نهائيا عن تصدير النفط لأسباب خارجة عن إرادته. لكن العرض على المستوى العالمي لن يهبط إذ سرعان ما يعوض هذا النقص بزيادة الإنتاج في دول أخرى كالسعودية. وهنالك تأكيدات مستمرة من جانب أوبك بهذا الصدد. كما أن الطلب العالمي لن يرتفع في فصل الشتاء (إن اندلعت الحرب في مطلع العام القادم) لأن البلدان المستوردة ستستخدم خزينها الإستراتيجي. ويتم السحب من هذا الخزين في الظروف الاستثنائية وفي مقدمتها الحروب. سيتأتى ارتفاع الأسعار من المضاربات والعوامل النفسية فقط كما حدث خلال أزمة الكويت. بيد أن مستوى الأسعار سيعتمد على مجرى ومدة وخاصة هدف العمليات العسكرية.

على افتراض استمرار الحرب حتى يتغير نظام الحكم في العراق ستكون الحقول الكويتية والسعودية مستهدفة. إذا نجح العراق بإشعال النار في بعض هذه الحقول سوف يصل سعر البرميل إلى اكثر من 100 دولار. لأن الأمر لم يعد يقتصر على المضاربات والعوامل النفسية بل يشمل أيضا الإمدادات النفطية. ستتضرر مصالح الدول الصناعية الكبرى حيث سينعكس هذا الارتفاع مباشرة على تجارتها الخارجية وعلى المستهلكين. ولا يمكن مواجهة هذه المشكلة وبصورة جزئية إلا عن طريق تقليص الضغط الضريبي المفروض على استهلاك المنتجات النفطية. سيؤدى هذا التقليص إلى هبوط إيرادات الميزانيات العامة التي تعاني أساسا من عجز مزمن. عندئذ ستهبط القيم التعادلية للعملات الرئيسية وسترتفع أسعار الفائدة في الأسواق المالية وسيهبط حجم الاستهلاك ويرتفع بالتالي تباطؤ الاقتصاد العالمي. أما الدول النفطية الخليجية فستكون معاناتها الاقتصادية والبيئية أكبر من ذلك بكثير.

إذا اقتصر التخريب على الحقول العراقية ستكون النتائج مختلفة تماما. يوجد في العراق 74 حقلا نفطيا منتشرة في جميع أنحاء البلاد. هنالك ستة حقول عملاقة يحتوي كل منها على أكثر من خمسة مليارات برميل. و23 حقلا كبيرا (من نصف مليار إلى اقل من خمسة مليارات برميل لكل منها). و45 حقلا صغيرا (أقل من نصف مليار برميل لكل منها). قد يقع التخريب في حقلين. حقل كركوك الذي يمتد إلى أربيل والذي تطالب به الجماعات الكردية. إنه أول حقل عراقي اكتشف في العشرينيات من قبل شركة نفط العراق. كما أنه أكبر حقل حتى الآن. فيه 11 مليار برميل أي أكثر من مجموع الاحتياطيات النفطية في مصر وسوريا وقطر. وحقل الرميلة الواقع قرب الحدود مع الكويت وهو ثاني حقل عملاق في العراق ويحتوي على حوالي عشرة مليارات برميل.

قد يقع التخريب في الأيام الأخيرة من الحرب إذا انتهت حسب المخطط الأميركي. ولا نتوقع أن يؤثر هذا التخريب (حتى وإن امتد إلى جميع الحقول) على الاقتصاد العالمي أو الأسعار. لأن العراق حاليا شبه مستبعد من السوق العالمية ولأن نقص الإنتاج (حوالي ثلاثة ملايين ب/ي) سبق أن تم تعويضه في بداية الحرب. وبالمقابل ستحدث كارثة إنسانية واقتصادية وبيئية يدفع ثمنها الشعب العراقي ولا تقتصر على دخان النفط بل تشمل أيضا مخلفات استخدام أسلحة الدمار الشامل.

النفط في مواجهة الأزمة المالية

آثار الحصار على المنشآت النفطية العراقية
ما دور النفط في مواجهة الأزمة المالية الحالية والمستقبلية؟.. يمكن تصور عدة إجابات تختلف حسب حجم الإنتاج النفطي ومصير العقوبات الدولية واحتمال وقوع حرب جديدة.

  • السيناريو الأول:
    الصادرات النفطية الحالية. من منتصف عام 2001 وحتى منتصف عام 2002 صدر العراق 1176 مليون برميل أي 3,2 ملايين ب/ي. بلغت قيمتها السنوية 24482 مليون دولار. بمعنى أن معدل سعر البرميل 20,8 دولارا. على افتراض استمرار الإنتاج على هذا النحو والإبقاء على العقوبات الدولية سوف نحصل على النتائج التالية: تخصم من المبلغ المذكور 25% للتعويضات و2,2% لتكاليف الأمم المتحدة لإدارة شؤون برنامج النفط مقابل الغذاء و1% لنفقات إدارة الحساب المصرفي العراقي و0,8% لمصاريف لجان التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل. تصبح الحصة الصافية للعراق 17382 مليون دولار سنويا (ضمنها 2260 مليون دولار للمنطقة الشمالية: أربيل والسليمانية ودهوك). إن خصصت نسبة 25% من الحصة الصافية لخدمة الديون الخارجية الناجمة عن حرب الخليج الأولى سوف يتم الوفاء بالديون عام 2031. أما إذا اندلعت حرب جديدة فستضاف ديون جديدة. وبتخصيص نفس النسبة المذكورة أعلاه لن يفي العراق بديونه إلا عام 2077. يلاحظ في الحالتين أن الحكومة المركزية لا تحصل بعد خصم مبالغ التعويضات والديون القديمة والمستقبلية ومخصصات المنطقة الشمالية إلا على 11341 مليون دولار أي 46% من قيمة الصادرات النفطية.
  • السيناريو الثاني:
    مضاعفة الصادرات لتصل إلى ستة ملايين ب/ي. على افتراض ثبات أسعار السوق (20,8 دولارا للبرميل) سوف تصل الإيرادات النفطية السنوية إلى 45,5 مليار دولار.
    من حيث الصناعة النفطية البحتة لا توجد عقبات أمام رفع الإنتاج إلى هذا المستوى. فقد كان البرنامج الحكومي يهدف إلى ذلك قبل أزمة الكويت. حسب التقديرات المتعارف عليها، للعراق احتياطيات نفطية مؤكدة تبلغ 115 مليار برميل بل أكثر بكثير من هذا الحجم الهائل وفق تخمين مؤسسات نفطية كبرى. فعلى الرغم من حداثة هذه التقديرات التي تعود إلى الربع الأول من العام الماضي فإنها لم تشمل حقول الصحراء الغربية. حسب رأي بعض الخبراء يصل الاحتياطي العراقي المؤكد إلى 186 مليار برميل. سوف لا تتردد الشركات العالمية في تمويل الاستثمارات اللازمة لزيادة القدرة الإنتاجية بسبب أهمية الاحتياطيات غير المستغلة وانخفاض كلفة إنتاج البرميل في اغلب الحقول.

لا بد من استبعاد احتمال إبقاء العقوبات ومضاعفة الإنتاج. إذ تتطلب زيادة الإنتاج على هذا النحو إعادة بناء البنية التحتية النفطية واستغلال حقول جديدة في الصحراء الغربية وتحسين إنتاجية الحقول القديمة باستثمارات تقدر بحوالي 21 مليار دولار. لا يتوفر العراق على هذا المبلغ ولا يستطيع التصرف بأمواله المودعة في حساب خاص يشرف عليه الأمين العام للأمم المتحدة. ولا يمكن للشركات المخاطرة بهذا المبلغ تحت ظروف الحصار. لذلك فإن جميع العقود الكبيرة المبرمة مع هذه الشركات تعلق استثماراتها على إنهاء الحصار.

أضف إلى ذلك أن إنتاج ستة ملايين ب/ي يعني استحواذ العراق على حوالي ربع الصادرات الكلية لأوبك الأمر الذي يثير معارضة البلدان النفطية. وبالتالي ستتطلب مصالح العراق الخروج من هذه المنظمة. وعلى هذا الأساس لا يتصور إنتاج ستة ملايين ب/ي إلا بعد رفع الحصار كليا. ولا يتم ذلك وفق الحسابات الأميركية إلا بتغيير نظام الحكم بالقوة العسكرية. بمعنى أن إمكانية مضاعفة الإنتاج لا تتحقق إلا بعد أن تضاف نفقات الحرب القادمة ومصروفات التعمير إلى الديون القديمة وتعويضات حرب الخليج الثانية. سيصبح الحجم الكلي لالتزامات العراق المستقبلية حوالي 550 مليار دولار على أقل تقدير. وبتخصيص ربع الصادرات النفطية لخدمة هذه الديون لن يتحرر البلد من التزاماته إلا عام 2050. ستتحمل الأجيال القادمة أعباء مالية لم تكن مسؤولة عنها. وعلى افتراض الوفاء بجميع الالتزامات المالية لن يعود الاقتصاد العراقي بعد خمسين سنة لمستوى أدائه قبل ثلاثين سنة.

لم تستطع الإيرادات النفطية العراقية تمويل الإنفاق العسكري ضد إيران. ولم تستطع إطعام العراقيين بل حتى توفير الطاقة الكهربائية لهم. ولن تكون مساهمتها سريعة بتعمير البلد من الدمار الذي لحق به منذ أكثر من عشرين سنة. ولكن لا يعود السبب في جميع هذه الحالات إلى ضعف هذه الإيرادات بل إلى استخداماتها. لم تحاول السياسات الاقتصادية استغلال العوائد النفطية لبناء اقتصاد متين يمكنه على الأقل تحقيق الاكتفاء الغذائي الذاتي. ولم تستثمر أموال النفط في مشاريع مفيدة بالداخل ومجدية بالخارج. ولن يتغير الحال إلا بعد تبني سياسة اقتصادية ومالية ملائمة وعودة العراق للصفين العربي والدولي.

______________
*باحث اقتصادي عراقي مقيم في فرنسا

المصدر : غير معروف