بقلم/ محمد بن المختار الشنقيطي

منذ ثلاثة أسابيع أغار شباب أميركيون عنصريون على المركز الإسلامي في ساوث أبلين بمدينة "لباك" في غرب ولاية تكساس، فكسروا النوافذ وكتبوا شعارات عنصرية على الجدران الداخلية، ونهبوا ودمروا ما وصلته أيديهم.


تفسير السياسات الأميركية في المنطقة العربية وفي العالم الإسلامي دون أخذ العوامل الدينية في الاعتبار يفقدنا فرصة الربط بين السلوك الظاهر والدوافع العميقة في ثنايا النفوس، ويقودنا إلى تفسيرات آنية سطحية
وفي اليوم الموالي كان رؤساء الكنائس وقادة المجتمع يتقاطرون على المركز للتعبير لنا عن أسفهم وتضامنهم. واتصل كثير من الأميركيين غير المسلمين يعبرون عن استعدادهم للتطوع في إصلاح ما فسد، وترتيب ما تبعثر، والتبرع بوقتهم ومالهم للمركز الإسلامي.

كان الاعتداء شديد الوقع على نفوسنا، وكان التضامن عميق التأثير في قلوبنا. وبين هذا وذاك تعمق فهمنا للصورة الأميركية المعقدة التي لا يمكن اختزالها أو تبسيطها، والمشهد الأميركي المركب الذي لا تمكن رؤية كل أبعاده بسهولة.

لم تكن هذه الأحداث ذات المدلول المتناقض جديدة علينا في أميركا، فقد رأينا التحيز الصارخ ضد المسلمين في أميركا بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول، كما رأينا التضامن الواسع معهم. رأينا مضايقة المسلمات المحجبات في الشوارع والأسواق، كما رأينا طالبات جامعة "ميشيغان" يرتدين الحجاب تضامنا مع النساء المسلمات. وفهم مدلول هذه الصورة المركبة هو التحدي الذي يواجهنا اليوم.

تقول كتب التاريخ إن نابليون بونابرت كان لا يتحدث في أمور السياسة والحرب إلا وأمامه خريطة، حرصا منه على استيعاب الوقائع على الأرض بنتوءاتها وشعابها وهضابها قبل أن يتخذ أي قرار، لأنه أدرك خطر التسطيح والتعميم، وفهم أنهما أقصر الطرق إلى الكوارث السياسية والعسكرية.

لكن الخرائط الجغرافية لم تعد ذات أهمية تذكر، فطلاب المدارس يعرفون عن جغرافيا العالم اليوم أكثر مما كان يعرفه نابليون. وإنما يكمن التحدي اليوم في استيعاب الخريطة الإنسانية لأمم الأرض، وتضاريس كل أمة على حدة: اجتماعيا وسياسيا وأيدولوجيا.

وتشير كل الدلائل إلى حاجة العرب والمسلمين لاستيعاب خريطة هذه الدولة العظمى المسماة بالولايات المتحدة الأميركية التي يرهبها قادتهم بسبب ذراعها الطويلة، وتمقتها شعوبهم بسبب سياساتها الجائرة.

وليست القراءة السطحية والمعلومات السياحية بكافية لاستيعاب المشهد الأميركي المركب، بل لابد من الغوص على المفردات والتفصيلات وتجاوز المظاهر إلى عمق الظواهر، والأفعال إلى الدوافع، بما في ذلك البواعث الدينية والتاريخية، وموازين السياسة الداخلية، وغايات الإستراتيجيات الكبرى.

إن كل من يحمل بين جنبيه بقايا من أخوة الإسلام أو شهامة العروبة أو عواطف الإنسانية لا يستطيع إلا أن يتألم من المواقف الرسمية الأميركية، ويتعجب من مستوى الانحطاط الأخلاقي الذي وصلت إليه السياسات الأميركية في بلاد الإسلام، حينما يسمع مستشارة الأمن القومي الأميركي كوندوليزا رايس تبرر استخدام أشد الصواريخ الأميركية فتكا في سحق الجسد النحيل لشيخ يناهز السبعين من العمر، مشلول الأطراف، عليل الجسم، كفيف البصر، "لا يستطيع رد ذبابة عن نفسه" حسب تعبير ابن أخيه. وكل جرم الشيخ الشهيد أحمد ياسين أنه لم ينس بيته الذي طرده منه الغزاة في ضواحي "يافا"، ولا رضي التنازل عن حق شعبه في الحياة الكريمة.

لكن المشكلة التي لا يعين الغضب والعجب من السياسات الأميركية على فهمها هي أن التبرير المستهجن لاغتيال الشيخ ياسين جانب واحد فقط من المشهد الأميركي المركب. أما الجانب الثاني فهو محاضرة الأستاذ الأميركي بجامعة تكساس التطبيقية التي حضرتها بعد سماعي كلام "كوندوليزا" بيوم واحد يصرح فيها في شجاعة نادرة -بالمعايير الأميركية طبعا– أن إسرائيل "نشأت بالإرهاب وتغذت بالإرهاب، ولا يزال يقودها قائد إرهابي ومجرم حرب".

لا يوجد شعب على وجه الأرض عانى ويعاني من جور السياسات الأميركية مثل الشعب الفلسطيني، ولا توجد حركة سياسية يستهدفها الأميركيون بظلم مثل حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وكلما أدركت الدولة اليهودية هشاشة وضعها وتصاعد المقاومة ضدها، ورفض شعوب المنطقة لها، أمعنت –من خلال امتداداتها في واشنطن- في توريط الأميركيين في حرب مفتوحة مع العرب والمسلمين عبر العالم.

فأميركا بالنسبة لإسرائيل هي الدرع الحصين وخط الدفاع الأخير. ونشوب حرب مفتوحة بين أميركا وبين أبناء العروبة والإسلام في كل مكان هو الأمل الوحيد لبقاء المشروع الصهيوني، أو تأجيل وفاته على الأقل.

لكن "حماس" عبرت على لسان قادتها أكثر من مرة -وبالفعل قبل القول- أنها لا ترغب في مواجهة مفتوحة مع الشعب الأميركي. وهذا قرار يدل على استيعاب عميق للخارطة الأميركية: فالمواجهة المفتوحة هي ما يطمح إليه قادة الصهيونية واليمين المسيحي في أميركا، لأسباب دينية وأيدولوجية وإستراتيجية كثيرة. والمواجهة المفتوحة هي التي ستجعل الأميركيين يبذلون أرواحهم دفاعا عن الدولة اليهودية، ولا يقفون عند حد الإمداد بالمال والسلاح، لأنهم في هذه الحالة لن يستطيعوا التمييز بين من يسعى إلى التحرر من نير الاحتلال ومن يسعى إلى تدمير أميركا.

هل يعني هذا أن ما يحتاجه العرب والمسلمون اليوم هو "مهاتما غاندي" يتكلم العربية، أو "مارتن لوثر كينغ" يدين بالإسلام ليحصلوا من أميركا على ما يطمحون إليه من عدل وإنصاف؟! لا أعتقد ذلك بكل أسف، ولو كان خطاب السلم والتعايش والرضا بعدالة منقوصة ينفعان، لنفعا الرئيس ياسر عرفات الذي تخلى عن تاريخه النضالي مراهنا على حسن النوايا الأميركية، فانتهى به الأمر أسيرا في يد عدوه.

المواعظ وحدها لن تغير السياسات الأميركية والإسرائيلية، والحديث عن القيم الإنسانية والأخوة بين البشر لن يجعل القلوب تلين، بعدما امتلأت بالاستعلاء الديني والعرقي والمطامع الإستراتيجية والاقتصادية. ومن حق كل مظلوم –مسلما كان أو غير مسلم- أن يعبر عن مظلمته، وأن يدافع عن حقه السليب وكرامته المهدورة.

لكن تقرير هذا المبدأ من الناحية النظرية لا يكفي. بل لابد من نقاء الراية، ووضوح الأهداف، وفهم الخصم، واجتناب الدخول في المعارك الجانبية، أو الانزلاق في مواجهات الجبهات العريضة التي تستنزف الجهد وتشوش المسيرة، والحذر من الوقوع في شراك العدو المتربص، الحريص على جعل كل عربي ومسلم في حرب مع كل من ليس بعربي ولا مسلم على وجه البسيطة، من اليهود والمسيحيين الغربيين، إلى الهندوس والبوذيين الشرقيين، دون تمييز بين دولة ودولة وبين شعب وشعب، ودون أخذ الفوارق والتنوع داخل الشعب الواحد في الاعتبار.

فإذا اتضح أننا في مسيس الحاجة إلى استيعاب المشهد الأميركي المركب بشيء من التفصيل، فهذه بعض المعالم:

يحتاج العلمانيون في الوطن العربي والعالم الإسلامي أن يدركوا أثر الدين في السياسة الأميركية. فالعلمانيون عندنا الذين قد يستغربون أن يكون مدرس التفسير رئيسا لدولة مسلمة، لا يعرفون –على الأرجح- أن الرئيس الأميركي جيمي كارتر كان يقدم دروسا في تفسير الإنجيل بإحدى الكنائس المعمدانية في واشنطن خلال فترة رئاسته. وقد جمع تلك الدروس في كتابه "مصادر القوة" Sources of Strength.

وفي كتابه "دماء إبراهيم" Blood of Abraham يتحدث الرئيس القسيس كارتر بلغة الوجد الصوفي عن تعلقه بإسرائيل وبالشعب اليهودي. وحتى بيل كلينتون -وهو صاحب أشهر فضيحة أخلاقية في تاريخ الرئاسة الأميركية- كان ينوح في الكنائس، ويبكي بكاء مرا، وهو يستمع إلى مواعظ وعاظها.


الصورة الشوهاء التي تحملها النخبة السياسية الأميركية عن العرب والمسلمين ليست بسبب جهلها بنا، بل بسبب معرفتها بنا. وليست الصورة الشوهاء هنا انعكاسا لما نفعله نحن، بل نتيجة لما يُفعل بنا

وقد صدر مؤخرا كتاب بعنوان "عقيدة جورج بوش" The Faith of George W. Bush للكاتب الأميركي "ستيفان منسفيلد"، يشرح أثر الدين في اختيارات الرئيس الأميركي الحالي السياسية. وأنقل هنا من مدخل الكتاب فقرة يحتاج العلمانيون العرب إلى قراءتها إذ يقول المؤلف "لقد تأثر جورج بوش بعد توبته بمفكرين فهموا الرسالة المسيحية على أنها شخصية وعامة، طاقة في ضمير الفرد وخطة لمسيرة أمة".

فتفسير السياسات الأميركية في المنطقة العربية وفي العالم الإسلامي دون أخذ العوامل الدينية في الاعتبار يفقدنا فرصة الربط بين السلوك الظاهر والدوافع العميقة في ثنايا النفوس، ويقودنا إلى تفسيرات آنية سطحية.

أما الإسلاميون فيحتاجون إلى إدراك أن أميركا –رغم أثر الدين في سياساتها- ليست "دولة صليبية" بالمعنى المبتذل المستخدم لدى بعضهم، فلدى الساسة الأميركيين دوافع أخرى لا تقل أهمية عن الحمية الدينية، ومنها الاندفاع نحو بحور الذهب الأسود التي دفنتها الأقدار في باطن الجزيرة العربية. ومنها مراعاة الموازين السياسية الداخلية التي لا يستطيع السياسي الأميركي الطموح تجاهلها، وهي موازين تميل لصالح أنصار إسرائيل من اليهود والأصوليين المسيحيين في أميركا.

كما يحتاج الإسلاميون إلى إدراك أمر آخر لا يقل أهمية، وهو أن التدين –حتى في صيغته الأميركية- لا يرادف التعصب والكراهية. وإذا كان هذا صحيحا بالنسبة للمسلمين -وهو ما تجهله أميركا- فهو صحيح بالنسبة لغير المسلمين كذلك. فالمسيحي الأميركي المتدين قد يدفعه تدينه إلى احترام المسلمين وإنصافهم، أو إلى احتقارهم والاعتداء عليهم. وقد يحمل المتدين الأميركي صليبه من غير سيف كما فعل كارتر، وقد يحمل سيفه من غير صليب كما فعل بوش الأول، أو يحملهما معا كما يفعل بوش الثاني.

لقد تبنت بعض الكنائس الأميركية الحرب على العراق بشراسة، واعتبرتها فرصة لنشر المسيحية في عاصمة الرشيد، وحربا من حروب آخر الزمان التي تعجل بقدوم المسيح. لكن بعض الكنائس الأميركية عارضت الحرب على العراق بحماسة وصدق، وتظاهر أتباعها ضدها أكثر مما فعل رواد المساجد في أميركا. وحملت صحيفة "يو أس توداي" منذ أيام خبرا عن مجموعة من قادة الكنائس يدافعون عن حق المسلمين في بناء مسجد بإحدى المدن الأميركية بعدما اعترض بعض الجيران على ذلك.

وحينما اجتاح شارون بيروت مطلع الثمانينات كان يرافقه قس أميركي متعصب يحرضه على التقتيل والتنكيل -وما هو بحاجة إلى محرض- بينما كانت ممرضة بريطانية مسيحية تشارك الفلسطينيين بلواهم، وتقدم العلاج لجراحهم، وتقتات معهم بلحوم القطط والكلاب تحت الحصار. ولا تزال دماء الفتاة الأميركية "راشل كوري" طرية، وقد بذلتها دفاعا عن الفلسطينيين.

ومما يحسن إدراكه لفهم المشهد الأميركي، أن العامي الأميركي يميل إلى البلاهة السياسية والجهل بما وراء حدود بلده، وهو إن فكر في الخارج، فالخارج في تصوره هو الولايات الأميركية التي لم ينعم بزيارتها من قبل، وليس لديه فيها أقارب أو أصدقاء. أما ما وراء البحار فكوكب آخر!! وقد أدرك العجوز الإنجليزي الماكر تشرشل تلك البلاهة السياسية لدى الأميركيين، وصرح بأنه يستطيع أن يحقق بقوة عضلاتهم وكثافة نيرانهم كل ما يصبو إليه من أحلام إمبراطورية. وما تفعله إسرائيل واللوبيات الموالية لها اليوم لا يعدو أن يكون امتدادا لنفس فكرة تشرشل وإستراتيجيته.

ولعل أكبر هزيمة يعاني منها العرب والمسلمون اليوم في علاقتهم بأميركا هي عجزهم عن إيصال قضيتهم إلى ذلك الأميركي الأبله البريء الذي لا يحمل حقدا أو تحيزا ضد أحد، لكن يتم تجييشه ضد قضايانا ليل نهار على أيدي خبراء التضليل الإعلامي وفلاسفة إشعال الحروب، باسم حماية أميركا وأمنها ومصلحتها، أو باسم الدفاع عن الحرية وعن المسيحية، رغم أنه مؤهل بحكم طبيعته وثقافته لتقبل قضايانا وتفهم شكاوانا.

ومما يكشف عمق هذا التفريط أن نعلم أن أكبر مستثمر في نيويورك –عاصمة المال والإعلام– هو رجل الأعمال السعودي الوليد بن طلال. لكن يبدو أن استيراد المسلسلات المدبلجة أهم في نظر مستثمرينا من إبلاغ آهات المظلومين ورفع شكاواهم.

لكن هل يعني ذلك أن النخبة المتحكمة في القرار بواشنطن تجهل قضايانا؟ أو أنها بريئة معذورة بالجهل؟ أو أن كل ما نحتاجه لتغيير رؤاها هو عمل إعلامي منظم وحملة علاقات عامة ناجحة؟ كلا! فلا شيء أبعد عن الحقيقة من قول ذلك.

وهذا يقودنا إلى جانب آخر من جوانب المشهد الأميركي المركب، فهناك نظرية شائعة لدى بعض المثقفين والساسة العرب، مفادها أن مشكلتنا مع أميركا هي جهل الأميركيين بقضايانا، والتصرفات الخرقاء التي يقوم بها بعضنا. وهذا صحيح بالنسبة إلى العامي الأميركي. لكن المشهد يبدو أكثر تعقيدا من ذلك إذا كنا نتحدث عن النخبة السياسية الأميركية.

فالصورة الشوهاء التي تحملها هذه النخبة المتحكمة عن العرب والمسلمين ليست بسبب جهلها بنا، بل بسبب معرفتها بنا. وليست الصورة الشوهاء هنا انعكاسا لما نفعله نحن، بل نتيجة لما يُفعل بنا. إنها صورة صيغت بعلم وعمد وإصرار، وللنخبة السياسية الأميركية الدور الأهم في صياغتها وتسويقها في أميركا وفي العالم أجمع.

وبيان ذلك أن البشر ميالون بطبعهم إلى إسباغ الشرعية على ما يفعلونه من شرور، فمن السذاجة أن نتوقع من شارون أن يذرف الدموع على الفلسطينيين الذين يذبحهم يوميا، أو يترحم عليهم قائلا "رحمهم الله كم كانوا أناسا طيبين هؤلاء الذين ذبحتهم"!! وإنما المنطقي أن يقول "إنهم إرهابيون وقتلة" تبريرا لفعلته أمام ضميره الميت أولا، ثم أمام العالم المتفرج على المسرحية الدامية.


استيعاب المشهد الأميركي هو المدخل والشرط المسبق في كل نجاح، إذ من خلاله سيعرف العرب والمسلمون من يتعاطف مع قضاياهم من الأميركيين، ومن يقبل الحوار والتعايش معهم، ومن يقف منهم موقف الحياد، ومن ينابذهم العداء
ومن السذاجة أن نتوقع من السياسي والعسكري الأميركي الذي يجتاح أرضا غير أرضه، ويجوب المحيطات لإخضاع شعوب أخرى أو التحكم في ثرواتها، أن يصف تلك الشعوب بالمسؤولية والنضج السياسي، بل لابد من أن يصفها بالتوحش أو القصور، أو غير ذلك من مبررات الوصاية ووضع اليد.

أما ما يرتكبه الفلسطيني من أخطاء في تحرره، أو يرتكبه المسلم من خطايا في سعيه إلى الإنصاف، فليس سوى جزء يسير من أسباب الصورة الشوهاء. ولكن هذا الجزء هو الذي يتم تضخيمه وتركيزه في الأنفس والأذهان، تبعا لقواعد ثلاث تمثل أساس الدعاية السياسية في كل عصر، وهي:

  • التستر على فضائل الخصم، منعا له من أي اعتراف به أو احترام له.
  • تضخيم مساوئه وأخطائه، هدما لمصداقيته وتشكيكا في أهدافه المشروعة.
  • الافتراء عليه تشويها وكيدا، لإتمام بناء صورة شوهاء تدعو إلى النفور.

وقد لخص شاعر عربي قديم قواعد الدعاية الثلاث هذه في قوله:
إن يعلموا الخير أخفوه، وإن علموا شرا أذاعوا، وإن لم يعلموا كذبوا

ومهما يكن من أمر، فإن ثمن تفريطنا في مخاطبة الرأي العام الأميركي ثمن باهظ، آن أوان الانتباه له، مع إدراك أن تلك المخاطبة مهما تكن جذابة فإنها لن تجعل "برنار لويس" أو "صموئيل هنتغتن" يتراجعان عن نظريتهما المشبوهة حول "صراع الحضارات"، ولن تجعل "دانييل بايبس" و"بات روبرتسون" يحترمان المسلمين، ولن تقنع "ريتشارد بيرل" و"بول ولفويتز" بأن غزو العراق كان عدوانا. لكنها ستقنع أغلب الأميركيين بعدالة قضيتنا، وإيماننا بالبر والقسط، وحرصنا على العدل والإنصاف.

ويبقى استيعاب المشهد الأميركي بكل تناقضاته وتعقيداته هو المدخل والشرط المسبق في كل نجاح، إذ من خلاله سيعرف العرب والمسلمون من يتعاطف مع قضاياهم من الأميركيين، ومن يقبل الحوار والتعايش معهم، ومن يقف منهم موقف الحياد، ومن ينابذهم العداء.

أخشى أن يكون الذين أعلنوا حربا شاملة على الشعب الأميركي مخطئين، وأن يكون الذين قدموا للحكومة الأميركية آيات الطاعة والاستسلام مخطئين أيضا. فقد التقط كل من الطرفين على عجل جانبا واحدا من الظاهرة الأميركية المتعددة الأوجه والأبعاد، وبنى عليه حكما عاما. فمتى نستوعب المشهد الأميركي المركب.. متى؟!
________________________
كاتب موريتاني مقيم بالولايات المتحدة

المصدر : غير معروف