بقلم/ منير شفيق*

لو جمعنا ما قيل في مديح العولمة أواسط التسعينات لخرجنا بديوان "حماسة" دونه حماسة أبي تمام أو حماسة البحتري. ولكن للأسف لم يعد أحد من شعراء العولمة يقول شعراً جديداً أو حتى يجرؤ على استعادة ما قاله فيها من قبل.


رغم تناقض مواقف الدول الغنية مع روحية اتفاقات التجارة ورغم حرج موقفها حسب مقاييس العدالة، فقد أصرت على عدم التراجع ولم تعبأ بفشل مؤتمر كانكون
والسبب -في غاية البساطة- مرجعه إلى النتائج الوخيمة التي ترتبت على كثير من الدول التي شربت كأسها حتى الثمالة، مثل الأرجنتين أو بلدان أفريقيا التي ازدادت تخلفاً وفقراً.

وانطبق هذا حتى على النمور الآسيوية التي فقدت كما يبدو مخالبها وأنيابها، عدا ماليزيا التي انتهجت طريقاً أقرب ما يكون إلى الطريق الاستقلالي حيث رفضت قروض صندوق النقد الدولي، وقررت شد الأحزمة على البطون والاعتماد على الذات لتخرج من الأزمة.

وقد أثبتت النتائج أنه كان الأقرب إلى النهج السليم، وهذا ما أقر به رئيس وزراء تايلند تاكسين شيناواترا الذي أعلن أن بلاده "لن تقع فريسة مرة أخرى لقوى رأس المال الأجنبي أو تلجأ إلى مساعدة صندوق النقد الدولي".

ثمة مجموعة من الحقائق برزت خلال السنوات العشر الماضية أسكتت شعراء العولمة، فقد تبين أن الطريق ليس باتجاهين وإنما له اتجاه واحد، بمعنى أن رفع الدعم عن الاقتصاد المحلي وفتح السوق بلا قيود للاستثمار الخارجي وللتجارة الخارجية، مطلوب من البلدان النامية وليس مطلوباًُ من البلدان المتقدمة صناعياً والأغنى، لا سيما فيما يتعلق بما تقدمه من دعم لمزارعيها.

وقد سنت الولايات المتحدة قوانين ضد إغراق السوق ودعمت التصدير بالإعفاء من الضرائب، ورفعت تعرفة الفولاذ إلى 35%، الأمر الذي أفقد قدرة مزارعي العالم الثالث على المنافسة والدخول إلى أسواق البلدان الغنية.

فدعم مزارعي البلدان المتقدمة الأغنى -وإن لم تصل نسبتهم العالمية 3 %- بما يزيد على 300 مليار دولار سنوياً، جعل من مقولات العولمة التي بيعت للبلدان النامية حول السوق العالمية الواحدة والمنافسة الحرة البعيدة عن تدخل الحكومات ودعمها، أكذوبة كبرى. وبمعنى آخر، تبين أن ثمة معيارا مزدوجا فيما يتعلق بمجال الزراعة.

لقد تولد عن هذه المعادلة وضع بالنسبة إلى مزارعي البلدان النامية (الذين يشكلون 97% من مزارعي العالم) أسوأ من السابق، مما كاد يهدد بدمار شبه كامل حين يضاف إلى سلبيات رفع الجمارك وفتح الأسواق لعبور البضائع والاستثمارات، فكانت النتيجة إفلاس مئات وآلاف المصانع والمؤسسات الوطنية التي فقدت ما كانت تتمتع به من حماية.

من هنا ندرك حدة المواجهة التي حدثت في مؤتمر كانكون بالمكسيك بين دول الشمال ودول الجنوب بسبب ما تقدمه الأولى من دعم لمزارعيها.

فرغم تناقض مواقف الدول الغنية مع روحية اتفاقات التجارة (اتفاق تريبس الذي قامت على أساسه منظمة التجارة العالمية)، ورغم حرج موقفها من الزاوية الإنسانية أو بمقاييس العدالة والتعاون الدولي، أصرت -وبعناد عجيب- على عدم التراجع قيد أنملة أو الدخول في مساومة جادة، ولم تعبأ بفشل المؤتمر ولم تحاول إنقاذه.


أصبحت مسألة تضامن بلدان العالم الثالث قضية حياة أو موت في مواجهة ما يعرض من اتفاقات جديدة في منظمة التجارة العالمية، أو في المنظمة العالمية لحقوق الملكية الفكرية
التفسير الوحيد لهذا العناد، إلى جانب عنصر الشره لجني أقصى الأرباح على حساب فقراء العالم، يرجع إلى الرهان على شق صفوف دول العالم الثالث، ولا سيما مجموعة الـ21 التي تزعمتها البرازيل والهند والصين كما كان الحال في المفاوضات التي سبقت اتفاق تريبس، أو كما حدث قبل توقيع اتفاق 29/8/2003 حول الأدوية النوعية عندما انقلب موقف وفود موزمبيق ومصر وجنوبي أفريقيا والمغرب وبعض الدول الأخرى, وضغطوا على الدول التي رفضت توقيع الاتفاقية بسبب ما احتوته من شروط تعجيزية جعلت ما قدم من تراجع لتوفير الأدوية بأسعار رخيصة أو الإفادة من إنتاج مواز بلا ترخيص براءة، أصعب من ذي قبل. ولولا هذا الضغط لما مرت الاتفاقية المجحفة.

في الحقيقة أصبحت مسألة تضامن بلدان العالم الثالث قضية حياة أو موت في مواجهة ما يعرض من اتفاقات جديدة في منظمة التجارة العالمية، أو في المنظمة العالمية لحقوق الملكية الفكرية.

فبداية يجب أن يحقق هذا التضامن إفشالاً للإملاءات وفرض اتفاقات ظالمة غير متوازنة كما حدث في مؤتمري الدوحة وكانكون، ومن قبلهما في سياتل (في هذا المؤتمر كانت المشكلة أميركية أوروبية أساسا).

وإذا ما فقدت أميركا ومعها أوروبا واليابان الأمل في تمزيق صفوف هذا التضامن فسيكون ثمة طريقان: إما التعقل وقبول مساومة شبه عادلة، ولا نطمح أن تكون عادلة تماما، وإما طي صفحة عولمة التسعينات والبحث عن صيغ أخرى.

الجانب الثاني الذي لا يقل خطورة عن الدعم الذي تقدمه الدول الغنية لمزارعيها يتمثل في اتفاقية "المنظمة العالمية لحقوق الملكية الفكرية التي تسللت إلى أكثر الدول التي انضمت إليها عن طريق الاحتيال حين حصرها البعض بمحاربة القرصنة التي يتعرض لها الكتاب والإنتاج الفني، أو عن طريق لجان الخبراء ذوي الاتجاه الواحد (مصلحة الشركات متعددة الجنسية) وما يصدرونه من تقارير مطولة لا تقرأ.

وهنالك سلسلة من الأساليب المراوغة أو غير المستقيمة التي يمكن التوسع فيها، حيث أصبح تمرير الاتفاقات الدولية مع أغلبية الدول فناً قائماً بذاته في التضليل والتعجيز والسرية.

فعلى سبيل المثال عندما طلب البرلمان الأوروبي الاطلاع على بعض الاتفاقات قبل المفوض الأوروبي باسكال لامي أن يضعها في غرفة بحيث يسمح لممثل واحد عن كل كتلة برلمانية الاطلاع عليها، ولكن مع عدم السماح بتصويرها أو حتى كتابة ملاحظات. أضف إلى ذلك التعجيز في تقديمها من خلال مئات الصفحات، والكثير من الاصطلاحات الجديدة والمعقدة.

هنا، المهم الانتباه إلى عنصر أساسي يتعلق بالبراءات التي تعطى للاختراع والتكنولوجيا وللبحوث البيولوجية، لا سيما المتعلقة بالأدوية تحت مظلة حقوق الملكية الفكرية، وبحجة تشجيع البحث والاختراع والتطوير من خلال إعطاء براءة حماية تنتهي بأرباح خيالية.

فهذا هو الجانب الأخطر والجوهري في موضوع حقوق الملكية الفكرية وليس القرصنة التي كانت القوانين الجزائية تحاسب عليها أيضا لو شدد في طبيعتها.

هنالك عنصران صارخان يمكن التركيز عليهما في موضوع براءة الحماية لكل اختراع وتكنولوجيا جديدة، ولكل خطوة في البحوث المتعلقة بالتكنولوجيا البيولوجية. فإعطاء براءة حماية تعني باختصار شديد احتكارا حصريا لمدة قد تمتد إلى 20 أو 15 عاما، الأمر الذي يترك لصاحبه -وفي الغالب الأعم للشركات المتعددة الجنسية- أن يفرض بقوة القانون عدم تقليده صناعيا أو الوصول إليه بحثيا، إذ يدخل في نطاق السرية، كما يسمح له بوضع الأسعار الخيالية التي لا حد عليه في تحديدها مادام الحكم الأوحد هو السوق والمنافسة.

هذا يعني أن تطور البلدان النامية وحتى تطور عدد من البلدان المتقدمة أصبح معرقلا إذ كانت فرصه من قبل أفضل.


ستشهد السنوات القليلة القادمة مواجهات عالمية ضد الاتفاقيات الدولية التي أبرمت أو التي هي قيد الإبرام لأن مستقبل الإنسانية أصبح متوقفا على وضع حد لما فرضته عولمة التسعينات على العالم

ولنتذكر أن كل التطور الصناعي الذي حققته الولايات المتحدة نفسها قام على التقليد للصناعة والتكنولوجيا البريطانية، وكذلك كان الشأن بالنسبة إلى اليابان والنمور الآسيوية، أو قل الغرب عموماً، الأمر الذي ينسف ذلك الرأي السطحي الشائع بأننا نعيش في عصر المعرفة المعممة في زمن الإنترنت.

لأن من المهم أن ندرك ما هي المعرفة التي أصبح الوصول إليها سهلاً، وتلك التي أصبح الوصول إليها محالاً، والأخيرة هي التي تقرر مصير التطور العالمي وليست الأولى.

العنصر الثاني نشأ مع البراءات التي راحت تعطى للأدوية النوعية المتعلقة بعلاج أمراض الإيدز والسل والملاريا وما شابه ذلك.

وقد أخذت الشركات تفرض أسعاراً لها تزيد 40 إلى 90 ضعفا على حد الربح المعقول والمتوسط أو المبني على أساس التكلفة.

ومن هنا حرم ملايين المرضى من الوصول إلى العلاج، وهدد باللجوء إلى محاكم منظمة التجارة العالمية، ومورست الضغوط الشديدة على البرازيل والهند وجنوبي أفريقيا لمنعها من إنتاج الدواء نفسه بسعر يكاد يكون في متناول الفقراء.

والنتيجة كانت جريمة إنسانية في حق الملايين، خصوصا من الأطفال الذين أصبحوا يموتون والعلاج على رفوف الصيدليات لا يستطيعون الحصول عليه.

والأدهى من ذلك أن جرائم قتل مماثلة أخذت تحدث في الولايات المتحدة نفسها بسبب السرية التي تمنحها البراءات للبحوث التي لم تصل بعد إلى نهاياتها أو مرحلة الإنتاج.

فعلى سبيل المثال أجري بحث حول دواء كالسيوم يتناوله سبعة ملايين أميركي، وتبين أن 60% منهم معرضون للجلطة القلبية التي قد تعرضهم للموت بسببه. ولكن السرية التي تفرضها الشركات كما تسمح البراءات (حقوق الملكية الفكرية) تمنع نشر هذه المعلومات حتى لو كان نتيجة ذلك موت الآلاف. وهنالك أمثلة كثيرة مشابهة ناهيك عن تحول هذه السرية إلى معوق للتطور العلمي نفسه.

ولهذا يمكن القول فيما يخص دعم المزارعين كما يخص اتفاقات حقوق الملكية الفكرية إن السنوات القليلة القادمة ستشهد مواجهات عالمية حامية الوطيس ضد الاتفاقيات الدولية التي أبرمت أو التي هي قيد البحث والإبرام، لأن مستقبل الإنسانية أصبح متوقفا على وضع حد لما حاولت عولمة التسعينات فرضه على العالم، ومازال المستفيدون منها (الشركات المتعددة الجنسية وحكوماتها) يدفعون مستقبل بلايين البشر إلى الهاوية، ويتسببون في موت الملايين من دون استخدام القنابل النووية أو القتل بالمتفجرات والرصاص.

فالإصلاح أصبح ضرورة فوق كل الضرورات، وهو ما يوجب على نخب العالم الثالث وعلى كل ذوي الضمائر من علماء ونخب في أميركا والغرب أن يصبوا جهودهم في سبيله.
________________
* كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة