* بقلم/ إلياس حنّا

قصف العاصمة العراقية بغداد
يقول تقرير لمؤسسة راند الأميركية (2000) يتناول العامل الديمغرافي وتأثيراته على الصراعات في العالم إن نصف العالم يعيش حاليا في المدن، وإنه منذ الآن وحتى العام 2015 سيصبح في العالم حوالي 20 ميغا-مدينة، أي مدينة فيها أكثر من عشرة ملايين نسمة.

وسيزداد معدل الولادة في دول العالم الثالث، في حين سيستمر تراجعه في الدول المتقدمة. ونتيجة لذلك ستأتي المخاطر من هذه المدن، وستدور الصراعات فيها وحولها، وستصبح ملجأً للإرهابيين. لذلك ستضطر الدول الصناعية عاجلا أم آجلا، للتعامل مع هذه المخاطر الجديدة بأي طريقة. وبسبب النقص في معدل الولادة، ستعتمد الدول الصناعية على التكنولوجيا كحل أساسي (Panacea) للتعويض عن العدد،. أما الدول المتخلفة، فإن الأعداد البشرية متوافرة وبكثرة.

في الوضع العراقي، سيضطر الرئيس بوش للذهاب إلى قلب العاصمة بغداد للإطاحة بالرئيس صدام حسين. فالرئيس العراقي ينصب له كمينا كي يدخل إلى عالم حربي لا يحبه، وذلك لأن العدد متوفر لدى العراق، أما أميركا ورغم حجمها الكبير فإنها تعتمد على التكنولوجيا والنوعية في حروبها.

حرب المدن من بيت إلى بيت
كيف تبدو صورة أرض المعركة حاليا؟

  • تستهدف أميركا القيادة العراقية من خلال قصفها المركز علّها في وقت من الأوقات تستطيع قتل الرئيس صدام، أو علّه يقوم أحد بانقلاب عسكري في الداخل يوفر عليها الحرب.
  • تحاول أميركا التقدم من الجنوب (حتى الآن) لإسقاط المدن والقرى العراقية واحدة تلو الأخرى، ولكن دون التورط بحرب فيها تجنبا للضحايا وضياع الوقت، هادفة الوصول إلى العاصمة بغداد.
  • أما جبهة الشمال فهي تقريبا جامدة، وقد يكون السبب الخلاف الأميركي التركي، أو أن فتح الجبهة قد يأتي عند التعثر في الجنوب، أو أن هناك مفاوضات مع القوى العراقية للاستسلام دون معركة.
  • أما الجبهة الغربية فهي قيد الإعداد، وقد تكون بديلة في وقت ما.

مبدأ الصدمة والرعب
كثر الحديث عن مبدأ "الصدمة والرعب" (Shock & Awe) في مرحلة التحضير للحرب على العراق. وكان كتاب صدر عن الجامعة الوطنية للدفاع NDU في العاصمة واشنطن من تأليف هارلان أولمان (عام 1996)، وتحت عنوان "الصدمة والرعب لتحقيق السيطرة السريعة". ويبدو أن الهدف الرئيسي من إستراتيجية الصدمة والرعب هو تحقيق السيطرة السريعة وضرب إرادة العدو على القتال، وجعله يسعى إلى الاستسلام دون خوض الحرب.

وتتطلب هذه الإستراتيجية الأمور التالية:

  • المعرفة والاستعلام.
  • السرعة القصوى في التنفيذ.
  • البراعة في التنفيذ والسيطرة.

إنها الحرب المتوازية على كل مراكز ثقل العدو دفعة واحدة وبقوة، بحيث لا يستطيع إعادة تنظيم صفوفه استعدادا للحرب أو المعركة الفاصلة.

ماذا يُطبق الآن من هذا المبدأ؟

حتى الآن، قسم صغير فقط، وهو المتعلق بالقصف الجوي المركز على مراكز القيادة السياسية في بغداد. فالأمل الأميركي هو أن تتطابق معلوماتها عن مكان تواجد الرئيس صدام كي ترسل صاروخا ذكيا للقضاء عليه. هذا بالفعل ما حاولته عند بدء الحرب. يريد الرئيس بوش أن تبدو الحرب وكأنها عمليّة خيريّة للعراقيّين، أي أنه يحرّرهم من الرئيس صدّام. لذلك هو يقصف، ويريد أن يُشعر العراقيّين بأنهم غير ملزمين بالتوقف عن الذهاب إلى أعمالهم ومدارسهم. فالكهرباء موجودة، وكل البنى التحتيّة لن تضرب.

وباختصار، يريد الرئيس بوش أن يعتمد على الأسلحة الذكيّة المستعملة من قبل القوى الجويّة لتنفيذ وتحقيق سياسته الخارجيّة. يريد حربا عن بُعد، ونظيفة، وهذا غير مألوف في تاريخ الحروب البشريّة. وهو يعتمد على تجربة عسكره الغير بعيدة في الزمن، حيث استطاعت القوى الجويّة الأميركيّة من تحقيق الأهداف السياسيّة بواسطة الاعتماد فقط على مبدأ "الصدمة والرعب". لكن الحروب لا تتشابه سوى في الموت، فلكل منها ظروفها الخاصة، السياسيّة والإستراتيجيّة، لذلك لابد من التمييز. فالحرب عادة لا تنتج خاسرا ورابحا هكذا وبكل بساطة، فالمنتصر هو منتصر لكنه جريح أيضا.

كيف يفكر بوش؟
هل يفكر الرئيس بوش خطّيا (Linear)؟ نعم، لكن لماذا؟

يريد حربا خيريّة، نظيفة، يستسلم فيها العدو فقط لأن أميركا قوّة عظمى. وهو يخوض الحرب، والعالم والقانون الدولي ضدّه، والكلّ ينتظره ليقع فريسة تفكيره البسيط. وهو لاعب شطرنج فاشل يقوم بحركة بسيطة، ويأمل ويُصلّي أن يخطئ الآخر ليكسب الجولة، وذلك بدل أن يقوم بخطوات تحضيريّة مدروسة تجبر الآخر على الاستسلام.

فبوش في حربه هذه -مقارنة مع هذا التشبيه- يقصف القيادة العراقيّة التي يمكن أن تتواجد في أماكن عددها تقريبا محدود. ويخوض اجتياحه السهل من الجنوب بحذر، آملا هكذا وببساطة أن يقوم قائد عراقي بانقلاب على الرئيس صدّام أو أن يقتله، أو أن يتّصل وزير خارجيّته بوزير خارجيّة روسيا طالبا منه المساعدة على إقناع الرئيس صدّام بالتنحّي.

لكن الجانب الآخر لهذه الصورة هو: ماذا لو لم يحدث هذا الأمر ولم يستجب الرب لآمال الرئيس بوش وبقي صدّام في الحكم؟ فكيف ستتحقّق الأهداف السياسيّة من الجهة العسكريّة؟

في هذه الحال سنشهد بالتأكيد السيناريو الأسوأ، ألا وهو القتال في العاصمة بغداد، وذلك لأن مستقبل الرئيس بوش وصورة أميركا يعتمدان مباشرة على نتيجة الحرب. فماذا عنها؟

ينصح المفكّر الصيني صان تسو في كتابه فن الحرب، بعدم دخول المدن. كما ينصح الإستراتيجي الإنجليزي ليدل هارت بالاقتراب غير المباشر. وحتى الآن، تعتمد أميركا هذا المبدأ، فهي تتجنب البصرة.

لكن تحقيق الهدف يلزمها الذهاب إلى بغداد. والأمر في العاصمة العراقية يختلف عن غيرها، فالعراقيّون سينتظرون هذه المناسبة، لأنهم في ساحات بغداد هم الأقوى، لكنهم إذا أرادوا النصر يجب عليهم أن يتحلوا بإرادة القتال، إذ من هذه الإرادة تأتي النتائج. وقد كان للعراقيين الوقت الكافي للتحضير وذلك بسبب غياب عنصر المفاجأة في الحرب، فالأميركيّون أعلنوا أهدافهم منذ فترة بعيدة، وبدؤوا بنشر قواتهم كما تحدّثوا عن خططهم علانيّة. هذا عدا عن تجارب الرئيس العراقي معهم في العام 1991، وما شاهده في كل من كوسوفو وأفغانستان.

أحد القتلى الأميركيين
الذين وقعوا أثناء المواجهات
لماذا الحرب داخل بغداد مختلفة؟

  • إنها الحرب في المدن، إنه الجحيم بالفعل. ففي بغداد تتقارب المستويات العسكريّة في النوعيّة، لكن العدد يبقى لصالح العراقيّين.
  • في بغداد، تخسر أميركا كل تفوّقها التكنولوجي.
  • في بغداد يعرف العراقي أرضه وبيته، في حين يقاتل الأميركي في محيط عدائي له.
  • في بغداد لا طائرات ب/52 لأن الأمر سيبدو وكأن الهدف هو تدمير بغداد.
  • القتال في بغداد يعني أن التقدّم يقٌاس بالأمتار وليس بالكيلومترات. وكل متر قد يُكلّف قتيلا في الجهتين، والعراق مستعدّ لأنه يعتبرها حرب شرف الدفاع عن بيته، فهل بوش مستعدّ لذلك؟
  • لا أسلحة ذكيّة في بغداد، ولا طائرات دون طيّار.
  • في بغداد قد تطول المعارك جدّا ويحدث كما حدث في فيتنام، وقد ينهي الحرب رئيس آخر.
  • في بغداد يحقّ للرئيس صدّام استعمال أسلحة الدمار الشامل، لأن حرب بوش لا تتمتّع بالشرعيّة الدوليّة أولا، كما أنها تدور في بيت الرئيس صدّام حسين الذي يبعد 10 آلاف كيلومتر عن البيت الأبيض ثانيا.
  • في بغداد قد يلقى الجيش الأميركي ما لقيه الجيش الإسرائيلي في بيروت، وهو مضطر لتقليد الجيش الإسرائيلي في جنين حيث راح يتنقل بين منزل وآخر بفتح فجوات في الجدران. لكن بغداد غير جنين مساحة وعددا، والفلسطينيون العزّل هم غير الحرس الجمهوري العادي منه والخاص. إنها معضلة فعلا، لكن الأكيد أن القتال بالنظارات وعلى الخرائط هو غيره في الحروب الفعليّة حيث الطبيعة البشريّة وتعقيداتها.
  • لا يمكن المناورة في بغداد، الأمر الذي لا يعمل لصالح الأميركيين، حتى أنه لا يمكن استعمال الطوافات لأنها ستصبح عرضة للأسلحة الخفيفة.
  • في بغداد لا يمكن استعمال كثافة ناريّة كما اعتاد الأميركيّون.
  • في بغداد، تتعقّد جدّا عمليّة القيادة والسيطرة، وهو البُعد الذي يميّز أميركا عن باقي الدول.
  • إن القتال في بغداد يتناقض مع العقائد العسكريّة الأميركيّة التي تعتمد على السرعة والحركيّة والقوّة الناريّة.
  • في بغداد -كما يقال- كان الرئيس العراقي قد أعدّ خططه العسكريّة بحيث ينشر قواته على الشكل التالي: على أبعد دائرة عن القلب نشر القوات العسكريّة العاديّة، وفي الدائرة الأصغر نشر الحرس الجمهوري. أما في الدائرة المباشرة فقد نشر الحرس الجمهوري الخاص، عدا المليشيات الحزبيّة وعناصر الأمن من كل الأنواع. هذا بالإضافة إلى أنه أعدّ الخنادق المملوءة بالنفط لإحراقها عند اللزوم.
  • في بغداد هناك العوائق الطبيعيّة، خاصة نهر دجلة الذي يقسمها إلى نصفين.

في الختام، يبدو أن القوّة الأميركيّة تعمل لصالح أميركا، غير أنها فعليا تعمل ضدّها، خاصة إذا كانت في أيد تفكّر خطّيّا كالرئيس بوش. وانطلاقا من هذا الأمر، تبدو القوة الأميركيّة ملزمة عند كل تحدٍّ بإثبات نفسها علانيّة، وإلا فهي تعكس صورة ضعيفة، وهذا ما يعاني منه الفكر الأميركي خاصة بعد 11 سبتمبر/ أيلول 2001.

لذلك نتساءل عن سلوك الرئيس بوش إذا ما استعمل الرئيس صدّام أسلحة غير تقليديّة. فهل سيصعّد هو أيضا حتى المستوى النووي؟

من الناحية المنطقيّة وحسب مفهوم التصعيد والتصعيد المضاد الذي تحدّث عنه كلاوزفيتز الإستراتيجي العسكري الشهير، نقول نعم. لكن "النعم" واستعمال النووي قد يخرق قانونا آخر وضعه كلاوزفيتز ألا وهو ضرورة التوازن بين الأهداف والوسائل. فما نفع عراق مدمّر نوويا بعدما استثمرت فيه وسائل طائلة جدّا؟ اللهم نجِّ الشعب العراقي.
ــــــــــــــــ
* عميد ركن متقاعد، أستاذ محاضر في جامعة السيدة لويزة-لبنان.

المصدر : الجزيرة